• من هو إنسانُ الخطيةِ ابنُ الهلاكِ؟ - القس د. حنا كتناشو
من هو إنسانُ الخطيةِ ابنُ الهلاكِ؟  - القس د. حنا كتناشو

التسمية والخلفيةُ اللغويةُ (2 تس 2: 3)

بعدَ أنْ درسنا عقيدةَ "ضدّ المسيح" في رسائلَ يوحنَّا، من المناسبِ أن نفحصَ ما يقولُه الرَّسولُ بولسُ في رسالتِه الثَّانية إلى أهل تسالونيكي بخصوص موضوع "إنسان الخطية ابن الهلاك" (2 تسالونيكي 2: 3). المخطوطاتُ الأدقُ والأقدمُ تستخدم كلمةَ الإثم بدلاً من كلمةِ الخطيةِ. وهكذا تتنوعُ الترجماتُ فنجد رجلَ المعصيةِ في الترجمة المشتـركة، رجلَ الإلحادِ في الترجمة الكاثوليكية، إنسانَ الإثمِ في الترجمة البولسية، الإنسانَ المتمردَ في ترجمة الحياة والإنسان الشرير في الترجمة العامية. والمعنى الأقرب هو المعصية والإثم والتمرد والإجرام. تتفق الترجمات أنه هو ابن الهلاك أي أن مصيرَه الهلاك كما كان مصيرُ يهوذا الإسخريوطي (يوحنا 17: 12). وتدعوه ترجمةُ الفاندايك بالأثيم (2 تس 2: 8) ونحن سنستخدمُ هذا الاسم في النقاش أدناه.

 

النَّصُ والخلفيةُ التَّاريخيةُ

أسَّس الرَّسولُ بولسَُ كنيسةَ تسالونيكي بعد أن كرزَ بالإنجيل في المجمعِ اليهودي في تسالونيكي (أعمال 17: 1-9). آمن عددٌ كبيرٌ من النَّاس بالمسيح يسوع وبرسالة الرَّسولِ بولسَ فانزعجَ اليهودُ غيرُ المؤمنينَ وأزعجوا حكامَ المدينةِ متَّهِمينَ أتباعَ المسيحِ بأنَّهم يعملون ضدَّ أحكام قيصر ويتبعون ملكاً آخرَ اسمُهُ يسوعُ. وهكذا ترك الرَّسولُ بولسُ المدينةَ، لكنَّها بقيت في فكره وصلاته (1 تس 1: 2). وأراد رسولُ الأممِ أنْ يُرشدَ الكنيسةَ التي تصارعت مع تعاليم المجيء الثاني فبيّن لهم ما يحتاجون أن يعرفوه، ثمَّ ما لا يحتاجون أن يعرفوه، وما أساءوا معرفته.

 

أ. ما يحتاجون أن يعرفوه (1 تس 4: 13-18)

بعدَ مُغادرةِ الرسولِ استمرت الكنيسةُ في النّمو وتعرّضت لتحدياتٍ متعلقةٍ بموضع المجيء الثاني ولا شك أنَّه موضوعٌ يثير الكثيرَ من التحديات خصوصاً عند الفلسطينيين. فسأل شعبُ الرب أسئلةً شرعيةً تتعلقُ بحياتهم وبعلاقاتهم بالأشخاص الذين فقدوا أعزاء قلوبهم. وهكذا نحن نسأل بخصوص وجودنا في هذه الأرض ومشيئة الله لملايين من النفوس الفلسطينية التي مات المسيح من أجلها. سألت كنيسة تسالونيكي: ماذا سيحصلُ للأحباءِ الذين آمنوا بالمسيحِ وماتوا؟ كيف سيستقبلون مجيءَ المسيح الثاني (1 تس 4: 13-18)؟ كان هذا السؤالُ ضرورياً لتأكيد المساواة ولتعزيةِ المؤمنينَ الذين فقدوا أحباءهم وإخوتهم وأخواتهم في الإيمان المسيحي. أجابهم الرسولُ وشرح لهم كل ما يحتاجون أن يعرفوه عن القيامة والاختطاف. ثمةُ أمورٍ نحتاج أن نعرفها بهدف الالتزام بحياة القداسة وامتداد ملكوت الله الآن وهنا. وهكذا شرح الرسول للكنيسة ما يحتاجون أن يعرفوه لتمتد التعزية وينتشر الإيمان والرجاء والمحبة.

ونحن كفلسطينيين نحتاج أن نعرف أن المسيح يحبنا وأنه تألّم ومات من أجلنا وأنه لا يريد أن يطردنا من أرضنا أو أن يعتبرنا عماليق وكنعانيين تحت اللعنة بل يدعوننا إلى معرفته والانضمام إليه وإلى بركة كوننا أبناء وبنات الملكوت وأصحاب الميراث فننضم إلى شعوب العالم في تسبيحه كأفراد وكشعب الإيمان. ليست خطة الله الاسخاتولوجية للشعب الفلسطيني خطة تهجير وتجويع بل خطة محبة وفداء ونوال ميراث بركات الله الزمنية والأبدية.

 

ب. ما لا يحتاجون أن يعرفوه (1 تس 5: 1-11)

ثم تساءل شعب الإيمان عن الأزمنة والأوقات (1 تس 5: 1-11) أي عن التسلسل الزمني (των χρονων) والأوقات الإلهية الخاصة (των καιρων)، فوضّح لهم الرسول ما لا يحتاجون أن يعرفوه. قال الرسول: "أما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الإخوة أن أكتب إليكم عنها لأنكم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء" (1 تس 5: 1-2). يشرح الرسول أهمية "حاجة المعرفة"، فالمعرفة الإلهية غير مبنية على حب الفضول بل على معرفة كل ما هو ضروري للقداسة وللخدمة وللاستعداد الصحيح ولامتداد ملكوت المسيح. وأهل تسالونيكي يعرفون يقينا وحق المعرفة أن حاجتنا لا تتعلق بتخمين رزنامة الليلة التي يأتي بها المسيح (1 تس 5: 2)، بل بحياة السهر والقداسة إذ يقول: أما نحن الذين من نهار فلنصح لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص (1 تس 5: 8). أكّد رسول الأمم أن المجيء يأتي بعكس التوقعات لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذ يأتي الهلاك بشكل مفاجئ (1 تس 5: 2-3).

 

ج. سوء فهم ما يعرفوه (2 تس 3: 6-15)

للأسف، لم يقتصر الأمر على محاولة فهم ما لا حاجة له بل امتد إلى سوء فهم ما نحتاج أن نعرفه وما أعلنه الرسول. فبدلا من حياة النور ونشر الخير انشغل بعض المؤمنين في تسالونيكي بسلوكيات تتعارض مع تعليمات وتعليم الرسول (2 تس 3: 6). فكانت النتائج سيئة إذ قرر بعض المؤمنين بالمسيح عدم العمل لأن يوم الرب قد حضر (2 تس 3: 6-15). أهملوا إطعام الفقراء وزيارة المساجين والعناية بالمظلومين وانشغلوا باسخاتولوجيا بدون كريستولوجيا صحيحة. فتحوّلت حياتهم إلى حياة الفضول والتدخل في معرفة ما لا يعنيهم. تحوّل موضوع المجيء الثاني من تحريض على صنع الخير إلى كسل وأنانية وفضول مضر.

ونحن كشعب فلسطيني من الشعوب التي اكتشفت مخاطر الإسخاتولوجيا بدون كريستولوجيا وبدعها التي تروّج العنف والقتل وسلب الأراضي وتبرره باسم الله. لهذا شددت أن معيار تقييم الاسخاتولوجيا هو المسيح وتعاليمه ورؤيته وإنسانيته الجديدة وعمله. فكل ما يتعارض أو يتناقض مع محبة المسيح الشمولية للأفراد وللشعوب أمر مشكوك به لأن معرفة مشيئة الله والاسخاتولوجيا يجب أن تقودنا إلى التوبة وطاعة الله والتشبه به وليس إلى القتل والعنصرية ونشر الحروب.

 

الخلفياتُ اللاهوتيةُ والمدارسُ التَّفسيريةُ

والآن بسبب تزايد الأسئلة عند كنيسة تسالونيكي كتب الرسول بولس رسالتي تسالونيكي الأولى والثانية في سنوات الخمسينات. [1] وقال:

نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ.  لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ.  أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ، كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هذَا؟ وَالآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ. لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ، وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ. الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ، لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ (2 تس 2: 1-12).

 

يُعتبر هذا النص من أصعب نصوص الكتاب المقدس. وثمة عدة مدارس تفسيرية ترتبط بهذا النص وتعطي مدلولات مختلفة للأثيم، للحاجز، للارتداد، ولهيكل الله مما يصعب دراسة النص.

 

أولا، تشدد مدرسة المستقبل أن الأحداث المذكورة في النص تنحصر في المستقبل. فبعد أن يحصل الاختطاف تزول الكنيسة من الأرض وبالتالي يغادر الروح القدس. فحضور الروح في الكنيسة هو ما يمنع ظهور الأثيم وانتشار الارتداد. لكن بعد الاختطاف تبدأ الضيقة العظيمة ويجلس الأثيم في هيكل أورشليم الذي سيُبنى من جديد. ثم يأتي المسيح ويدين الأشرار. وهذه الدينونة هي دينونة الجداء والخراف (راجع متى 25: 31-46). الخراف هم الأمم الذين وقفوا مع اليهود، أما الجداء فهم الأمم الذين لم يساعدوا إخوة المسيح الأصاغر زمن الضيقة (متى 25: 31-46).

 

[2] وهكذا تكون الجداء والخراف قبل الحكم الألفي.

سر الإثم

يعمل الآن

ارتفاع ما يحجز الآن

الارتداد

استعلان الأثيم

مجيء

الرب

دمار

الأثيم

دينونة الذين سروا بالإثم

أي عصر الكنيسة

أي الاختطاف

وبداية الضيقة

أي

ارتداد اليهود

أي

ضد المسيح

أي

المجيء الثالث

أي

ضد المسيح

أي دينونة الخراف والجداء قبل الحكم الألفي

 

 

ثانياً، تجادل مدرسة الماضي أن الأحداث حصلت في القرن الأول.كان الهيكل قائماً عندما كتب بولس رسالة تسالونيكي الثانية وهو يتحدث عن هذا الهيكل ولا يذكر هيكلا مستقبليا. لقد ساد النظام الروماني حتى مجيء الارتداد أي الثورة اليهودية سنة 66 ميلادي. منع الثبات الروماني زمن حكم نيرون (54-68 م) ثورة اليهود، أي أن الحاجز منع الارتداد. وبعد انتحاره تزلزل الاستقرار الروماني وساد النزاع على الحكم إذ جاء أربعة أباطرة في سنة واحدة (68-69 م). فثار اليهود رافضين الخضوع للسلطة التي أقامها الله (راجع رو 13: 1-2). وهكذا جاء الرومان ودمروا الهيكل سنة 70 م. فكان المقصود من مجيء الرب هو مجيئه للدينونة وليس بالضرورة مجيئه الثاني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول الرب لكنيسة أفسس: فاذكر من أين سقطت وتُب، واعمل الأعمال الأولى، وإلا فإني آتيك عن قريب، وأزحزح منارتك من مكانها، إن لم تتب" (رؤ 2: 5). ودينونة الذين سروا بالإثم هي دينونة اليهود الذين رفضوا المسيح في القرن الأول.

ثالثاً، مدرسة "عبر التاريخ" ترى أن الأحداث تتم عبر التاريخ وليس في نقطة تاريخية واحدة فقط. فهي تقبل تفسير مدرسة الماضي لكنها لا تحصر التفسير في الماضي بل تنادي أن الحدث قد يتكرر بأكثر من صورة. وفي منظور مدرسة "عبر التاريخ" ربما يظهر الأثيم بعدة صور ورجال. فالأثيم يُجسد مملكة الشيطان التي ستحارب الكنيسة وتُسيطر عليها وتنشر الارتداد فسر الإثم يعمل الآن. ويربط جون كالفن الأثيم بسيطرة نبي الإسلام على تركيا وبلاد كثيرة كانت تؤمن بالمسيحية، لكنها تركت المسيح. [4] ويضيف أن الأثيم قد يظهر أيضا بمؤسسة تستمر عبر التاريخ فيكون النظام البابوي وتكون الكنيسة هي هيكل الله. وعندما سقطت الإمبراطورية الرومانية (الحاجز) خلقت فراغا ملئه النظام البابوي الذي يرتبط بالأثيم.

رابعاً، مدرسة النموذج المثالي التي تنادي بأن النص لا يتحدث عن أحداث تاريخية محددة بل عن مبادئ روحية لكل الفترات التاريخية.  فالأثيم هو الشر والتمرد على الله والحاجز هو الخير الذي يمنع الشر من الانتشار. تطورت هذه المدارس فظهرت مدارس مستمدة منها مع تعديلات متنوعة.

 

تأويلُ النَّصِ في 2 تسالونيكي 2: 1-12

والآن سأحاول شرح النص آخذا بعين الاعتبار التعددية التي شكلت قرّاء هذا النص. وسأقدم الشرح في مقطعين: طلب الرسول ثم شرح الرسول.

 

طلب الرسول (2 تس 2: 1-3أ)

يتحدث هذا النص (2 تس 2: 1-3) عن التحدي العقلاني أو الفكري الذي تواجهه الكنيسة في قضية مجيء المسيح. فالمواقف الفكرية والدينية والبدع والهرطقات والانحرافات التي تتحدى الكنيسة كثيرة. وكثر المعلمون والمعلمات الذين يسممون الفكر المقدس بتعاليم تُبعدنا عن المسيح والتعاليم الرسولية المتجسدة في كلمة الله الموحى بها. وبسبب الانحرافات التعليمية في موضوع المجيء الثاني نبَّه الرسول بولس الكنيسة. وسكب المياه الباردة على نيران الحماس الزائف الذي يدعي أن يوم المسيح قد حضر. فثمة تعاليم تسبب التزعزع في الفكر والاضطراب والقلق والفزع والخوف وتنتشر بادعاءات كاذبة وبالتزوير وبالاقتباسات المضللة. والزعزعة تشبه زعزعة السفينة برياح عاصفة. [5] وهي زعزعة تستند على الخداع. وعلى نبوات كاذبة تتجسد في كلمة "روح" في ترجمة الفاندايك وكلمة "نبوءة" في الترجمة المشتركة. يحذرنا الرسول ألا نتزعزع بروح نبوية أو بكلمة تفسيرية أو برسالة رسولية. فهو يريدنا أن نكون مدققين غير مخدوعين وأن نثبت في التعاليم (2 تس 2: 15). ونجد الخداع في حياة المخدوعين بعدة صور وتعابير: عجائب كاذبة (آ 9)، خديعة الإثم (آ 10)، لم يقبلوا محبة الحق (آ 10)، عمل الضلال (آ 11)، يصدقوا الكذب (آ 11)، لم يصدقوا الحق (آ 12).  ولهذا يطلب منا الرسول بولس ثلاث طلبات وهي ألا نتزعزع وألا نرتاع وألا ننخدع. بكلمات أخرى يطلب من أن نكون ثابتين ومتأصلين في الفكر الارثوذكسي ومستقرين في العواطف المقدسة وحكماء في العلاقات مع جميع البشر. يطلب منا أن نكون محصنين ضد الزعزعة والفزع والخداع وهي وسائل شيطانية موجودة عبر العصور. 

 

شرح الرسول (2 تس 2: 3 ب – 12)

               يهتم الرَّسولُ بالزَّمنِ فيذكر كلماتٍ تدلُّ على الترتيب الزَّمني مثل: يوم المسيح قد حضر (آ 2)، إن لم يأتِ أولاً (آ 3) الآن (آ 6، 7 مرتان)، وقته (آ 6)، حينئذ (آ 8). ويقدم الرسول المخطط الزمني التالي: سر الإثم يعمل الآن (آ 7)، ارتفاع ما يحجز الآن (آ 7)، مجيء الارتداد (آ 3)، استعلان الأثيم (آ 3-4)، مجيء الرب ودمار الأثيم (آ 8)، ثم دينونة جميع الذين سروا بالإثم (آ 12).

سر الإثم

يعمل الآن

ارتفاع ما يحجز الآن

الارتداد

استعلان الأثيم

مجيء

الرب

دمار

الأثيم

دينونة الذين سروا بالإثم

 

 

ويصحح رسول الأمم الفكر موضحاً أنَّ المجيءَ لن يأتي قبل الارتداد أو الثورة أو التمرد وقبل استعلان الأثيم. والارتداد قد يكون ثورة سياسية. [6] وربما هو تراجع ديني عن الحق. ولا اعتقد أنه تراجع ديني يهودي لأن الرسول بولس يقول في رسالة تسالونيكي الأولى: "فإنكم أيها الإخوة صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع، لأنكم تألمتم أنتم أيضا من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها، كما هم أيضا من اليهود، الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم، واضطهدونا نحن. وهم غير مرضين لله وأضداد لجميع الناس. يمنعوننا عن أن نكلم الأمم لكي يخلصوا، حتى يتمموا خطاياهم كل حين ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية" (1 تس 2: 14-16). من منظور هذه الآيات، من الصعب أن نجادل أن اليهود أو أتباع اليهودية هم الفئة التي ستؤمن ثم سترتد في المستقبل. فهل الارتداد هو لأتباع المسيح، لمن يدعي أن له علاقة مع المسيح ثم ينكر هذه العلاقة. ليس الارتداد متعلق بالإثنية اليهودية بل بالكنيسة. [7] فالكنيسة المرتدة هي المساحة التي يُسيطر عليها الأثيم والإثم هو المعاداة للتعليمات السماوية أو للحق الإلهي أو للسلطة الربانية. ويحدثنا النص عن استعلان الأثيم (آ 3-5)، وقت الاستعلان (آ 6-8أ)، دينونة الرب (آ 8-12).

ونجد أربع تسميات لقائد الثورة ضد الكنيسة. [8] فهو إنسان الإثم، ابن الهلاك، المقاوم، المُرتفع على كل ما يُدعى إلها أو معبودا. هو إنسان الإثم لأنه يرفض الشرائع الأخلاقية والترتيب الإلهي فهو ضد تعليمات وأخلاقيات الله (νομος )، أو ضد الناموس أو الأثيم (آ 8). وتتجسد صفاته السلبية بموقفه إذ يجلس في هيكل الله ويعلن نفسه إلها. إذا هذا الشخص يشبه أنطيوخس أبيفانس الذي دعاه المكابيون بإنسان الخطية (1 مكابيين 2: 48، 62) ويشبه يهوذا الذي دعاه المسيح بابن الهلاك (يوحنا 17: 12)، ويشبه أيضا الجنرال الروماني بومباي الذي نجّس قدس أقداس الهيكل سنة 63 ميلادي، ويشبه الإمبراطور غاليجولا الذي حاول أن يضع تمثاله في الهيكل سنة 40 ميلادي. [9]

 

لا شك أن أحداث تدنيس الهيكل لعبت دورا في بلورة هذا اللاهوت. نجّس انطيوخس أبيفانس الهيكل سنة 167 ق. م. عندما بنى مذبحا لزوس داخل الهيكل وقدم عليه خنزيراً. [10] نجّس الجنرال الروماني بومباي (Pompey) الهيكل سنة 63 قبل الميلاد ودخل إلى قدس الأقداس فلُقّب بالأثيم. [11] وتم تدنيس الهيكل سنة 70 ميلادي عندما دخله الرومان وقدموا فيه الذبائح ونجسوه ودمروه. [12] ويعلمنا المؤرخ اليهودي يوسيفيوس أن الإمبراطور الروماني غايس والمعروف أيضا بـــــ غاليجولا حاول سنة 40 م وضع تمثاله في هيكل أورشليم لأنه اعتبر نفسه إلها وأراد دعوة الناس إلى عبادة الإمبراطور. [13] ولقد تم اغتياله سنة 41 ميلادي مما عطّل تحقيق هذا المشروع. هذه الأحداث التاريخية أثرت على تفكير كل يهودي عاش في ذلك الزمان. واعتقد عددٌ من الناس أنَّ النهاية قد جاءت. لا نستطيع فصل استعلان الأثيم عن هذه الأحداث التاريخية وتكررها لكننا لا نريد حصر استعلان الأثيم بها. ولهذا نميل إلى مدرسة "عبر التاريخ" في هذا الموضوع.

 

والآن في ضوء ما سبق نتساءل هل يتحدث النص عن إعادة بناء الهيكل في أورشليم ومجيء ضد المسيح ليعلن نفسه إلها في هذا الهيكل؟ [14] هذا التفسير محتمل لكنه يفترض أن هيكل الله هو هيكل أورشليم وأن الأثيم هو ضد المسيح في المستقبل فقط. ثم يضيف الكثير من التفاصيل التي لا يذكرها النص. ويثير هذا التفسير سؤالا فيما يتعلق بالارتداد لأن مفهوم الارتداد مرتبط بالمؤمنين بالمسيح الذين يغيرون موقفهم من المسيح. وبولس يتحدث عن لغة شمولية تشمل "كل ما يُدعى إلها أو معبوداً" ولا يحصر أمر الارتداد باليهود. لا ينحصر تحدي الأثيم بإله إسرائيل بل يتحدى كل الأديان والمعبودات مُعلنا نفسه إلها. لم تتحقق هذه الصورة كليا بل تحققت جزئيا عبر التاريخ. أعلن عدد من الأباطرة الرومان إنهم آلهة وأسياد الآلهة وتحدى بعض البشر في التاريخ المعبودات لكنهم لم يعلنوا أنفسهم آلهة. في ضوء ما سبق، لا يقدم هذا النص أدلة كافية لاعتناق تفسير مدرسة المستقبل لكنه لا يُلغي احتمال ظهور مستقبلي للأثيم ما دامت مملكة الشيطان موجودة، إلا أن تبرير إعادة بناء الهيكل بناء على هذا النص يفتقر إلى دعم النص والتدقيق اللاهوتي ويتجاهل الاحتمالات الأخرى لتفسير النص بشكل أفضل.

 

أضف إلى ما سبق، من المرجح أن بولس لا يتحدث عن مجيئين. فلقد ذكر مجيء المسيح في 1 تسالونيكي 4: 13-18 شارحا أن هذا المجيء يشمل قيامة الأموات في المسيح واختطاف المؤمنين الأحياء ووجودنا مع الرب كل حين وليس إلى حين، أو حتى يأتي الارتداد. فالارتداد يسبق القيامة واختطاف المؤمنين ولا يأتي بعدهما. ولا يوجد سبب كتابي يبرر وجود الاختطاف في فترة زمنية منفصلة عن يوم الرب والمجيء الثاني. ولا يوجد دعم كافٍ لتقسيم القيامة إلى (1) قيامة المؤمنين قبل الاختطاف، (2) قيامة مؤمني العهد القديم واليهود الذين عاشوا الضيقة بعد الضيقة، (3) وقيامة الأشرار بعد الحكم الألفي. وكأن القيامة تتكرر ثلاث مرات في فترات زمنية مختلفة مع أن السيد المسيح قال بوضوح: فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يوحنا 5: 28-29). فالجميع سيقومون بنفس الساعة.

 

في الختام، دعونا نركز على ما نحتاج أن نعرفه فنعزي بعضنا بعضا بمجيء المسيح وانتشار ملكوت المحبة والعدالة للجميع. دعونا لا نركز على ما لا نحتاج أن نعرفه لنحيا حياة القداسة والمحبة لأن التخمين اللاهوتي يقود الكنائس لمشاكل كثيرة. دعونا نرفض سوء التعليم الاسخاتولوجي الذي يرفض مركزية المسيح ويستبدل هذه المركزية بإسرائيليات اسخاتولوجية مشبوهة. 

 

أسئلة للنقاش والتفكير

1. ما الفرق بين الأشياء التي تحتاج أن نعرفها والأشياء التي لا تحتاج أن نعرفها في موضوع المجيء الثاني؟ وما المقصود بحاجة المعرفة. اعط بعض الأمثلة على ذلك.

2. اشرح المدارس الأربعة التي يذكرها النص وكيف تتعامل مع قضية الارتداد، الحاجز، الهيكل، والأثيم؟ ما رأيك في هذه المدارس؟

3. يطلب منا الرسول ألا نتزعزع وألا نرتاع وألا ننخدع، ما هي الخطوات العملية التي تساعدك في تحقيق هذا الأمر؟ وكيف نربط الاسخاتولوجيا بالكريستولوجيا في بلادنا؟

------------

[1] F. F. Bruce, 1 and 2 Thessalonians (Word Biblical Commentary 45; Waco: Word, 1982), 34-35. 
[2] A comprehensive history of interpretation of Matthew 25:31-46 was compiled by Sherman Gray, The Least of My Brothers: Matthew 25:31-46: A History o f Interpretation, ed. Charles Talbert (Atlanta: Scholars, 1989).
[3] For further details see R. C. Sproul, The Last Days According to Jesus (Grand Rapids: Baker, 1998). 
 [4] John Calvin, Commentary on Phi, Col, Thes (Christian Classics Ethereal Library, Internet: https://ccel.org/ccel/calvin/calcom42/calcom42.vii.iv.ii.html; accessed on August 8, 2025). 
[5] Ranko Stefanovic, “The Great Rebellion and the Mystery of Lawlessness in 2 Thessalonians 2,1-12,” DavarLogos 22 (2023): 43.
 [6] F. F. Bruce, 1 and 2 Thessalonians, (WBC 45; Dallas: Word, Incorporated, 1982), 166.
 [7] Joel Beeke, “The Man of Sin: 2 Thessalonians 2:1-12,” Puritan Reformed Journal 10 (2018): 9.
[8] John Stott, The Message of Thessalonians (The Bible Speaks Today; Revised Edition; London: Intervarsity, 2021), 63.
 [9] Stefanovic, 49-50. 
 [10] Ibid., 64.
 [11] Ibid., 65.
 [12] Ibid., 64-65.
 [13] Flavius Josephus, “Wars of the Jews,” in Josephus: Complete Works, trans. William Whitson (Grand Rapids: Kregel, 1960), 479-480.
 [14] Marius Dumitrescu, “A Psychoanalytic Perspective on the Idea of Katechon in the Second Epistle to the Thessalonians,” Romanian Journal for Multidimensional Education / Revista Românească Pentru Educaţie Multidimensională 15 (2023): 76.

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع