• الكنيسة والسُلطة: محاولة الكنيسة للتسلُط على السُلطة - القس عازر عجاج

بعد الجولة السريعة التي قمنا بها لتفقُد أحوال الكنيسة وعلاقتها بالسُلطة في الدولة الإسلامية، سأنتقل لألقي نظرة على وضع الكنيسة في الغرب وعلاقتها بالسُلطة السياسية، خاصة في فترة العصور الوسطى.  فما يميّز هذه الفترة هو التغيير في توجه الكنيسة من اهتمامها في الشؤون الدينية الى الاهتمام في الدوائر المدنية والسياسية. لقد اهتمت الكنيسة، عمومًا، حتى بداية هذه الفترة بدورها الروحي والكنسي، ولم تتدخل من جهتها بالامور السياسية، لا بل اعتبرت دور السياسة "الزمني" أقل قيمة من دور الكنيسة "الأبدي". لكن بدأ هذا التوجه بالتغيّر سنة 800م بعد أن طلب الإمبراطور شارلمان أن يُتوجّهُ البابا.

كان الإعتقاد السائد، حتى ذلك الوقت، أن ملكوت الله له ذراعان، واحد روحي يمثله البابا، المسؤول عن الامور الروحية لرعاياه، والآخر زمني ويمثله الامبراطور، الذي يقع على عاتقه تحقيق الرخاء والأمان لمواطنيه.  لكن ما قام به البابا ليو الثاالث بتتويجه لشارلمان فتح باب الصراع والجدل بين الطرفين والذي يتلخص بالآتي: هل منح الله السُلطة للإمبراطور كي يسود على الناس في مملكته، وكنتيجة لذلك يمارس البابا سلطانه مفوضاً من الإمبراطور ليهتم بالنواحي الروحية للشعب؟ أم أعطى الله السلطة المُطلقة للكنيسة، ولذلك يفوّض البابا الإمبراطور ليدير أمور الشعب الزمنية؟ أم منح الله لكل منهما سلطاناً مباشراً على نطاق مسؤوليته؟

تمسك الباباوات في تلك الفترة بسمو السلطة الكنسية وسلطانها على السلطة السياسية، وغلّفوا هذا الرأي بغلاف روحي يقدم تفسيراً لأهمية خضوع الاباطرة لهم، فعلى سبيل المثال قال البابا إنوسنت الثالث، انه "كما يستمد القمر نوره من الشمس كذلك يستمد الملك الذي يحكم أجساد الناس كل قوته من البابا الذي يحكم نفوس الناس". لم يرُق طبعاً هذا الامر للأباطرة الذين رأوا أنفسهم بأنهم حماة الكنيسة، بكونهم العضو الأقوى فيها، وحاولوا من جهتهم أن يُخضعوا الكنيسة لسلطتهم. أخذت الأمور تشتد حدّة تدريجياً بين الدولة والكنيسة، ووصلت هذه التحديات ذُروتها سنة 1075 حين ألغى البابا غريغوري السابع حق السلطة السياسية بتعيين رجال الدين، حيث أن المطارنة في ذلك الوقت كانوا يُرسمون من قبل الإمبراطور. أزعج هذا الأمر الإمبراطور هنري الرابع، فقام على إثر ذلك بإقالة البابا، وردّاً على ذلك ألقى البابا الحرمان على الإمبراطور. وبسبب خوف الإمبراطور من حدوث ثورات، قام بعمله الشهير لطلب الغفران، حيث وقف سنة 1077 ثلاثة أيام على باب مقر البابا حتى نال العفو. لكنه عاد سريعاً للتدخل في شؤون الكنيسة، مما اضطر بالبابا يإلقاء الحرمان عليه ثانيةً. لكن على ما يبدو أن تأثير الحرمان الثاني كان أقل من الأول.

 

المدافعون

لم ينحصر الصراع بين القادة الدينيين والقادة السياسيين، بل كان للجهتين باحثون دعموهم ومدافعون دافعوا عن مواقفهم. من الأشخاص الذين دعموا البابوية كان جيمس فيتيربو، أحد اللاهوتيين المشهورين في القرن الثالث عشر، الذي نادى بأن الكنيسة هي السلطة الكاملة الوحيدة في العالم، وكما يحتاج الإنسان الساقط لنعمة الله كيما يخلص، كذلك يحتاج الملك إلى الكنيسة كيما يدير الدولة. أما من الأشخاص المؤثرين الذين وقفوا بصف الملوك كان مارسيليوس من فادوا، وهو فيلسوف سياسي صاحب الكتاب المشهور المدافع عن السلام (وقصد به الإمبراطور)، الذي نادى بتقليص صلاحية الكنيسة في الأمور العالمية، وحَصْر سُلطة البابا على رجال الدين والامور الكنسية فقط. ودعا مارسيليوس الكنيسة لتوجيه اهتمامها للمجال الروحي والابتعاد عن التدخل في الشؤون العالمية. كما ودعم حركة الفرنسيسكان التقشفية ودان الغنى والسلطة التي كانت للكنيسة. وكنتيجة لذلك أدانه البابا يوحنا الثاني عشر سنة 1327 بعد ان اتّهمه بالهرطقة.

وباختصار، يُظهر كل هذا النقاش ان موازين القوى قلد انقلبت، فبينما عانت الكنيسة في الماضي من المحاولات المستمرة من قِبل الدولة للسيطرة عليها وتسخيرها لتحقيق مآربها السياسية، نجد أن ما يحدث هنا هو العكس تماماً، حيث تُظهر هذه الاحداث سعي الكنيسة الدؤوب لفرض سيطرتها على النظام السياسي ووضعه تحت كنفها، وذلك طمعاً بالسُلطة والسيطرة والربح المادي، الأمر الذي أساء كل الإساءة لسمعة الكنيسة، ووضعها مرة تلو الأخرى في مواقف محرجة، وساهم في ارتفاع أصوات من داخلها تدين هذه التصرفات وتنادي بالإصلاح.

 

تحديات لكنيسة الغد

إن الأحداث التاريخية هذه يجب أن تبقى أمام أعيننا اليوم حتى لا نقع في أخطاء الماضي. باعتقادي أن ما قاله مارسيليوس في كتابه "المدافع عن السلام"، أن على الكنيسة الابتعاد عن التدخل في شؤون الدولة وعدم السعي لكسب سلطة سياسية، وبالمقابل عليها تركيز جُلّ اهتمامها في المجال الروحي وخدمة الإنجيل، هو صحيح جدًا، وفصل الدين عن الدولة، ومنح الحرية الدينية للفرد، هو مبدأ يجب أن تتمسك به الكنيسة. لكن في الوقت نفسه، يجب أن لا يؤدّي هذا الموقف إلى إهمال الكنيسة لصوتها ودورها النبوي في الدفاع عن حرية الفرد والوقوف أمام الظُلم والعنصرية والاضطهاد وأي فساد سياسي أو مادي أو اجتماعي. ويجب على الكنيسة أن تجد ذلك التوازن بين عملها بطريقة مسيحية كتابية تُرضي الله من ناحية، وإعلان صوته من ناحية أخرى.