• الكنيسة والسُلطة في بداية عهد الإمبراطورية المسيحية - - القس عازر عجاج
الكنيسة والسُلطة في بداية عهد الإمبراطورية المسيحية - - القس عازر عجاج

لم يستطع لا أباطرة روما ولا كهنتها الوثنيين أن يطفئوا شعلة الكنيسة. فخلال الفترة ما بين يوم الخمسين ولغاية بداية القرن الرابع كانت الكنيسة قد تخطت حدود أورشليم واستطاع الرسل أن يحملوا البشارة الى مناطق عديدة مثل سوريا وأسيا الصغرى، وسواحل مكدونية وبلاد اليونان، حتى وصلوا الى روما، قلب الامبراطورية الرومانية وعاصمتها. واستمرت الكنيسة في النمو في القرن الثاني والثالث ايضاً، ووصلت الى شمال أفريقيا وفرنسا، وامتدت غربا لتصل مناطق نهر الراين وجنوب إنكلترا، وامتدت شرقا ودخلت بلاد فارس وأرمينيا. حدث كل هذا الانتشار تحت غيمة الاضطهاد وتحديات جدّية كما سبق وذكرت. لكن مع إطلالة القرن الرابع وجدت الكنيسة نفسها أمام واقع جديد مغاير لكل ما مرت به، واقع ترك أثره على الكنيسة حتى يومنا هذا.

قسطنطين ونهاية الاضطهاد  

يرتبط واقع الكنيسة الجديد بالإمبراطور قسطنطين، فخلال أحد حروبه رأى علامة الصليب في رؤيا، وكان مكتوب عليه "بهذه العلامة تنتصر". وترتبط هذه الرؤيا، بحسب ما روى، بظهور المسيح له في الليلة ذاتها طالباً منه أن يستخدم الحرفين (ΧΡ)، وهما أول حرفين من اسم المسيح باليونانية، كشعار لجيشه. وبطاعته لهذا الامر انتصر قسطنطين في حربه، الامر الذي قاده لاحقاً إلى إصدار "مرسوم ميلانو" سنة 313م، الذي ينص على منح المسيحيين وجميع المواطنين حرية العبادة وحرية اعتناق الديانة التي يرغبون فيها، مُنهيا بذلك عصرًا طويلاً من اضطهاد المسيحيين وفاتحاً الباب أمام الكنيسة لتبدأ عصراً جديداً من تاريخها، عصر "الإمبراطورية المسيحية".

هنالك الكثير من الجدل بين المؤرخين حول حقيقة إيمان قسطنطين، ولن أخوض هذا النقاش هنا، فما يهمني ليس إيمان قسطنطين بل علاقته، وعلاقة الأباطرة من بعده، بالكنيسة. ومما لا شك فيه، وبغض النظر عن موقفه القلبي، كان قسطنطين الشخص الذي ربط عربة الكنيسة بخيل الامبراطورية، فاتحاً بذلك عهداً من التنافس بين الكنيسة والدولة على أحقّية قيادة هذه العربة.

الامبراطورية تحتضن الكنيسة

سرعان ما تشابكت وتعانقت شؤون الدولة بالكنيسة كما تعانقت في الحروف اللامُ والألفُ، وبات الفصل بينهما صعباً. فبدأ قسطنطين يتدخل بنفسه بالأمور التي تخص الكنيسة. ويتضح هذا الأمر مثلاً في دعوته لعقد مجمع نيقية. أو قوله لجماعة من الأساقفة: "أنتم عُيّنتم أساقفة لشؤون الكنيسة الداخلية، وقد تعيّنت أنا أسقفاً من الله لشؤونها الخارجية".

اهتم قسطنطين أيضاً بتقديم دعم مادي من الدولة للكنيسة، ومنح رجال الدين مراكز اجتماعية متميزة، وأصبح يحق للأسقف التدخل في القضايا المدنية. كما وشجعت الحكومة عملية نسخ الأسفار المقدسة، ونتج عن هذا الأمر أثمن مخطوطات الكتاب المقدس مثل المخطوطة الفاتيكانية، والمخطوطة السينائية. وفي عصره تم تشييد الكثير من الكنائس المشهورة مثل كنيسة المهد في بيت لحم، وكنيسة القيامة في القدس، وكنيسة القديس بطرس في روما وكنيسة الرسول بولس في روما أيضاً.

سار خلفاء قسطنطين على النهج نفسه، لا بل فاقوه في معاملتهم الحسنة للمسيحية والمسيحيين، فحرّموا تقديم الذبائح للأصنام والذهاب إلى الهياكل الوثنية. ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت المسيحية دين الدولة الوحيد، وذلك سنة 381م.

انعكاس العلاقة مع الدولة على الكنيسة

يقف المؤرخون هنا على مفترق طرق مثير للكثير من الجدل والنقاش، هل أضعف الاعتراف بالمسيحية وجعلها دين الدولة الرسمي الكنيسة، أم كان سبب في تقويتها؟ لا يوجد جواب حاسم وواضح على هذا السؤال، لكن يمكننا أن نستعرض التوجهات المختلفة.

إيجابياً، ساعدت المسيحية في رفع المستوى الأخلاقي للإمبرطورية الرومانية، وكان لها تأثير كبير على الحياة الإجتماعية، فتزايد الإعتراف بمكانة المرأة، وتم إيقاف عروض المصارعات الدموية، كما وأصبح للعبيد مكانة ومعاملة أفضل. ومن الواضح أيضاً انه أصبح للمسيحية تأثير واضح على التشريع والقوانين، فتأثرت قوانين الدولة بالقيم المسيحية، كما وانتشرت الكنيسة انتشاراً واسعاً يفوق كل مدة انتشارها في القرون الثلاثة الأولى.

سلبياً، أدى الارتباط الوثيق بين الدولة والكنيسة إلى تدخل الدولة في شؤون الكنيسة الروحية واللاهوتية. كما وزاد دخل الكنيسة على نحو ملحوظ، خاصة بسبب الأموال المخصصة لها من الدولة، الامر الذي ساهم تدريجياً في تفشي الفساد المادي فيها، وفقدانها لبساطتها.

اما فيما يتعلق بالحالة الروحية، فيمكننا القول إن الكثيرين من الذين انضموا الى الكنيسة لم يكن لديهم إلا المعرفة السطحية جداً عن المسيحية. فكان انضمامهم لا لسبب الإيمان بل لأنها، اي المسيحية، أصبحت الدين الرسمي في الدولة. أضف الى ذلك دخول البعض إلى المسيحية طمعاً في الحصول على الوظائف العالية في الدولة أو في الجيش. ومن ناحية أخرى، ولمقابلة تحديات نمو الكنيسة السريع، تم تعيين رجال دين بدون أن يكون لديهم المعرفة والمؤهلات الكافية، الامر الذي أدى الى تدني المستوى الروحي لبعض الكنائس وتحولها تدريجياً الى كنائس طقسية لا أكثر.

خُلاصة

إن التغيير الجذري في تعامل الدولة مع الكنيسة والتحول من معاملتها كعدوة إلى احتضانها، لم يكن سهلاً على الكنيسة، واحتاجت لوقت حتى تستطيع تحديد موقفها وطرق تعاملها مع واقعها الجديد. فمن جهة، أصبح الاضطهاد خلفها، ولم تعد بحاجة أن تختبئ، ويمكنها الآن أن تمارس إيمانها بحرية وبدعم الدولة ومباركتها. ومن جهة أخرى، يجب أن لا يكون ثمن هذه الحرية ان تصبح الكنيسة أداة بيد السلطة السياسية توجهها حيث تريد. لذلك يقع على عاتق الكنيسة دائماً أن تجد التوازن المطلوب بين الحفاظ على علاقة طيبة بقدر المستطاع مع الجميع، حتى السُلطة، والحفاظ على صوتها النبوي ودورها في أن تكون ملحًا ونورًا في العالم وأن تتمم ارساليتها.