• مقلاع الموت أم حُزمة الحياة - عصام نسيب عودة
مقلاع الموت أم حُزمة الحياة - عصام نسيب عودة

1 صموئيل 25: 18 – 42:

"18 فبادرت ابيجايل واخذت مئتي رغيف خبز وزقي خمر وخمسة خرفان مهياة وخمس كيلات من الفريك ومئتي عنقود من الزبيب ومئتي قرص من التين ووضعتها على الحمير 19 وقالت لغلمانها اعبروا قدامي هانذا جائية وراءكم.ولم تخبر رجلها نابال. 20 وفيما هي راكبة على الحمار ونازلة في سترة الجبل اذا بداود ورجاله منحدرون لاستقبالها فصادفتهم. 21 وقال داود انما باطلا حفظت كل ما لهذا في البرية فلم يفقد من كل ما له شيء فكافاني شرا بدل خير. 22 هكذا يصنع الله لاعداء داود وهكذا يزيد ان ابقيت من كل ما له الى ضوء الصباح بائلا بحائط. 23 ولما رات ابيجايل داود اسرعت ونزلت عن الحمار وسقطت امام داود على وجهها وسجدت الى الارض 24 وسقطت على رجليه وقالت علي انا يا سيدي هذا الذنب ودع امتك تتكلم في اذنيك واسمع كلام امتك. 25 لا يضعن سيدي قلبه على الرجل اللئيم هذا على نابال لان كاسمه هكذا هو.نابال اسمه والحماقة عنده.وانا امتك لم ار غلمان سيدي الذين ارسلتهم. 26 والان يا سيدي حي هو الرب وحية هي نفسك ان الرب قد منعك عن اتيان الدماء وانتقام يدك لنفسك.والان فليكن كنابال اعداؤك والذين يطلبون الشر لسيدي. 27 والان هذه البركة التي اتت بها جاريتك الى سيدي فلتعط للغلمان السائرين وراء سيدي. 28 واصفح عن ذنب امتك لان الرب يصنع لسيدي بيتا امينا لان سيدي يحارب حروب الرب ولم يوجد فيك شر كل ايامك. 29 وقد قام رجل ليطاردك ويطلب نفسك ولكن نفس سيدي لتكن محزومة في حزمة الحياة مع الرب الهك واما انفس اعدائك فليرم بها كما من وسط كفة المقلاع. 30 ويكون عندما يصنع الرب لسيدي حسب كل ما تكلم به من الخير من اجلك ويقيمك رئيسا على اسرائيل 31 انه لا تكون لك هذه مصدمة ومعثرة قلب لسيدي انك قد سفكت دما عفوا او ان سيدي قد انتقم لنفسه.واذا احسن الرب الى سيدي فاذكر امتك 32 فقال داود لابيجايل.مبارك الرب اله اسرائيل الذي ارسلك هذا اليوم لاستقبالي 33 ومبارك عقلك ومباركة انت لانك منعتني اليوم من اتيان الدماء وانتقام يدي لنفسي. 34 ولكن حي هو الرب اله اسرائيل الذي منعني عن اذيتك انك لو لم تبادري وتاتي لاستقبالي لما ابقي لنابال الى ضوء الصباح بائل بحائط. 35 فاخذ داود من يدها ما اتت به اليه وقال لها اصعدي بسلام الى بيتك.انظري.قد سمعت لصوتك ورفعت وجهك 36 فجاءت ابيجايل الى نابال واذا وليمة عنده في بيته كوليمة ملك.وكان نابال قد طاب قلبه وكان سكران جدا.فلم تخبره بشيء صغير او كبير الى ضوء الصباح. 37 وفي الصباح عند خروج الخمر من نابال اخبرته امراته بهذا الكلام فمات قلبه داخله وصار كحجر. 38 وبعد نحو عشرة ايام ضرب الرب نابال فمات. 39 فلما سمع داود ان نابال قد مات قال.مبارك الرب الذي انتقم نقمة تعييري من يد نابال وامسك عبده عن الشر ورد الرب شر نابال على راسه.وارسل داود وتكلم مع ابيجايل ليتخذها له امراة. 40 فجاء عبيد داود الى ابيجايل الى الكرمل وكلموها قائلين ان داود قد ارسلنا اليك لكي نتخذك له امراة. 41 فقامت وسجدت على وجهها الى الارض وقالت هوذا امتك جارية لغسل ارجل عبيد سيدي. 42 ثم بادرت وقامت ابيجايل وركبت الحمار مع خمس فتيات لها ذاهبات وراءها وسارت وراء رسل داود وصارت له امراة.".

كان نابال، كرملي كالبي، رجلا مقتدرا من الناحية المادية، وبنفس الوقت كان رجلا قاسيا وردي الأعمال، وكان داود ورجاله قد صنعوا معه معروفا بحمايته وحماية ممتلكاته الكثيرة، وعندما كان نابال يجز غنمه أرسل إليه داود الملك رسلا كي يقدم له ولرجاله، حوالي ستمائة ، الطعام، لأن داود كان هاربا من شاول الذي أراد قتله، وما كان من نابال إلا الرفض بل والرد السليط قائلا: "...من هو داود ومن هو ابن يسى. قد كثر اليوم العبيد الذين يقحصون كل واحد من امام سيده. 11 ااخذ خبزي ومائي وذبيحي الذي ذبحت لجازي واعطيه لقوم لا اعلم من اين هم" (1 صم 25: 10-11)، فغضب داود جدا وعزم على الانتقام بقتل نابال وكل رجاله، فسمعت أبيجايل، أمرأة نابال، بما حصل وأسرعت لتحضير الطعام لداود ورجاله، ثم واجهت داود وأطفأت بكلامها، بل بالحري بصلاتها التشفعية، غضب داود، بالذات عندما قالت له (في عدد 29 من القطعة المقتبسة): "...ولكن نفس سيدي لتكن محزومة في حزمة الحياة مع الرب الهك واما انفس اعدائك فليرم بها كما من وسط كفة المقلاع".

الحُزمة هي مجموعة من السنابل التي كانت تُحزم وتُضم معا وقت الحصاد، وكانت أيضا تُستعمل كتقدمة للرب، فيقول في سفر اللاويين 23: 10-11: "10 كلم بني اسرائيل وقل لهم. متى جئتم الى الارض التي انا اعطيكم وحصدتم حصيدها تاتون بحزمة اول حصيدكم الى الكاهن. 11 فيردد الحزمة امام الرب للرضا عنكم."، والسنابل هي الخبز الذي يعطي الحياة على هذه الأرض، وهذا ما أشارت إليه أبيجايل، فإذا اردنا حياة وقوة فلنتسلح بحزمة الوحدة والمحبة.

عكس ذلك هو مقلاع الموت. نقرأ عن نابال كيف كان قاسيا وشريرا وبخيلا وناكرا للجميل، أنانيا، متمحورا حول ذاته ومحبا للمال والممتلكات، حتى زوجته لم تكن معه، ولذلك رفض طلب داود بل وبشكل مُهين وبشع.

كم كان داود محقا حيال ظلم نابال وانكاره للجميل، بل واهانته لداود الممسوح ملكا، ذلك الملك الذي تغلب على جيليات والذي قاد حروبا انتصر فيها على اعداء الرب بقوة الله، ولكن السؤال هل كانت الخطة التي اراد داود الرد فيها بقيادة الله ام بحسب تفكيره البشري؟

نلاحظ ان داود كان دائما يستشير الله قبيل اي حرب كان يخوضها، ولكن هذه المرة اراد الانتقام لنفسه دون ان يعبر مفرق الاستشارة (كما لمّحت له أبيجايل – عدد 31 من القطعة المقتبسة أعلاه)، ولكن الله عرف قلب داود وكم كان يمر بتحديات بسبب ملاحقات شاول له، فارسل له ابيجايل، تلك الجبارة التي استطاعت إطفاء غضب داود بحكمة من فوق، وقفت في الثغر متشفعة لايقاف الشر وقطع شلال الدماء ونجحت.

نقرا في قصة داود وجيليات كيف ان داود ضرب جيليات، عدو الله، بمقلاع الموت ليحبسه في يد داود (1 صم 17)، فكانت النتيجة حزمة حياة لشعب الرب، نحن المؤمنين، وكأن ابيجايل تذكّر داود كيف ان الرب اعطاه نصرة على اعدائه، وكأنها كذلك تقول له وهنا ايضا سيعطيك الرب نصرة على اعدائك وألّا ينتقم لنفسه، وفعلا، نجحت "صلاة ابيجايل التشفعية" بان تطفئ غضب داود فعدًل عن الانتقام لنفسه.

كثيرا ما نكون اصحاب حق ونواجه ظلما من الانسان، إن كان في العمل او المجتمع او العائلة او الاصدقاء والاقارب او حتى الكنيسة، فيحتمي غضبنا ويراودنا شعور بالانتقام لردّ الظلم عن حياتنا، ونبدأ بالتخطيط بكيفية طريقة الرد بحكمتنا البشرية الارضية، فنحن على حق ونريد بكل قوتنا البشرية استرداد المسلوب من الظالم. ولكن، هل هذه طريق الرب؟ هل هذه حكمة نازلة من فوق من عند ابي الانوار، ام انها حكمة بشرية نفسانية شيطانية (يع 3: 16-17).

يقول الكتاب: من يجازي عن خير بشر لن يبرح الشر من بيته (ام 17: 13) وهذا ما حصل لنابال، لدرجة ان الرب اماته بسبب شره، فأصابه مقلاع الموت من الرب نفسه، وأما أبيجايل فقد حزمها الرب بحُزمة الحياة، وكانت عاقبتها ونتيجة صلاتها أن الرب اراحها من التعب والنكد والشر واكرمها بانها اصبحت زوجة الملك.

حزمة الحياة التي تمسكت بها ابيجايل جلبت الحياة لداود ولرجاله، ومقلاع الموت ضرب نابال بيد الله بذاته فأماته الله بسبب شره، فللرب النقمة وهو الذي يجازي ويرد حقنا ويدحر كل ظلم عن خيمتنا، تلك الحزمة التي جمعت داود بابيجايل لتاتي بحياة وحياة افضل.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع