• محاكمة الرئيس ترامب بين المصلحة والضمير - بقلم: شكري حبيبي
محاكمة الرئيس ترامب بين المصلحة والضمير - بقلم: شكري حبيبي

كيف يقيّم المؤمن المسيحي الأمور المتخالفة عندما تُعرض عليه؟ هل يحكم عليها بحسب ما يمليه عليه ضميره؟ أم على ضوء مصالحه الشخصية؟ أولا يتحمّل المؤمن المسؤولية وبشكل أكبر عندما يكون في منصب يطالبه بالنزاهة في الحكم؟ هذا ما توارد إلى ذهني وأنا أتابع محاكمة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي تحوّل إلى هيئة محلفين في الأسبوع الثاني من شهر شباط (فبراير) الحالي.

لقد قدّمت هيئة الادعاء كل الأدلة والبراهين التي تؤكد على مخالفة الرئيس الأسبق للقسم الذي أدّاه بحماية الشعب الأمريكي ومؤسساته الشرعية، وتحريض أنصاره في الهجوم على مبنى الكابيتول(الكونغرس) في السادس من شهر كانون الثاني(يناير) الماضي، وذلك أثناء قيام مجلس الشيوخ بإداء دوره بالمصادقة على نتائج الانتخابات. هذا الهجوم الذي أدّى إلى سقوط عدد من القتلى، من بينهم ضابط شرطي، وعدد كبير من الجرحى. علاوة على تهديد نائب الرئيس الأمريكي الأسبق مايك بنس بالإعدام شنقاً، وكذلك تهديد رئيسة مجلس النواب نانسي بولوسي بالقتل. بالإضافة إلى تخريب بعض الغرف في المبنى، وسرقة عدد كبير من الوثائق. ولولا العناية الإلهية لكان سقط عدد من القتلى في صفوف أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم. مع العلم أن الرئيس السابق لم يفعل أي شيء خلال ساعات لوقف الهجوم.

ولقد أتت نتيجة تصويت هيئة المحلفين المؤلفة من 100 عضو في مجلس الشيوخ متوقعة. إذ تمّت إدانة الرئيس الأسبق ب57 صوتا، أي أقل من ثلثي الأصوات المطلوبة وهي 67 صوتا. مع العلم أن سبعة أعضاء جمهوريين فقط من أصل خمسين قد صوتوا لإدانة الرئيس الأسبق.

أود أن ألفت الانتباه في هذه المقالة إلى موقفين هما أولاً: موقف أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين. وثانياً: موقف الجمهور الواسع المؤيد لترامب. ولعلّ السبب هو لكي أٌقيّم الموقفين من وجهة نظر إنجيلية كتابية، لأن عدداً لا بأس به من الشيوخ الجمهوريين يدّعون أنهم انجيليون محافظون، وكذلك بالنسبة لمؤيدي ترامب فإن نسبة كبيرة منهم تدّعي أنها من الإنجيليين المحافظين.

أولاَ: موقف أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين: في البداية أحب أن أنوه بتصريح رئيس الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل بعد اجراء التصويت مباشرة، وهو الذي صوّت ببراءة الرئيس الأسبق. فقد صرّح قائلاً: «إن تصاعد وتيرة نظريات المؤامرة هي التي سببت أحداث الهجوم في 6 يناير على الكابيتول. وأضاف قائلاً: أن الرئيس الأسبق هو مسؤول عملياً وأخلاقياً عن الهجوم. الذي كان مبنياً على أكاذيب نشرها ترامب».

أما عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ميت رومني والذي صوّت لإدانة الرئيس ترامب، فقد أعلن أنه بحرص شديد وبعد أخذه بعين الاعتبار للحجج التي عرضتها هيئة الادعاء، فقد استنتج أن الرئيس ترامب هو مذنب بالتهم التي وُجهت إليه. وكذلك أعلن عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ريتشارد بير بعد تصويته بإدانة ترامب، أن الأخير هو الذي شجّع أنصاره للهجوم على الكابيتول، لكي يعرقل التصديق على نتائج الانتخابات.

إن هؤلاء الشيوخ الجمهوريين السبعة الذين صوتوا لإدانة ترامب، قد صوتوا بحسب ضمائرهم، أي للحقيقة كما بدت واضحة بالنسبة إليهم، لا سيما أنهم أقسموا في بداية الجلسة على أن يحكموا بعدل. بينما سار معظم الشيوخ الجمهوريين على العكس تماماً، وبينهم العديد من المحافظين الانجيليين مع الأسف، إذ أسكتوا ضمائرهم وغلّبوا مصالحهم الانتخابية، ارضاء لجمهورهم. مع العلم أن الذين صوتوا لإدانة ترامب من الشيوخ الجمهوريين قد تعرّضوا بعدها للمقاطعة والإهانة، وهو ما توقعوه قبل التصويت. هنا المحك: هل يتبع المؤمن في تصويته وخاصة عندما يكون في مركز المسؤولية، سماع صوت ضميره أم يسعى لمصالحه الانتخابية على حساب الحقيقة؟ أولا تحثّنا كلمة الله أن نحكم بعدل وحق على الأمور بغض النظر عن مصالحنا الشخصية؟

وعندنا في العهد الجديد العديد من الأمثلة، أّذكر منها على سبيل المثال: إدانة الرسول بولس بشدة للرسول بطرس عندما حاول إرضاء المؤمنين من أصل يهودي في أنطاكية، بأن قاطع المؤمنين من الأمم ؟(1) أو لم يدن الرسول بطرس حنانيا وسفيّرة لأنهما كذبا واختلسا من ثمن الحقل الذي باعاه؟(2) مع العلم أنه توجد هنا في حادثة الهجوم على الكابيتول جريمة واضحة حصلت، فماذا كان موقف عضو مجلس الشيوخ الإنجيلي المؤمن؟ ألم يكن جديراً به أن يستمع إلى صوت ضميره ويدين هكذا حادثة؟ لكنه كما بدا واضحاً فقد أسكت ضميره وأرضى مصالحه الانتخابية؟ وهو الذي حصل مع الأسف للكثيرين من الشيوخ الجمهوريين.

ثانياً: موقف الجمهور الواسع المؤيد لترامب: كان مستغرباً أن يتجاهل الكثيرون من أنصار ترامب من الانجيليين المحافظين، البراهين الواضحة والأدلة الدامغة التي أدانت ترامب في حادثة الهجوم على الكابيتول. بالرغم من أن معظمهم كان ينتظر بفارغ الصبر يوم 6 كانون الثاني(يناير)، لا بل أن بعضهم دعا للصلاة، لكي يتم تغيير نتائج الانتخابات. مع العلم أن هذا اليوم كان مخصصاً فقط للمصادقة على هذه النتائج وليس للبحث فيها. إن هذا يدل على مدى تعصبهم الأعمى، وهروبهم من الاصغاء لصوت الضمير. هذا إذا لم نقل عدم وقوفهم كمؤمنين إلى جانب الحقيقة أي إلى جانب العدل والانصاف. فيا ليتنا كمسيحيين إنجيليين نقف دائماً مع قضايا العدل والحق، أو ليس هذا ما يميزنا عن باقي المذاهب والجماعات؟

  1. رسالة الرسول بولس إلى أهل غلاطية، الأصحاح الثاني: أعداد 11-19.
  2. سفر أعمال الرسل، الأصحاح الخامس، أعداد 1-11.