• الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 1: وحدة الكنيسة - القس عازر عجاج
الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 1: وحدة الكنيسة - القس عازر عجاج

تحتفل الكنائس الإنجيلية عامة بمرور خمسمئة سنة على حركة الإصلاح الديني الذي بدأ به مارتن لوثر في عام 1517. ففي 31 تشرين الاول من السنة ذاتها قام لوثر بدق اطروحاته الخمس والتسعين الشهيرة على باب كتدرائية ويتنبرغ، منتقداً بها ممارسات الكنيسة الكاثوليكية وبعض معتقداتها، ومطالبًا بإجراء إصلاح وتغيير في تلك الممارسات والمعتقدات.

ومما لا شك فيه أن حركة الاصلاح هذه كان لها تأثيرا كبيرا على تغيير خريطة التاريخ الديني والسياسي والاجتماعي في العالم المسيحي. لم يكن هذا التغيير والتأثير يحصل لولا شجاعة أشخاص مثل لوثر وغيره من المصلحين، الذين سعوا ليطيعوا كلمة الله، ويعملوا مشيئته رغم التحديات والصعوبات الكبيرة التي كانت تقف أمامهم، خاصة بعد أن راعهم ما رأوا من انحراف الكينسة عن كلمة الله وبساطة الايمان. ويعوزنا الوقت والجهد للوقوف على أسباب الإصلاح وتداعياته اللاهوتية والكنسية وغيرها من مؤثرات. لكني ارتأيت أن ألخص في عدة مقالات، الأوضاع الكنسية في تلك الفترة التي ساهمت في إعادة التفكير عند الكثير من رجال الدين والعلمانيين في ما يتعلق بعلاقة الانسان مع الله ودور سلطة الكنيسة في ذلك، مسلطًا ضوءًا ولو بسيطًا على الشخصية الرئيسية في الاصلاح، ألا وهو مارتن لوثر. آملًا أن تساهم هذه المقالة في إعادة التفكير في دور الاصلاح المستمر في كنائسنا من ناحية، ودور كنائسنا في إصلاح المجمتع وامتداد ملكوت الله من ناحية أخرى.

وكيما نستطيع فهم الأرضية والظروف التي مهدت الطريق أمام الإصلاح، علينا الرجوع للوراء بما يتعلق بتاريخ الكنيسة، وتحديدًا لمجمع نيقية الذي عُقد سنة 325 (1) حيث نجد في قانون الايمان النيقاوي تعريفًا مساعدًا عن الكنيسة، نصه: "... ونؤمن بكنيسة واحدة، جامعة مقدسة رسولية...". وها قد مرت نحو ألف سنة، والكنائس في كل العالم تردد الإيمان النيقاوي في طقوسها، لكن الكنيسة كانت تواجه تحديات جديّة بوحدتها، وبشموليتها، وبقداستها وبرسوليتها. وسأتطرق في هذا المقال لموضوع "كنيسة واحدة".

 

"كنيسة واحدة" ووحدة الكنيسة

لقد واجهت وحدة الكنيسة في بداية القرن الرابع عشر ثلاث تحديات رئيسية: أولًا تحدي الانشقاق بين الغرب والشرق. ثانيًا، تحدي أتباع جون هوس في بوهيمية ومتطلباتهم من البابوية. وثالثًا، التحدي من داخل البابوية حيث طالب عددٌ من البابوات بحقهم في الكرسي البابوي في آنٍ واحد.

 

الانشقاق بين الشرق والغرب

          إن سنة 1054م سنة مهمة في تاريخ الكنيسة، فهذه السنة التي انقسمت فيها الكنيسة لشرقية وغربية. ويعود سبب الانقسام لقضايا مختلفة بعضها يسهل حلّه كموضوع نوع الخبز المستعمل في الشركة المقدسة (مع خميرة أو بدونها. لكن هناك مسائل أخرى كان حلها أصعب بكثير.  فمكانة البابا مثلًا كانت موضوعًا شائكًا جدًا. ماذا كانت تعني مكانة بطرس (متى 18:16)؟ هل تعني أن الجالس على كرسي روما له مكانة أعلى من باقي الأساقفة، كما علّمت الكنيسة الغربية؟ أم أنها تعني أنه الأول بين المتساوين، كما علمت الكنيسة الشرقية؟. أضف الى ذلك مشكلة أساسية أخرى تُذكر غالبًا في سياق هذا الانشقاق، وهي الخلاف على جملة في قانون الإيمان النيقاوي، حيث تضيف الكنيسة الغربية "... الروح القدس المنبثق من الآب والابن". بحسب قانون الإيمان النيقاوي الأصلي يجب أن نقول "وبالروح القدس المنبثق من الآب". وقد اعتُبر هذا التغير من قبل الكنيسة الشرقية بدعة جديدة، وكأن هناك انبثاق مزدوج للروح القدس. وقد أدت جميع هذه الاختلافات الى الانشقاق السابق ذكره والذي ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا.

 

التحدي البوهيمي

كانت المملكة البوهيمية (جزءٌ من الجمهورية التشيكية اليوم) قوة عسكرية لا يستهان بها. مع أن التحديات للبابوية وُجدت من قبل، لكن عندما أتت هذه التحديات من بوهيمية سبب هذا الأمر إزعاجًا لكل أوروبا. وقد كانت جذور التحديات التي جاءت من المملكة البوهيمية مرتبطة بتعليم شخص من إنكلترا يُدعى جون ويكلف.

ولد ويكلف سنة 1320، وبعد حصوله على درجة الدكتوراة في اللاهوت بدأ يعلم في جامعة أوكسفورد، وهناك ترجم الكتاب المقدس الى اللغة الانكليزية. وقد ساء ويكلف ما رآه من فساد داخل الكنيسة وابتدأ بانتقادها، بالأخص غنى الكنيسة الفاحش الذي يتناقض مع الفقر الذي عاشه التلاميذ. كما وهاجم سلطة البابا معلنا أن المسيح وحده رأس الكنيسة والكتاب المقدس السلطان الوحيد فيها. وكان لتعليم وكليف هذا، الأثر الكبير لاحقًا على شخص من براغ يُدعى جون هوس، وذلك خلال الفترة التي قضاها هوس في جامعة أوكسفورد. انضم هوس سنة 1400 الى سلك الكهنة، وبدأ بممارسة خدمته كعميد لجامعة براغ سنة 1402. ولم تمر فترة طويلة حتى أصبح تعليمه منتشرًا، واختلط أيضًا بأمور سياسية واجتماعية. وتدريجيًا، أصبح هوس وأتباعه (أو كما عُرّفوا، الوكليفيين من براغ) مهتمين على نحو أكبر بإصلاح الكنيسة. وعندما قام هوس في سنة 1412، علنًا، بالمدافعة عن تعليم ويكلف، أُلقي عليه الحرمان الكنسي، مما خلق توتر كبير بين الكنيسة في بوهيمية وروما.

 

الانشقاق داخل البابوية

لقد كان التحدي الثالث الذي واجهته الكنيسة تحديًا مُخجلاً، فهو تحدي من البابوية نفسها. ففي سنة 1309 انتقلت البابوية من روما الى أفنيون في فرنسا، وقد كان سبب هذا الانتقال، المواجهة بين البابا بونيفس الثامن وفيليب مللك فرنسا، والتي على أثرها أخضع ملك فرنسا البابا لارادته وأجبره على نقل مكان البابوية لمنطقة أفنيون في فرنسا، وقد عُرفت هذه الفترة  بفترة "السبي البابلي للكنيسة".

استمر الأمر على حاله حتى سنة 1377، حيث قام البابا غريغوري السادس بإرجاع البابوية الى روما. وقد سر هذا الأمر سكان روما، وقد أملوا أيضًا أن يعيّن بابا جديد من سكان روما ليتوج احتفالهم. وبالفعل في آذار 1378 قام 16 كردينالاً بانتخاب البابا أوربان السادس وهو إيطالي الأصل. وبعد فترة قصيرة من انتخابه، قام بإعلان عن إصلاحات من شأنها أن تزيد التأثير الطلياني وتنقص من التأثير الفرنسي على البابوية. وكما هو متوقع، ساء الفرنسيون انتقال البابوية من أفنيون، وساءهم أكثر الإصلاحات الجديدة. وفي شهر آب من سنة 1378 أعلن الـ 11 كردينالاً فرنسيًا (بالإضافة الى الكردينال الإسباني) أنهم قاموا بالتصويت لأوربن السادس تحت ضغط وتخويف من الجماهير الطليانية. واجتمعوا مرة أخرى وانتخبوا كلمنت السابع. وأصبح لدينا الآن شخصان للكرسي البابوي نفسه، واحد في روما والآخر في أفنيون. وقد انتُخب كلاهما بأغلبية أصوات الكرادلة أيضًا، الأمر الذي جعل الاثنين قانونيين.

وحتى يُعالج هذا الأمر المُحرج، عُقد مجمع بيزا سنة 1409 بهدف أخراج الكنيسة من هذا المأزق. وقد كان أعضاء المجمع مكّون من الكرادلة الذين إنتخبوا البابوين السابقين، فقام المجمع بالاعلان أن البابوين هم هراطقة وقام بانتخاب بابا جديد وهو البابا ألكسندر الخامس. لكن الإشكالية كانت أنه يحق للبابا فقط الدعوة الى عقد مجمع، ولهذا السبب لم يقم لا أوربان السادس ولا كلمنت السابع بالتنازل عن منصبه. وبذلك ترأس الكنيسة في تلك الفترة ثلاثة باباوات، تم انتخاب كل منهم بصورة شرعية.

إذن، وبعد مرور ألف سنة على قانون الإيمان النيقاوي، الذي كان ثمرة قسطنطين الناجحة، سنة 325، لتوحيد الكنيسة بإيمان وممارسة واحدة في جميع أنحاء إمبرطوريته، كانت وحدة الكنيسة غائبة بكل وضوح.

 

وقفة للتفكير

وهنا أود أن أُشيح بنظري عن تاريخ الكنيسة في تلك الفترة، لأتأمل بحاضرنا ومستقبلنا ككنائس إنجيلية مُصلحة في البلاد، خاصة بما يتعلق بموضوع الوحدة. وأتكلم هنا عن وحدتنا ككنائس تشارك بعضها بعضًا نفس أساسيات الايمان، وتسعى للكرازة بالانجيل ونشر كلمة الله وتقديم رسالة الخلاص للجميع، وتؤكد أن كلمة الله دستورها الوحيد، والنور الذي يهدي طريقها ويرشدها في قرراتها ولاهوتها وممارساتها. هذه الكنائس بالذات أذكّرها أن الرب يسوع ربط بين الوحدة وتأثير الشهادة بقوله "ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني." (يوحنا 21:17). وبالتالي علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذه الوحدة التي ذكرها يسوع موجودة بين كنائسنا أم أنها فقط شعار أجوف نردده؟ وأنا لا أتكلم عن كوننا مختلفين، فلا عيب في الاختلاف، فالوحدة ممكن أن تقوم حتى في الأختلاف، ووجود تعددية بيننا هو لأمر جيد لا بل وصحّي لإغناء الكنيسة. لكن المشكلة تظهر عندم تصبح هذه الاختلافات سبب في ابتعادنا وانفصالنا ومحاربتنا لبعضنا البعض. عندها ستضعف شهادة كنائسنا، ويضمحل تأثيرها، وسيدير الكثير من شبابنا ظهورهم لنا ليبحثوا عن الحق والصدق في مكان آخر، وسيقوم رجال ونساء من بين ظهرانينا ليدّقوا اعتراضاتهم على أبواب كنائسنا، متحدين بها نفاقنا وتحزبنا وانشقاقنا. إن التاريخ يقدم للكنيسة أسئلة صعبة، وأجوبتنا على هذه الاسئلة سيحدد للكنيسة مستقبلها وخدمتها.

 

(1)  عُقد مجمع نيقية سنة 325 بدعوة من الإمبراطور قسطنطين، إشترك فيه 220 أسقف. هدفه الرئيسي كان الرد على بدعة آريوس، وتوحيد الكنيسة تحت إيمان واحد في كل أنحاء الإمبرطورية. وقد نجح المجمع بمهامه وصدر عنه ما نسميه اليوم "قانون الإيمان النيقاوي" الذي ما زالت تردده الكنيسة الى يومنا هذا.