• صرخة ألم: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ - بقلم القس الدكتور حنا كتناشو
صرخة ألم: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ - بقلم القس الدكتور حنا كتناشو

صرخة ألم: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ (مز22: 1-2؛ 7-8/12-13؛ 6)

لا أحب تسمية بعض المزامير بالعبارة العربية "مزامير الرثاء" لأن الرثاء مرتبط بالأموات. وهو تعداد خصائص الميت مع التفجع عليه وتقديم العزاء بما كان يتصف به، ويشمل الرثاء تأبين الميت وذكر محاسنه وتخليد ذكراه. وتشمل قصائد الرثاء العربية أربعة عناصر وهي: حتمية الموت، التفجع، التأبين، ثم التعزي والتأسي. ولا تتوافق هذه التسمية مع هدف ومضمون مزامير الرثاء. ولهذا أفضّل تسمية هذه المزامير بمزامير صرخة ألم.

تعبّر هذه الصرخة عن الاغتراب والشعور بالغم والحزن. وترتبط أحيانا بالذل والمعاناة بسبب الكوارث الطبيعية أو الحروب أو الاضطهاد أو المرض أو السقوط في أوحال الخطيئة. إنها صرخة ألم يوجهها الإنسان نحو الله ليؤكد أنَّ الأمور ليست بخير وأن الأوضاع سيئةٌ للغاية. إنها صرخة ألم من إنسان يؤمن بالله وبقدرته وبمحبته وبسيادته لكنه لا يفهم ولا يشعر بقرب الله ولا يقبل الظلم والمرض والاضطهاد. إنها صرخة ألم تعبّر عن جوع الإنسان للعدالة وللشفاء وللسلام وللتعاطف مع المظلوم والمهموم. إنها صرخة ألم تعبّر عن صراع أهل الخير مع كل أنواع الشر. إنها صرخة ألم ضد الخطيئة الشخصية والاجتماعية والسياسية. إنها أسلوب مقاومة للتأكيد على عدم قبول الشر بكل أشكاله وللسعي نحو تغيير الواقع ليتلاءم مع هوية الله كلي الخير. إنها حديث عاطفي عميق تنكشف فيه الجروح أمام الله وربما أمام المصلين والمصليات ويستعطف الصارخُ الله ويسترحمه ويطلب منه نشر الخير وردع الشر. إنها جلسة مشورة لشفاء النفس والروح والجسد والفكر في محضر الله الشافي.

            ولقد ارتبط هذا النوع من التذلل وصرخات الألم بالصوم والانقطاع عن الطعام والشراب والعطور والملذات الجسدية. واكتست مفردات الألم بوصف الصعوبات الجسمانية والاجتماعية والنفسية والروحية والاساءات والأعداء وكل أنواع المصائب وقوى الشر. وقد ترتبط المعاناة بالعار والهزيمة وبتقديم الشكوى حتى ضد الله. فلماذا لا يحمي اللهُ أولادَه وبناته؟ ولماذا لا يساند الفقير والأرملة والمحتاج والمظلوم؟ ولماذا يسمح بالشر؟ ولماذا يُعاني البار؟ ولماذا يمرض الإنسان ويشعر بالضعف الشديد؟ تقدم مزامير صرخة ألم هذه الأسئلة دون تكميم الأفواه ودون الخروج من دائرة الإيمان ودون تقديم الأجوبة السطحية التي لا تتعامل مع واقع المرض والظلم الذي يستمر عاماً بعد الآخر. ولهذا تصرخ دون يأس وأحيانا بيأس وتسأل حتى متى؟ أين أنت يا الله؟

            ونجد ثلاثة أنواع من صرخات الألم من ناحية متلقي الصرخة. فالمتألم هو مرسل الصرخة. وقد يصرخ صرخة ألم ضد الله أو الأعداء أو الذات (مز22: 1-2؛ 7-8/12-13؛ 6). وهكذا يصرخ داود صرخة ألم معاتبا الله وقائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني، بعيدا عن خلاصي، عن كلام زفيري؟ إلهي في النهار أدعو فلا تستجيبُ، في الليل أدعو فلا هدوَّ لي (مزمور 22: 1-2). ثم يصرخ ضد الأعداء قائلاً: كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه، ويُنغصون الرأس . . . فغروا عليَّ أفواههم كأسد مفترس مزمجر . . . لأنه قد أحاطت بي كلابٌ جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أحصي كلَّ عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون (مزمور 22: 6-18). وقد يصرخ المتألم ضد الذات فيقول: أما أنا فدودة لا إنسان. عارٌ عند البشر ومحتقر الشعب (مزمور 22: 6).

 

1- صرخة المريض

            وثمة عدة أنواع من صرخات الألم. فقد يصرخ الإنسان لأنه مريض كما في مزمور 38، 41، و88. فيذكر الرب بوضعه ويقول: ليست في جسدي صحة . . . ليست في عظامي سلامةٌ . . . قد أنتنت، قاحت حُبرُ ضربي . . . خاصرتي امتلأت احتراقاً وليست في جسدي صحة . . . كنت أئن من زفير قلبي . . . قوتي فارقتني ونور عيني أيضا ليس معي (مزمور 38: 1-10). ويقول صاحب المزمور 88: لأنه قد شبعت من المصائب نفسي، وحياتي إلى الهاوية دنت . . . صرت كرجل لا قوة له. بين الأموات فراشي مثل القتلى المضطجعين في القبر . . . عيني ذابت من الذل (مزمور 88: 3-9). ولقد ارتبط المرض بالعار الاجتماعي وبالشك في روحانية المريض. فهل هو تحت غضب الله وتحت الدينونة؟ هل يعاني مرضا بسبب الخطيئة؟ تدعونا روحانية هذه المزامير إلى التوبة والتذلل إلى الله والاقتراب منه طلبا للرحمة وللشفاء. فيقول صاحب المزمور 6: اشِفني يا رب . . . خلصني من أجل رحمتك. ويقول صاحب مزمور 102: لأن أيامي قد فنيت في دُخان، وعظامي مثل وقيدٍ قد يبست (مزمور 102: 3). ويقول صاحب المزمور 13: إلى متى يا رب تنساني كل النسيان؟ لقد أدرك المريض أن الشفاء بيد الله وأن رحمته أفضل من الحياة. ووجد أن فترة المرض هي زمن التوبة والاسترحام والرجوع إلى الرب من كل القلب. ليست الأمراض بالضرورة نتيجة للخطيئة لكنها فرصة لترك الحياة الروتينية وقضاء الوقت مع الله. ونجد في صلاة المريض وصف المرض بالتفصيل وطلب التوبة وطلب الرحمة وطلب استرداد الكرامة الجسمانية والاجتماعية. لكن صرخة المريض لا تنتهي دائما بالنهاية السعيدة.

            فقد نشعر باليأس في هذه المزامير ويختفي الله كليا كما في مزمور 88. وهذا يذكرنا أن حياتنا الأرضية لن تكون كاملة بل سنمرض ونتألم وسنموت. وقد نجد أحيانا أن صلاة المريض تنتقل من صرخة الألم إلى التسبيح فقد يحصل على الشفاء. أو قد تتنقل بين الصرخة والتسبيح فنتذكر أن تقلّب المشاعر جزءٌ من صراعنا البشري الذي نعرضه أمام الله بكل شفافية سائلين المولى العون. وأحيانا تكون النهاية الأرضية سعيدة فيقول صاحب المزمور: باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل حسناته. الذي يشفي كل أمراضك . . . الذي يشبع بالخير عمرك (مزمور 103: 2-5). ومهما يكن الوضع فإن النهاية للمؤمنين والمؤمنات ستكون الجسد الممجد الذي لن يصيبه المرض أو الموت. فعندما نصلي من أجل الشفاء فنحن لا نضمن الشفاء الآن وهنا بل نضمن الشفاء بسبب الله الشافي سواء أكان الآن أم فيما بعد. فسيأتي اليوم الذي يشفي فيه الله كل أمراضنا وأوجاعنا ونكون أحياء في المجد وبأجساد ممجدة إلى أبد الآبدين.

 

2 - صرخة المُضطهد

            وقد تكون صرخة الألم بسبب الاضطهاد والاتهامات الكاذبة. فيقول صاحب المزمور: يا رب، ما أكثر مضايقي! كثيرون قائمون عليَّ . . . قم يا رب خلّصني (مزمور 3: 1، 7). ويقول صاحب المزمور الخامس: لأنه ليس في أفواههم صدق. جوفهم هوة. حلقهم قبر مفتوح. ألسنتهم صقلوها. دنهم يا الله! ليسقطوا من مؤامراتهم (مزمور 5: 9-10). ولقد استخدم العدو اللعنات والاساءات الكلامية لكي يدمروا نفسية وروحانية الإنسان الذي يتبع الله. وكأنهم بلعام الذي يلعن الشعب ويسعى إلى تدمير ثقتهم بالله وتدمير نفسيتهم وزرع مشاعر القلق والخوف ونزع الإيمان بالله. لكن الله يدعونا من خلال المزامير أن نطلب العدالة والانصاف الإلهي وأن نسكب خوفنا وقلقنا أمامه. وهكذا نؤكد أننا لا نكره البشر لكننا نكره الخطيئة ونطلب أن يزيلها الله ويزيل سلطتها وينزع السلطة من الذين يروّجون الشر أو يقلب حياتهم رأسا على عقب ليتوبوا ويرجعوا إلى الله. فنصرخ بثقة دمّر يا رب الشر ودمّر كل هياكل وكراسي الشر وانشر خير مملكتك على الكل.

 

3 - صرخة المخطئ

            وقد يصرخ المتألم بسبب الخطيئة سواء أكانت خطيئة فردية أو جماعية أو خطيئة سياسية أو اجتماعية. ولقد استخدمت الكنيسة سبعة مزامير لتشجيع الإنسان على التوبة. وهي مزمور 6، 32، 38، 51، 102، 130، و143. والقسم الأكبر من هذه المزامير هو مزامير صرخة ألم. فالخطيئة تسبب الألم الروحي والنفسي وحتى الجسدي. والتوبة هي مفتاح التحرر من آلام الروح وهي بلسم للنفس وبركة للجسد. التوبة هي طريق السلام وطريق المصالحة بين الشعوب. هي طريق السلام مع الله ومع الناس. ويقول صاحب المزمور: طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش (مزمور 32: 1-2). إن التوبة مهمة في الكنيسة ونحتاج إلى ترانيم التوبة وترانيم صرخة الألم التي تجعلنا نتشفع من أجل المرضى والمضطهدين ونصلي من أجل رحمة الله في الكوارث الطبيعية والحروب. ونعبر عن تعاطفنا ومواجدتُنا مع شعبنا ومع المتألمين ومع المظلومين. فنبكي معهم ومن أجلهم. ونتشفع إلى الله بالنيابة عنهم سائلين المولى أن يغدق رحمته ويتوّب قادتنا وشعوبنا فهو الرحمان الرحيم.

 

خاتمة

            لقد تحدثنا عن صرخة الألم. وشرحنا أننا قد نصرخ بسبب المرض أو بسبب الاضطهاد أو بسبب الخطيئة. وربما تكون الصرخة عتابا لله أو صرخة ضد الأعداء أو حتى ضد الذات. يجب ألا نمنع هذه الصرخات وألا نستهين بروحانية مزامير صرخة الألم لا سيما في عالم يمتلأ بالآلام. إن الكنيسة ترحب بالمتألمين وتحبهم وتصلي من أجلهم وتبكي معهم بشكل شخصي وأيضا بشكل جماعي. ونرنم ترانيم التوبة وترانيم التعبير عن آلام شعبنا وجوعنا للعدل وللسلام وللمحبة. لكننا نرنم في داخل دائرة الإيمان وفي حديث مع الله وفي شفافية وصدق. فلنفرح زمن الفرح ولنبكي بدموع مقدسة زمن البكاء.

            وأخيراً وليس آخراً، أوجه كلماتي لكل المرضى والمضطهدين والمتألمين والذين يعانون من قسوة الخطيئة وتسلطها وأدعوكم إلى أن تصرخوا صرخة ألم إلى الله القدير الحنون الذي يسمع ويرى. وأدعوكم أن تستخرجوا سموم الروح والنفس وتضعوها أمام سيد المحبة والخير. فلنكشف جروحنا الجسدية والنفسية والروحية أمام الرب بالصلاة وبمزامير صرخة الألم. فهو سامع الصلاة الذي يأتي إليه كل بشر (مزمور 65: 2). ولنتذكر يسوع المسيح فهو محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن (أشعياء 53: 3). وهو رئيس كهنتنا القادر أن يرثي لضعفاتنا لأنه مجرَّب في كل شيء مثلنا ولكن بدون خطيئة (عبرانيين 4: 15). وهو الذي تألم والقادر أن يعين المجربين والمتألمين (عبرانيين 2: 18). وهو قاهر قوى الشر ومانح الخلاص الذي ينادي كل المتعبين والثقيلي الأحمال. فلنصرخ إليه ضارعين: يا رب اشف المرضى في وسطنا، أنْهِ الاضطهاد على شعبنا، واغفر ذنوبنا.

 

قراءات إضافية مقترحة

كتناشو، حنا. تحدَّث/ي إليه: صلوات من المزامير. الناصرة: دار الكتاب المقدس، 2015. انترنت: www.youtube.com/watch?v=mnkhqF8UCDk&list=PLqKsX_omTy_zGL0FPo_DlKl2qfu4RX1SB

 

Gunkel, Hermann. An Introduction to the Psalms. Macon: Mercer University Press, 1998; pp. 82-98, 121-198.

Kraus, Hans. Psalms 1-59: A Continental Commentary. Minneapolis: Fortress, 1993; pp. 47-52.

Villanuvea, Federico. The Uncertainty of a Hearing: A Study of the Sudden Change of Mood in the Psalms of Lament. Boston: Brill, 2008.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع