• الإيمان والعقلانيّة - جورج عبده - مقتطفات من كتاب "نحو ذهن متجدد"
الإيمان والعقلانيّة - جورج عبده - مقتطفات من كتاب

مقتطفات* من مقال "الإيمان والعقلانيّة" في كتاب "نحو ذهن متجدد" لمهندس البرمجة جورج عبده الذي يعد رسالة الدكتوراه في الفلسفة في جامعة حيفا

يوجد للفكر أدوار كثيرة جدا في الحياة المسيحيّة الكنسيّة. يوجد له دور في الوعظ وتعليم الكتاب المقدس، وفي كتابة الترانيم وتلحينها، وفي الإرشاد والرّعاية، وفي الإدارة والتنسيق، وفي القيادة والتحفيز، وغيرها من الأمور. وقد واجهت الكنيسة على مرّ التاريخ هجوما فكريا شرسًا، وكان عليها كما قال الرسول بطرس، أن تكون مستعدة للمجاوبة (1 بط 3: 15). وقد يظن البعض، أن هذا الأسلوب الذي به مواجهة ومجاوبة، ليس في مصلحة الإنجيل. فالإنسان لا يستطيع أن يُقنع الآخر بصدق الرسالة المسيحيّة، إلّا أننا نرى حياة الرسل مليئة بالمحاجّة والإقناع، والجدال والمواجهة. ويفيض سفر أعمال الرسل بالأمثلة على ذلك (أع 13: 43، 17: 2، 18: 4، 18: 19، 19: 8-9، 26: 28، 28: 23). كان الرسول بولس على سبيل المثال في أفسس، يدخل المجمع ويجاهر لمدة ثلاثة أشهر، محاجًّا ومقنعًا فيما يختص بملكوت الله (أعمال 19: 8). كان يقوم بذلك ليس في يوم أو يومين، بل خلال ثلاثة أشهر كاملة، وقضى بعد ذلك سنتين يحاجّ في مدرسة تيرانس! لا يبدو لي أن بولس كان يخاف المناظرة أو المواجهة، بل كان يتقن فن الإقناع والبلاغة، إذ مكتوب عنه أنه كان يفحم معارضيه (أع 18: 28)!


أعتقد أن الرسل قد تعلّموا هذا من السيد المسيح نفسه، ومن خلال حواره بصورة كبيرة. فلقد حاول العديد من رجال الدين مرارًا وتكرارًا أن يمسكوه بكلمة لكي يسلّموه للحكم (لو 20: 20)، إلّا أنّه أسكتهم (لو 20: 26)! وكُتب في موضع آخر أنه قد أبْكمهم (مت 22: 34)، وهذا لم يحدث عن طريق التهديد والعنف أو الصراخ، بل عن طريق إجابات حكيمة، حتى أنهم لم يَجسروا أن يتابعوا معه المُساءلة (متى 22: 46).

رغم ذلك، أعتقد أن المجهود الفكري وحده، غير كافٍ للإيمان الحقيقي في المسيح، إذ أنّ الإيمان مبني على علاقة محبّة اختبارية مع الله. قد يسأل أحدهم: إذا، ما الفائدة من هذا الاجتهاد الفكري في المواجهة؟ أظن أن الشواهد أعلاه تبيّن لنا على الأقل أن الله قادر على استخدام هذا الأسلوب لمجده. لا يجب أن نحدّ الرب، فلديه طرق ووسائل عديدة ليُكلّم أرواحنا من خلالها. إن الفكر هو إحداها، وبالطبع ليس هو الطريقة الوحيدة. وأريد أن أعدد هنا بعض الأسباب التي قد تُشجعنا على أن نُفعّل هذا المجال الفكري في كنائسنا، بذكر أهم التأثيرات على من هم في داخل الكنيسة:

1. يواجه العديد من المؤمنين شكوكا وتحديات فكريّة. وتساعد الإجابات المقنعة في عملية إطفاء نار هذه الشكوك، وقد وتحفّزهم على الالتزام أكثر بحياة الإيمان. 
2. عندما يسمع المؤمنون أجوبة مقنعة حول الأسئلة المطروحة، يشعرون بالشجاعة والحماس من أجل مشاركتها مع غيرهم، أو على الأقل يعرفون أن هنالك أجوبة لكي يرشدوا الآخرين لها.

من أهم التأثيرات على من هم خارج الكنيسة:
1. تساعد الأجوبة المقنعة الشخص الذي يبحث عن الله في إزالة العقبات الفكريّة من طريق بحثه وتسهّله.
2. يسخر بعض الأشخاص من الإيمان والمؤمنين علنا. ولقد شاهدت في العديد من الأحيان، أن هذه الأجوبة لم تقنعهم، لكنها أوقفت سخريتهم وتهجمهم أو خففتها على الأقل.
3. يقول وليم لين كريج إن هذه الخدمة تُشكّل ثقافة  يكون الإيمان المسيحي فيها اختيارًا معقولًا منطقيًّا وعقلانيًّا، وليس كما يدّعي بعض الساخرين، أنه مجرد تصديق لقصة خياليّة.

 

* قدم موقع "تعال وانظر" رعاية مشتركة مع كلية بيت لحم للكتاب المقدس وكلية الناصرة الانجيلية لكتاب جديد مميز  يحمل الاسم "نحو  ذهن متجدد" – مساهمات فكرية انجيلية في السياق الفلسطيني. يقع الكتاب في 420 صفحة وسنقوم تباعًا بنشر مقتطفات وأجزاء من المقالات التي فيه في الموقع هنا. طبعًا نشجع القراء الرجوع للكتاب وقراءة المقالات بأكملها بتمعن وليس الاعتماد على المقتطفات التي ننشرها هنا التي تعطي صورة جزئية للغاية.
يمكن الحصول على الكتاب من احدى الجهات الراعية.
 
 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع