• الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 2: قداسة الكنيسة ورسوليتها - القس عازر عجاج
الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 2: قداسة الكنيسة ورسوليتها - القس عازر عجاج

كتبتُ في المقالة الأولى عن الاسباب التي ساهمت في ارتفاع أصوات تنادي بإجراء اصلاحات داخل الكنيسة، معتمدًا على قانون الأيمان خاصة بما يتعلق بالكنيسة: "ونؤمن بكنيسة واحدة، جامعة، مقدسة رسولية"، بحيث تطرقت فيه لوحدة الكنيسة، وساتابع في مقالي هذا عن قداسة الكنيسة ورسوليتها بحسب قانون الايمان ذاته.

 

يشغل التعليم الذي أصبح معروفًا بأفضلية وأولوية مكانة بطرس دورًا مهمًا بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية. ويرتبط هذا التعليم بصورة مباشرة بما جاء في متى 18:16، حيث نقرأ كرد لسؤال المسيح، "من يقولوا الناس أني أنا؟" أن بطرس أجاب بكل تأكيد: "أنت المسيح إبن الله الحي". وبناءً على هذا أعلن المسيح: " أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي..."

وقد كان المفهوم التقليدي لهذه العبارة، أنه بعد صعود المسيح أخذ بطرس على عاتقه مسؤولية الرسل وخدمتهم، وأخذت هذه المكانة أو المسؤولية بالانتقال من أسقف (بابا) لآخر من اساقفة روما، خاصة أنه وبحسب التقليد أيضًا، استشهد بطرس في روما، مما أعطى كنيسة روما أولوية على باقي الكنائس بكونها كرسي الرسول بطرس، الذي اعتبروه الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة. لكن هذا التفسير لم يكن التفسير الوحيد، فقد فسّر البعض الصخرة بأنها المسيح، أو إعتراف بطرس، ولن أتطرق هنا لهذا الأمر والنقاش حول دور الرسل الآخرين مثل يعقوب وبولس، وهل بالفعل كانت روما مكان خدمة بطرس الرئيسية.

 

على كل حال، وجود ثلاثة بابوات (كما ذكرت في المقال الاول) سبب إحراجًا كبيرًا للكنيسة بما يختص بالخلافة الرسولية لبطرس. ولحل هذه المشكلة أتت الدعوة لعقد مجمع كنسي، في كونستنس. لقد كانت هناك مقاومة شديدة لهذه الفكرة، إذ أن التعليم السائد أن البابا لا يخضع لأي سُلطة ولا يُحاكم إلا من قبل الله. لكن شر الانقسام الموجود في البابوية نفسها كان مُلّحًا أكثر من التمسك بهذا التعليم. وقد نجح المجمع سنة 1417 بإخراج الكنيسة من المأزق، وتم انتخاب بابا واحد جديد. وبالرغم من الحل الذي توصل له المجمع، إلا ان كل ما جرى سبب إحراجًا كبيرًا للكنيسة.

 

ومن أحد الأمور المهمة التي قام هذا المجمع ببحثه، كان مشكلة جون هوس وأتباعه. فقد توجه جون هوس سنة 1415 الى كونستنس متوقعًا أن يُقنع المجمع بصحة تعاليمه وتعاليم جون ويكليف. لكن المجمع قام بإصدار الحكم بحرقه. فبدل الوحدة التي كان المجمع يتوقع حدوثها، قامت ثورة في بوهيمية هددت بقية أوروبا. وقد عقّب لوثر لاحقًا عن هذا الأمر بقوله: "إذا اعتُبر مثل هذا الرجل هرطوقًا، إذا لا يمكن أن يُنظر إلى أي إنسان تحت الشمس كمسيحي حقيقي".

"كنيسة مقدسة" وحياة الكنيسة

كتب الرسول بولس إلى تيموثاوس قائلًا أن "محبة المال أصل لكل الشرور" 1تيمو 10:6. وهذه الآية يصبح لها معنى، خاصة بإنتشار روح المادية والسعي وراء الغنى المادي في العصور الوسطى. فقد وقعت الكنيسة في هذا الفخ، ونشأ صراع بينها وبين الدولة لمن يعود حق فرض الضرائب، وجبي الاموال من الناس.

 

وقد كانت الكنيسة مبدعة عندما كان الأمر يتعلق بجمع الأموال وإيجاد مصادر للدخل. فصكوك الغفران مثلًا كانت واحدة من مصادر الدخل المعتمد عليها. كما وفرضت البابوية رسومًا خاصة مقابل حل بعض الخطايا، خاصةً كتلك التي تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق رجال الدين، أو بحق أملاك الكنيسة أو سلطتها. كما ووضعت رسوم للسماح بزيجات ممنوعة بسبب ارتباطات عائلية. آخرون كانوا يدفعون للحصول على عدة مناصب كنسية في الوقت نفسه. وآخرون كانوا يدفعوا المال لينالوا الغفران على تعاملهم بالربا. وبإختصار تم في تلك الفترة اصدار صكوك متنوعة الاشكال والمفعول لغفران أنواع ودرجات للخطايا المختلفة؛ وكل نوع من الصكوك له ثمن يتناسب مع مقدار شناعة الخطية التي يتم غفرانها.

 

وفي سنة 1476 وسّع البابا سكتوس الرابع موضوع جباية الاموال ليشمل المطهر وشراء الخلاص لأشخاص قد انتقلوا من هذا العالم. ومن الجمل الشهيرة بما يتعلق بالمطهر التي دخلت التاريخ هي جملة الراهب جون تتزل، الذي اشتهر ببيع صكوك الغفران، حيث كان ينهي عظاته بقوله "في نفس اللحظة التي ترن فيها دراهمكم في الصندوق تخرج النفس المطهرية حرة منطلقة الى السماء". من ناحية أخرى، أدى النهم المادي لدى الكنيسة إلى استيلاء النبلاء على المراكز العالية فيها إذ أنهم الوحيدين الذي يملكون المال الكافي لشراء المناصب. وبذلك أصبح المال هو المعيار الذي على أساسه يُعيّن المطران أو البطرك وليس المواهب الروحية والقدرات اللاهوتية، مما أدى إلى خلق هوة بين المطارنة ورجال الدين أنفسهم.

 

وبدلاً من أن يقوم رجال الدين بمقاومة هذه الظاهرة، قلدوها هم أيضًا، فوضعوا الضرائب على أعضاء الكنيسة، وأصبحت خدمة الكاهن تُقدم مع توقع مردود مالي مقابل الخدمة. وإحدى القضايا المشهورة التي أدت إلى تشويه صورة الكنيسة كانت قضية ريتشارد هون سنة 1511. وهو تاجر إنكليزي رفض دفع رسوم دفن طفله، مُدّعيًا أن هذا الأمر من مسؤولية الكنيسة. وبسبب رفضه هذا رفع عليه الكاهن دعوى للمحكمة الكنسية، وبكونه رجل علماني ادّعى ريتشارد أن لا  سلطة للمحكمة الكنسية عليه. لكن بالرغم من ذلك تم اعتقله سنة 1514 وزجّه في السجن، وهناك وُجِد مشنوقًا. ادّعى الحراس أنه انتحر، لكن الجميع أدرك أنه قُتل. أدت هذه القضية إلى تشويه صورة الكنيسة بطريقة لا يمكن إصلاحها، وكنتيجة لهذه الأمور فقدت الكنيسة جزءًا كبيرًا من هيبتها واحترام الناس لها. وكمثال على سمعة الكنيسة السيئة أذكر هنا ما كتبه الكاتب الايطالي بيرارك:

هنا يحكم خلفاء صيادي الجليل الفقراء. لقد تناسوا أصولهم تمامًا. هنا في "بابل" (أفنيون)، موطن كل الرذائل والتعاسة. لا تقوى، لا إيمان ولا وقار، لا خوف الله، لا شيء مقدس، لا شيء عادل، لا شيء مكرّس. كل ما سمعتموه عن الغدر، والغش، والكبرياء، والوقاحة والدعارة المستبيحة، وكل الشرور التي يعرضها عليكم العالم، تتجمع هنا.

 

أصوات تنادي بالإصلاح

واجهت أوروبا في تلك الفترة أوضاع اقتصادية صعبة. والسبب الرئيسي في هذه الأوضاع هو نمو السكان المتزايد، الذي بسببه أصبحت المواد المتوفرة غير كافية، مما خلق عدم استقرار على جميع الأصعدة. أدى الوضع الاقتصادي المتقلقل من جهة ومتطلبات الكنيسة المادية المستمرة من الناس من جهة أخرى، إلى تساؤلات من قبل الكثيرين عن استقامة الكنيسة، وابتدأت أصوات مختلفة تنادي بالحاجة للإصلاح. ويمكن ذكر عدة أشخاص منهم يوحنا وسيلوس الهولندي، الذي هاجم صكوك الغفران حيث علّم أن كل عمل يقوم به الانسان كمحاولة تكفير عن الخطية ما هو إلا تجديف على المسيح. كما انتقد وعلّم دكتور اللاهوت يوحنا ويساليا من جامعة إرفورت، أن الخلاص هو بالنعمة والايمان بالمسيح. وقد واجه جيروم سانوفارولا حكم الاعدام هو واثنين من رفاقه بسبب انتقادهم للفساد داخل الكنيسة. وبكلمات أخرى، أصبح فساد الكنيسة مزعجًا للشعب، مما أدّى الى تزايد الاصوات المنادية بالإصلاح.

 

ماذا عنا؟

لقد ذكرت في مقالي الآول أن التاريخ يتحدّى الكنيسة بأسئلة صعبة، وأحد هذه الاسئلة كما رأينا بهذا المقال، يتعلق بقداسة الكنيسة ورسوليتها. وبالتالي يُصبح السؤال، كيف ممكن للفساد الأخلاقي الذي سيطر على الكنيسة بالأمس أن يكون عبرة لكنيسة الغد؟ وأعتقد أن الاجابة على هذا السؤال تتعلق بفهمنا لمعنى قداسة الكنيسة ورسوليتها، خاصة لنا ككنائس إنجيلية التي كان أحد أسباب نشأتها رفضها للفساد المادي والأخلاقي في الكنيسة.

والقداسة على مستوى الكنيسة لها بُعدين، بعد سلبي، وآخر إيجابي. ويتمثل البعد السلبي للقداسة بإدانة ورفض الكنيسة، في سياقنا هذا، كل ما هو شر أو شبه شر من تعاليم وممارسات يسعى اصحابها لتحقيق مآرب شخصية ومادية، واشباع لشهواتهم. ونخطئ خطًأ جسيمًا لو ظننا أن هذه الأمور بعيدة عن كنائسنا. وفقط على سبيل المثال لا الحصر، أذكر هنا موضوع إنجيل الازدهار، الذي يربط بين الايمان والازدهار المادي والغنى للفرد، بحيث يعمل اصحاب هذا التعليم كل الجهد لكنز أموال  ضخمة على حساب المؤمنين البسطاء، وهذا التعليم أخذ في الآونة الآخيرة بالتغلغل الى كنائسنا وتضليل عدد ليس بقليل من المؤمنين.

أما البعد الثاني للقداسة فهو إيجابي، إذ فيه تسعى الكنيسة، قادةً وشعبًا، لتمجيد الله من خلال إقترابها للناس لا بانعزالها عنهم. فالقداسة هي التي تمنح الكنيسة المصداقية والقوة والتأثير. هذا ما يقوله الرسول بطرس، "وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب." (1بطرس 9:2)  فالأُمة المقدسة دورها أن تُخبر، وتُجسد وتُشارك محبة الله المخلِّصة، وهذا لا يحدث بالابتعاد عن الناس بل بالاقتراب منهم.

ولكي تعيش الكنيسة بقداسة، عليها ان تتمسك برسوليتها، هذه الرسلولية المؤسسة على كلمة الله وتعاليم الرسل، وأن لا تسمح لآي شخص أو تعليم أن يعلو فوقهما. صحيح أننا لا نفهم رسولية الكنيسة كما تفهمها الكنائس الكاثولوكية والارثوذكسية، لكن للأسف، أمسَى بعض الانجيليين في بلادنا يُميلون بآذانهم لاشخاص يدّعون الرسولية، ويعلّمون تعاليم غريبة عن روح الكتاب. وهم يقومون بذلك من خلال "نبوات" و"إعلانات" تُعامل بمستوى وحي الكتاب المقدس، وربما أعلى منه أحياناً. لذلك إن لم تتمسك الكنيسة بهذه القداسة وهذه الرسولية، حتماً سنأتي لكنائسنا يومًا ما لنجد إعتراضات قد دُقّت على أبوابها تتحدانا لابتعادنا عن كلمة الله، وعن قداسته.