كثيرًا ما تتحدث الكنائس عن الوحدة المسيحية، لكن ترجمة هذه الوحدة إلى تعاون يومي تظلّ تحدّيًا: كيف تجمع الكنائس خبراتها ومواردها لتستجيب لحاجات الناس؟ هذا السؤال يضع مبادرة “CALL33”، التي يطرحها التحالف الإنجيلي العالمي مع اقتراب عام 2033، أمام اختبار عملي تتجاوز أهميته إعلان النيات.
في مقابلة أجرتها ماريانا ألبوكيركي، يعرض الأمين العام للتحالف الإنجيلي العالمي، القس بطرس منصور، رؤيةً ينطلق فيها كل تحالف إنجيلي وطني من تمييز دعوة الله له في بلده، في ضوء تاريخ هذا البلد وظروفه وموارده، ويساعده التحالف العالمي في العثور على الشركاء والدعم اللازم للاستجابة لهذه الدعوة. وهي فكرة تستحق الترحيب والدراسة، لأن المؤسسات المسيحية كثيرًا ما وجدت أن التعبير عن الوحدة أسهل من تقاسم المسؤولية.
ولننظر إلى ما قد يعنيه هذا التعاون في حياة أسرة واحدة. تخيّلوا أمًّا تبحث عن دعم لطفلها ذي الإعاقة. لدى كنيسة غرفة لا تُستخدم خلال أيام الأسبوع، ولدى أخرى متطوعون مستعدون للمساعدة، وتعرف ثالثة اختصاصيًّا يمكنه إرشاد الأسرة. تملك كل واحدة جزءًا مما تحتاج إليه هذه الأم، وقد يتيح تعاونها دعمًا تعجز أيٌّ منها عن توفيره بمفردها.
هنا يصبح للوحدة المسيحية أثر ملموس: تجد الأسرة من يصغي إليها، وتتواصل معها جهة قادرة على مساعدتها، وتتحوّل الموارد المتفرّقة إلى خدمة مشتركة. وهذا هو الوعد الذي أراه في “CALL33”، والمعيار الذي يستحق أن تُقاس به نتائجها.
تعني “CALL33”: “الاستجابة معًا لدعوة الله نحو عام 2033”. ويوفّر هذا التاريخ مناسبة رمزية لإحياء ذكرى مرور ألفَي عام على موت المسيح وقيامته وصعوده، وعلى يوم العنصرة. ويؤكد القس منصور بوضوح أن اختيار هذا التاريخ لا يرتبط بأي نبوءة، وإنما يهدف إلى تشجيع تجديد الالتزام بالرسالة المسيحية. أما السؤال الأهم، فهو ما الذي سيحدث من الآن وحتى ذلك الحين.
ويوضح القس منصور أن مفهوم “الدعوة” أساسي لفهم المبادرة. فالسؤال الذي يُطرح على التحالف الوطني هو: ما الذي يدعوكم الله إلى عمله في بلدكم؟ والتحالف الوطني نفسه هو الأقدر على تمييز هذه الدعوة؛ لأنه يعرف تاريخ بلده وحالته الخاصة والموارد المتاحة له. ومن خلال الصلاة والدراسة والنقاش، يتولّى محليًّا مسؤولية التمييز والاختيار، ثم تحديد ما تفتضيه الاستجابة من أولويات وعمل.
ويشدّد القس منصور على رفض هيمنة أي هيئة أو دولة على أخرى، مهما بلغت قوّتها أو مكانتها. وفي هذا التصوّر، يكون دور التحالف الإنجيلي العالمي مساندة التحالفات الوطنية وربطها بالشركاء، مع احترام استقلالها في تمييز دعوتها. وتقوم الرؤية العالمية للمبادرة على أن استجابة كل تحالف وطني لدعوة الله في بلده تسهم، مع استجابات التحالفات الأخرى، في تحقيق دعوة الله في العالم أجمع.
ومن أجل أن يتعمّق هذا التمييز المحلي، أرى أن دائرة الإصغاء والمشاركة ينبغي أن تتّسع لتشمل الأسر التي تعاني الضغوط، والجماعات الكنسية الأصغر، والشباب، والأشخاص ذوي الإعاقة. فقد يكون التحالف الوطني على معرفة جيدة بمؤسساته، ومع ذلك تغيب عنه احتياجات لا تظهر في اجتماعات المسؤولين. وتصبح المشاركة ذات قيمة عندما تستطيع أصوات هؤلاء أن تغيّر الأولويات وتؤثر في القرارات.
وتمنح رواية القس منصور عن تجربته الشخصية تأكيدَه على المصالحة وزنًا خاصًّا. فهو يصف نفسه بأنه عربي فلسطيني ومواطن إسرائيلي، نشأ لأب من الروم الملكيين الكاثوليك وأم أرثوذكسية، ويربط هذه التجارب بالتزامه بصنع السلام. وتوضح خلفيته كيف يمكن للانتماء إلى مجتمعات متعددة أن يعمّق قدرة الإنسان على فهم الآخرين.
وهذا يوفّر للكنائس نقطة انطلاق مفيدة. فالتعاون ينمو عندما يطمئن الناس إلى انتمائهم إلى تقاليدهم الخاصة، ويتمكّنون من لقاء الآخرين بصدق وانفتاح. ويمكنهم الإقرار بخلافاتهم اللاهوتية، مع تحمّل مسؤولية مشتركة تجاه حيّ يعيشون فيه، أو أسر تواجه صعوبات، أو مجتمع يحتاج إلى المصالحة والسلام.
وتحتاج “CALL33” هنا إلى مزيد من الوضوح. فاللغة التي تستخدمها تتوجّه إلى الكنيسة في العالم كله، بينما يتمحور إطارها العملي حول التحالفات الإنجيلية. وتترك المقابلة دون حسم مسألة الكيفية التي يمكن أن تشارك بها الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية وغيرها من الجماعات المسيحية. ومن شأن توضيح هذه العلاقة أن يمنح الدعوة إلى التعاون الأوسع مضمونًا ملموسًا.
ويضع رفض الهيمنة أساسًا مهمًّا للعلاقة بين الشركاء، وتبقى ترجمته إلى ممارسة يومية مسؤولية مشتركة. فعند توزيع التمويل وتحديد أدوار القيادة، ينبغي أن تظلّ الدعوة التي ميّزها التحالف الوطني في بلده هي المرجع، وأن تُسخَّر الموارد لدعمها. وسيكشف استعداد المؤسسات لدعم عمل غيرها، ومنحها ما تستحقه من تقدير، عن عمق التزامها بالتعاون واحترامها للقرار المحلي.
ويقرّ القس منصور بأن المبادرة لا تزال في طور التطوير. وهذه الصراحة ذات قيمة، لأنها تتيح فرصة لإرساء الشفافية في اتخاذ القرارات والمساءلة الفعلية منذ البداية. كما ينبغي أن يشارك الشباب المسيحيون في تشكيل هذا العمل، وأن يُمنحوا مسؤوليات حقيقية وفرصة للتأثير في مساره.
ويُعدّ فهم “CALL33” الواسع للرسالة المسيحية نقطة قوة أخرى. فالتبشير، والتلمذة، والرحمة، والعدل، والمصالحة، كلها تتصل بحياة الأشخاص الذين تلتقي بهم الكنائس. والأسرة التي تواجه ظروفًا صعبة تعيش احتياجاتها الروحية والعاطفية والعملية معًا. وتخدمها الكنائس بصورة أشمل عندما يتكامل تعليمها مع رعايتها، ويجد الإيمان تعبيره في الاهتمام بحياة الإنسان وكرامته.
وبحلول عام 2033، سيكون الدليل الأكثر إقناعًا على التقدّم ظاهرًا في حياة الناس: أسرة تجد الدعم، وكنيسة صغيرة تتمكّن من الوصول إلى الخبرات، وقائد شاب يُمنح الثقة، ومجتمعات منقسمة تنجح في الحفاظ على مشروع مشترك. وتحتاج المبادرة، منذ بدايتها، إلى أن تسأل كيف ستتابع هذه النتائج وتتعلم منها، حتى يرتبط طموحها بما يتحقّق فعلًا.
لنعد إلى الأم التي تبحث عن مساعدة لطفلها. قد لا تسمع يومًا باسم “CALL33”. لكن إذا ساعدت المبادرة تلك الكنائس الثلاث على جمع مواردها والوقوف إلى جانبها، فستلمس قيمتها في حياتها وحياة طفلها. وعندها تصبح الوحدة المسيحية خبرة تعيشها الأسرة، ومسؤولية تتقاسمها الكنائس. هذا هو نوع الوحدة الذي يستحق العمل من أجله.
ملاحظة: يستند هذا المقال إلى مقابلة أجرتها ماريانا ألبوكيركي مع القس بطرس منصور، بعنوان “الأمين العام للتحالف الإنجيلي العالمي القس بطرس منصور يشرح مبادرة CALL33”، ونُشرت على الموقع الإلكتروني للتحالف الإنجيلي العالمي، وإلى توضيح لاحق قدّمه القس بطرس منصور للكاتب بشأن مفهوم الدعوة والتمييز المحلي ورفض الهيمنة.
رابط المبادرة - https://worldea.org/wea-secretary-general-botrus-mansour-unpacks-call33


RSS