• تقرير نقدي لكتاب"إنجيل يوحنا بنظرة مختلفة" - منذر زبانه
تقرير نقدي لكتاب

تقرير نقدي ل-كتاب "إنجيل يوحنا بنظرة مختلفة" للمؤلف  القس البروفيسور حنا كتناشو

المقدمة

   القس الإنجيلي البروفيسور حنا كتناشو هو باحث وأستاذ في كلية الكتاب المقدس في بيت لحم وفي كلية الناصرة الانجيلية، ويخدم في الكنيسة المعمدانية المحلية في الناصرة. هو لاهوتي فلسطيني يحمل المواطنة الإسرائيلية، ويقدم في كتابه "إنجيل يُوحَنَّا بنظرة مختلفة" (2018)، قراءةً تأويلية للإنجيل الرابع. هو لا يكتفي بتقديم شرح تقليدي، بل يتبنى بشكل صريح وعلني ما يسميه "العدسة التفسيرية" التي تتشكل بالواقع الاجتماعي، السياسي، الثقافي، والديني. ويتمحور هذا التقرير حول تحليل وتقييم هذه القراءة من منظور اللاهوت السياقي ، وهو المنهج الذي يؤكد على أن التفسير اللاهوتي يجب أن يكون تفاعلاً ديناميكيًا بين النص المقدس والسياق المعاش، وأن قراءة الكتاب المقدس تتشكل حتماً بالواقع المعاش للمسيحي الفلسطيني المعاصر، الذي يعاني من الاحتلال والتمييز والانقسام الديني.

 

الكتاب وأفكاره الأساسية

   تنطلق الأفكار المركزية من إعادة قراءة مفهوم "البداية الجديدة" في إنجيل يوحنا، حيث يؤكد المؤلف على أن المسيح هو الكلمة المتجسدة، وهو الناموس الجديد الذي يحل في القلب، نافياً أي تفسير عنصري أو إثني لـ "يهودية يسوع" يحجب عنه صفته الكونية كـ "ابن الإنسان". بعد ذلك، يتناول الكتاب آية قانا الجليل كرمز للتحول من الطقوس القديمة والتشريعات الجامدة إلى الحياة الجديدة في المسيح، مما يدعم فكرة عدم مركزية الطقسية الحرفية.

في فصول محورية، يعالج المؤلف قضايا المكان المقدس، والوقت المقدس، والشعب المقدس، والأرض المقدسة، حيث يقوم بنزع الصفة المادية والجغرافية والإثنية عنها:

 

  • المكان المقدس : عبر قراءة تطهير الهيكل، يشدد كتناشو على أن جسد المسيح هو الهيكل الجديد الذي حل محل المبنى المادي، مما يوجه نقداً لاهوتياً لجميع محاولات تسييس الأماكن المقدسة أو الاكتفاء بالطقوس الخارجية.
  • الوقت المقدس : من خلال تحليل السبت كزمن مقدس، ينتقل المؤلف من الشريعة الحرفية إلى عمل الخلاص والشفاء الذي قام به المسيح يوم السبت، مما يرفع قيمة العمل الإنساني المُحرِّر على حساب الالتزام الحرفي بالناموس.
  • الشعب المقدس : يؤكد الكتاب أن "أولاد الله" هم المولودون من الروح بالإيمان، ويرفض بشكل قاطع أي قراءة لـ "أولاد الله" على أساس عرقي أو قومي، مما يمثل تفكيكاً لاهوتياً لأسس اللاهوت الإقصائي، ويدعو إلى وحدة الجماعة على أساس المحبة الشاملة.
  • الأرض والموارد:  ينتقل التركيز من الأرض كـ "جغرافيا مقدسة" إلى المسيح باعتباره "خبز الحياة" والمصدر الحقيقي للرزق والحياة الأبدية، مما يُجرّد الأرض من القراءات القومية البحتة ويُركز على القيادة المسيحانية الروحية والاجتماعية.

ويختتم كتناشو عمله بالتركيز على "جماعة المحبة والوحدة " و "جماعة الروح"، مؤكداً أن الإيمان المسيحي في سياق الصراع يجب أن يُفضي إلى بناء مجتمع يتميز بالوحدة والمحبة الملتزمة التي تتجاوز الانقسامات. كما ويتبين من هذا التحليل الوصفي أن الكتاب يتبنى استراتيجية لاهوتية ثابتة : إعادة مركزية الإيمان في شخص المسيح بدلاً من التركيز على العناصر المادية أو العرقية (الأرض، الهيكل، الناموس، الإثنية). هذه الاستراتيجية هي بمثابة رد لاهوتي مُركز على محاولات تسييس الإنجيل لخدمة أيديولوجيات معارضة للسياق الفلسطيني.

 

 

 

 

التحليل والمناقشة اللاهوتية  

يؤسس كتناشو عمله على نقد حاد لمفهوم الحياد في التفسير، واصفًا إياه بأنه "وهم بعيد عن أرض الواقع". هذا الاعتراف يُعد حجر الزاوية في اللاهوت السياقي . إن العدسة التفسيرية، في نظر المؤلف، هي "عين الدماغ... إنها الذهنية التي تُحدد طريقة النظر إلى النص". ويُحدد المؤلف بوضوح السياق الذي يولد منه هذا اللاهوت، وهو سياق المسيحي الفلسطيني المعاصر، الذي قد تشكل بأحداث سياسية واجتماعية ودينية متشابهة. ويشتمل هذا السياق على:

  1. الاحتلال والتمييز العنصري : وهي قضايا العدالة الأساسية في اللاهوت السياقي التحرري.
  2. التطرف الديني والطائفية:  مما يتطلب لاهوتًا شموليًا يتجاوز الانقسامات الداخلية.
  3. التهويد والتأسلم والحروب والكراهية:  وهي عوامل تحدد نوع الأسئلة التي يطرحها القارئ على النص المقدس ونوع الأجوبة التي يبحث عنها.

كما يُمارس كتناشو نقدًا فعالاً للعدسات التفسيرية التي يسميها "المُضلِّلة" ، وفي طليعتها التفاسير التي "تصطبغ بصبغة صهيونية . "ويُشدد على التحدي الذي تُمثله قراءته لتلك التي أهملت مركزية المسيح واستغلت الكتاب المقدس لترويج مسيح يقف مع الظالم بدلاً من المظلوم ويحابي مع إثنية ضد أخرى. وتُعد هذه النبرة النقدية هي الجوهر السياقي للكتاب، حيث يُصبح الهدف اللاهوتي هو استعادة صورة المسيح المحررة من أسر الأجندات السياسية التي تستغل النص المقدس لتبرير الاحتلال والإقصاء..

أهم مساهمة لاهوتية سياقية في الكتاب هي التحليل العميق لـ "يهودية يسوع"  وتأثيرها على القارئ الفلسطيني. ينتقد كتناشو المفسرين الذين "لا يُفرّقون بين يهودية يسوع ويهودية مواطني دولة إسرائيل الحديثة" ، مما يجعل "يهودية يسوع مُنفِّرةً للفلسطيني والعربي" و"حاجزاً يفصل أتباعه اليهود عن أتباعه غير اليهود". ويرى كتناشو أن يهودية المسيح كانت متفردة، خالية من "أي أنانية أو خطيئة أو عنصرية أو إقصائية". اللاهوت السياقي يقرر أن الخلاص ليس حكرًا على عرق، والمؤلف يُعيد يسوع إلى كونه "ابن الإنسان" الكوني المحرر، وليس مُشرعًا قوميًا. هذا النقد ليس مجرد تفسير، بل هو فعل مقاومة لاهوتية يهدف إلى تحرير النص من أسر الأيديولوجيا الصهيونية المسيحية التي تبرر الظلم باستخدام الكتاب المقدس.

يمكن النظر إلى كتاب كتناشو في ضوء نماذج أساسية من بيڤانز حيث أن  كتناشو لا يترجم الإنجيل إلى لغة معاصرة فحسب، بل يشارك في حوار حيّ بين النص والسياق الفلسطيني. فقراءة يوحنا ليست مجرد تفسير لغوي بل تأويل وجودي يربط بين خبرة الجماعة الفلسطينية وبين رموز النص. يوضح كتناشو أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الأرض والتاريخ، تمامًا كما أن كلمة الله لم تنفصل عن اللحم والدم في التجسد.

هذا المنهج وهو وفق النموذج الهرمنوطيقي، يعيد للمسيحي الفلسطيني دوره كشريك في تأويل الكتاب لا كمستقبِل سلبي لتفاسير غربية. فالسياق هنا ليس خلفية للكتاب بل جزء من النص الجديد الذي يولد عندما يلتقي الإنجيل بالواقع الفلسطيني.

كما يحمل عمل كتناشو طابعًا تحرّريًا واضحًا وفق النموذج التحرري. التحرر عنده لا يُختزل في الصراع السياسي بل يشمل التحرر من الخوف واليأس ومن القراءة اللاهوتية التي برّرت القهر باسم الله. كما ويعارض كتناشو القراءات الصهيونية التي استعملت يوحنا لتبرير تفوّق "شعب مختار"، ويؤكّد أن كلمة الله في يوحنا شمولية تتجاوز القومية والدين.

نلاحظ أيضا أن كتناشو يربط بين اللاهوت والعمل الميداني وفق النموذج العملي، إذ يوجّه كتابه إلى طلاب اللاهوت وخدام الكنيسة ليقرأوا يوحنا بوصفه دعوة للعيش في نور الله وسط الظلام السياسي والاجتماعي. هذا البعد العملي يجعل من اللاهوت فعلًا حيًا يترجم الإيمان إلى التزام وشهادة. في فكر كتناشو، التأمل في كلمة الله يجب أن يقود إلى تغيير اجتماعي، وهذا هو جوهر اللاهوت السياقي عند بيڤانز.

يعتمد كتناشو على لغة رمزية وإنجيلية أكثر من الخطاب السياسي المباشر مع الإصرار على أنّ يسوع هو نموذج للمصالحة العادلة وليس للسلام الزائف.  كما ويؤكد على التجسد (التأنس ب"لغة كتناشو") كفعل تضامن إلهي مع الإنسان المقهور، وذلك من خلال إعادة قراءة إنجيل يوحنا من منظور واقعي وميداني، فيحوّله من نص تأملي إلى رسالة نبوية لشعب تحت الاحتلال. بهذا المعنى، يقدّم كتناشو نموذجًا فريدًا لما يسميه بيڤانز بـ"اللاهوت السياقي المتجذر في الكلمة"، حيث يتفاعل النص والواقع دون أن يُذيب أحدهما الآخر. يوحنا عنده ليس "إنجيلاً روحانيًا" بل نصًا لاهوتيًا مقاومًا يتحدّى البنى الدينية والسياسية الظالمة.

يُبرز كتناشو في قراءته ليوحنا أن الإيمان ليس موقفًا ذهنيًا بل علاقة حيّة مع المسيح الكلمة، الذي يتحدّى الظلم ويمنح الحياة. في هذا السياق، تتحوّل مفاهيم مثل "النور"، "الحق"، و"القيامة" إلى مفردات مقاومة. النور ليس هروبًا من الواقع بل كشفٌ للظلمة السياسية والاجتماعية، والحقّ ليس مفهوماً مجرّدًا بل إعلانٌ عن الله الذي يرفض الكذب والخداع الإمبراطوري، والقيامة ليست حدثًا ماضويًا بل وعدٌ يوميّ لكل فلسطيني يعيش رغم كل محاولات الإبادة والطمس. هذا البعد الروحي السياسي يعكس جوهر اللاهوت السياقي كما وصفه بيڤانز: "كل لاهوت هو محاولة لتجسيد الوحي في لحم الواقع". والواقع الفلسطيني الذي يقرأ منه كتناشو هو واقع يحمل الصليب بعمق، لكنه أيضًا واقع رجاء وقيامة.

على الرغم من القوة اللاهوتية لمنهج كتناشو في تفكيك الاستغلال الإثني للمقدسات، إلا أن القراءة اللاهوتية التقليدية قد تثير تساؤلاً نقديًا حول إشكالية نزع الصفة المادية والجغرافية بشكل كلي عن مفاهيم مثل "الأرض" و "الهيكل". يمكن أن يجادل الناقد بأن التركيز المُفرط على شمولية وروحانية المسيح، وإن كان ضروريًا للتحرر من القومية الإقصائية، قد يؤدي إلى إضعاف مركزية وواقعية الأحداث الخلاصية المتجذرة في التاريخ والملموس. فقد يخشى البعض من أن يقلل هذا المنهج من أهمية الشراكة الإلهية مع شعب معين في جغرافيا محددة، مما قد يغيب جانبًا من فرادة العهد الإلهي وربطه الوثيق بالتاريخ الملموس. ومع ذلك، يظل دفاع كتناشو مُبررًا وقويًا ضمن السياق الفلسطيني، حيث تُمثل إعادة مركزية الإيمان في التجسد والكلمة بديلًا لاهوتيًا حيويًا يُحرر الإنجيل من وظيفته الأيديولوجية المُنحرفة.  إن هذا النقد، رغم وجاهته من منظور اللاهوت التقليدي، يغفل أن التمسك بقدسية المكان والجغرافيا بشكل مطلق في السياق الفلسطيني قد أصبح الوظيفة الأساسية للأيديولوجيا الإقصائية. بالتالي، فإن إعادة مركزية الإيمان في التجسد والروح، كما يفعل كتناشو، لا يمثل هروبًا من الواقع المادي، بل إجراءً لاهوتياً جذرياً ضرورياً لتحرير الكلمة الإلهية من الاستغلال السياسي. إن التجريد هنا هو تجريد للمفاهيم من وظيفتها الأيديولوجية المنحرفة لتعود إلى وظيفتها الكونية في شخص المسيح، وهذا التفكيك هو بحد ذاته فعل مقاومة يعيد الاعتبار لواقعية التجسد الإلهي المتضامن مع المقهورين.

 

 

 

 الخاتمة

    إنّ كتناشو في قراءته ليوحنا يدعونا إلى أن نقرأ الكتاب المقدس بعيوننا لا بعيون الغرب، وأن نسمع صوت الكلمة في لغتنا وفي أرضنا. ومن خلال هذا العمل، يقدّم نموذجًا لاهوتيًا ناضجًا يجمع بين الإيمان العميق والتحليل السياقي، بين النص المقدّس والواقع الجريح . وهو بذلك يسهم في بناء ما يمكن تسميته بـ"لاهوت يوحنا الفلسطيني" — لاهوتٍ يُبقي على الرجاء حيًا في شعبٍ يعيش القيامة رغم الصليب.

في ضوء اللاهوت السياقي كما طرحه بيڤانز، يمكن القول إنّ عمل القس حنا كتناشو يمثل تجسيدًا حقيقيًا للاهوت المتجسّد في التاريخ. لقد نجح في أن يجعل إنجيل يوحنا نصًا فلسطينيًا بامتياز دون أن يفرّغه من معناه الكوني، ونجح في أن يُظهر أن الكلمة الإلهية لا تُفهم إلا في سياق الألم والأمل.

قوة الكتاب تكمن في أنه يقدّم لاهوتًا لا ينحصر في الوعظ أو الأكاديمية، بل يلمس حياة الناس في أرضٍ ممزقة بالحواجز والجدران. ومن خلال هذا التجسيد، يصبح الإنجيل الرابع ليس فقط شهادة عن المسيح في القرن الأول، بل شهادة عن الله الذي لا يزال يسكن بيننا في القرن الحادي والعشرين، في فلسطين، بين الأنقاض والمخيمات والكنائس الصامدة.

إن مساهمة كتناشو لا تُقدّر بثمن في تحرير لاهوت النص من أسره الأيديولوجي، وفي الدعوة إلى روحنة مسيحانية تتميز بالعدالة والمحبة الشاملة . ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن تركيز الكتاب يصب بشكل أكبر على الموقف التأويلي والتحول الروحي والاجتماعي الداخلي للجماعة، عبر الدعوة إلى "جماعة المحبة والوحدة".

وبناءً عليه، يظل هناك حاجة ملحّة، للبحوث المستقبلية تحديدًا، بأن تُعمِّق من تفصيل الجسر الرابط بين هذه الروحنة وبين البراكسيس السياسي الفاعل والملموس (Political Praxis) . فالكتاب يحدد الأسس لـتغيير العقلية لكنه لا يفصّل بما يكفي في تكتيكات العمل الميداني الجماعي الذي يترجم هذا اللاهوت المقاوِم إلى استراتيجيات للمشاركة السياسية والاجتماعية في مواجهة الاحتلال والتمييز. بمعنى آخر، الكتاب يقدّم أفضل قراءة ليوحنا في السياق الفلسطيني، لكنه يحتاج إلى خطوة تالية لترجمة هذه القراءة إلى خطة عمل جماعية لتغيير الواقع.

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع