• اله يطلب الحقيقي، لا المصطنع - بقلم: بطرس منصور
اله يطلب الحقيقي، لا المصطنع -  بقلم: بطرس منصور

منذ بدء التاريخ والديانات تفرض الطقوس والشعائر والوصايا لكي ترضي الاله. فهي تطلب حَجاً او تقديم الذبيحة او التبرع بالأموال وحتى رفع الصلوات بحسب نص معيّن في مكان او ساعة محددة. قد جاءت هذه المتطلبات حتى تُسهّل على الانسان أداء واجباته لربه وبهدف ان يفهم المؤمن ويتفاعل مع ما تنطوي عليه هذا المتطلبات. فالهدف ما وراء تتميم الوصايا الآنفة، ليس فقط رغبة في ارضاء الاله وانما ايضاً التدرّب على الرغبة في التضحية والتكريس. انها تشبه تربية الطفل الصغير ان يعمل الأشياء بميكانيكية عساه يتدرب ليقولها من قلبه ويفهم عمق معناها حين يكبر (مثلاً حين يطلب الابوين من طفلهن ان يقول "شكراً "لمن قدم له هدية). لكن أحيانا كثيرة وللأسف يبقى ذلك التتميم للفرائض في طور الطفولة ويصبح ميكانيكيا تلقائيا دون الاستفادة مما قُصد به. أصبحت الناس تعيد كلمات الصلاة عن ظهر قلب دون حدوث تكريس بفعلها وأصبح الانسان يقدم ذبيحته او تقدمته المالية كواجب ودون فرح العطاء.

لقد رفعنا الرب من مرحلة الطفولية ومنحنا التّرقية، احترم انسانيتنا وقرارتنا. هو يحترم ارادتنا وعقلنا وحريتنا الشخصية فيريدنا ان نستخدمها بطواعية ودون فرض او اكراه، ومسّرة قلبه ان نقوم بذلك بصلاح. لقد وضع العهد الجديد الفرائض جانباً ولم ينظر الرب الى العينين بل استهدف القلب مباشرة. لم يعد الرب مستتراً وراء الفرائض وملقناً إيانا إياها بل متسائلاً عن منحى القلب والدوافع. هو يسأل عن رغبة الانسان وقلبه والقصد وراءهما ورمى جانباً القشور التي تغلّفها وتخفيها.

لقد امر الله في القديم الّا يقتل الانسان غيره، ولكنه الآن يسأل عن دوافع العدوانية لذلك الانسان الذي تشكلت عنده نيّة القتل. كما امر بمنع الزنى والآن يسأل عن منبع الفكر الشهواني. في الحالتين يتولد الفكر الخاطئ رويداً رويداً وينمو ليصبح اخيراً جريمة نكراء. الله يدعونا ان نئد ذلك الفكر الخاطئ وهو ما زال في رحم مصنع الخطية، ان جاز التعبير.

وفي الوقت الذي يختبئ البشر وراء أفعال صالحة واقوال حميدة، لكن الله يعرف مكنونات القلوب. لا شيء مخفي امامه. رغم خطايا الملك داود وطيشه لكن الله عرف قلبه التائب وعرف نواياه فأحب قلبه.

انه إله النوايا والدوافع وحيث انه ليس شيء خافٍ عنده...فهو إله النوايا المخفية. انه يعرف ان كانت عندنا اجندة وان كانت عندنا اهداف أخرى لما نعمله. بكلمات أخرى يعرف ان كنا وصوليين- نخطط لأهداف وغايات غريبة بينما نعمل امر ما. انه يرغب بقلوب صريحة مباشرة وحقيقية. لقد وصفوا الأمانة- ان نتصرف في العلن كما في الخفاء. وهذا جانب آخر للحياة الحقيقية التي دوافعها واضحة ونقيّة وتتطابق مع اعمالها الظاهرة.

ان عالمنا يتوق للشخصيات الحقيقية في عالم يعج بالأجندات والتستُّر والكذب والتمثيل. انه عالم طُمست معالمه من كثرة مكياج التصنع والترميم والتلون.

ان هذا التوق للحياة الحقيقية الاصيلة متأصل في النفوس ويجد له أحيانا تعبيرا في رفض اللياقة السياسية ((Politically Correct والتعلق بالشخصيات السلبية التي لا توارب بل تتحدث بالسلبية التي يميّزها بصراحة متناهية. ولكن ليس هذا ما يطلبه الرب بل التوق للحياة الحقيقية الإيجابية بحسب قيم ملكوت الله.

لا تغدو حقيقيا وغير زائف بمجرد قرار شخصي نبيل. فالوحيد الذي ادعى انه الحق هو يسوع. ومن الحق يُشتَق الحقيقي. هو من يعرفك على حقيقتك التي ربما حتى انت بنفسك تجهلها. بارتباطك العضوي كغصن بشجرة يسوع- الحق تصبح انت حقيقيا- خارجك كداخلك. بارتباطك بالإنسان الكامل تصير بالروح القدس مثله.

لا شك ان وجود النفوس الحقيقية المتشبهة بيسوع والمرتبطة به بالبنوة دون مواربة ولا تمثيل يجذب نفوس البشر لمكان وجود هؤلاء. فقد سئم الناس النفوس المصطنعة المعلّبة بحسب الموضة الأخيرة والمستترة بأهدافها الغريبة. بدل ذلك يجرون وراء اهل الحق والحقيقة ممن دوافعهم واضحة ونقيّة كسيدهم..