• العار والفداء: التعامل مع العار من منظور مسيحي - د. رلى خوري منصور
العار والفداء: التعامل مع العار من منظور مسيحي - د. رلى خوري منصور

في مقالتي السابقة وصمة عار الكورونا تكشف خطوط الصدع في مجتمعنا، تكلمت عن أن العار هو غياب الشرف، وأن العين الاجتماعية هي التي تجعل المرء يشعر بالعار أو الخزي، وليس أي شعور داخلي بارتكاب خطأ. وينبع العار من محاسبة الفرد على ابتعاده عن القيم التي صاغها المجتمع خلال التاريخ وغرسها في نفوس الأفراد، مثل الطهارة والشرف. وعندما تتناقض بعض هذه القيم مع منظومة الأخلاق المثالية يقع الأفراد في مآزق وجودية متناقضة يصعُب التغلب عليها، مما يؤدي إلى ضعف حرية إرادة الفرد أمام الإرادة الجمعية أحيانًا كثيرة؛ حيث أن القيم الاجتماعية السائدة تشكّل الفرد وتحاسبه وتحد من قدرته على التغيير. وبذلك تصبح الطريق من حالة العار إلى حالة الشرف مغلقة بحواجز يصعب تخطيها؛ ومحاولات تخطي العار غالبًا تتلخص بالقضاء على سبب العار أو الإنكار أو الإختباء.   

في الكتاب المقدس، العار هو أكثر من مجرد حالة نفسية أو اجتماعية، إنها مشكلة لاهوتية: كرامة الله أُهينت والبشر في عار! إن العار الذي نشعر به أمام الآخرين بسبب أخطائنا متجذّر أصلًا في عارنا (خطيئتنا) أمام الله. يعمل الله على إزالة العار واستعادة الشرف في سرد الكتاب المقدس منذ آدم وحواء، ويعالج المسيح مشكلة العار بأكملها فبموته وقيامته يكفّر عن خزينا أمام الله ويحررنا من عارنا، ويعلن كل من بولس وبطرس: "كل من يؤمن به لا يخزى" (رومية 10: 11، 1بطرس 2: 6).

لا يمكنني بهذه المقالة القصيرة تغطية موضوع العار بالكتاب المقدس، وسأكتفي بأن أوضّح من خلال قصص كتابية أين نخفي عارنا، ومتى يكون شعورنا بالعار إيجابيًّا، وكيف يفصل المسيح عارنا عنا ويسترجع شرفنا، وكيف نحارب مشاعر العار المؤلمة وما هو دور الكنيسة في التعامل مع العار.

أين نخفي عارنا؟

سأتأمل بثلاث صور من الكتاب المقدس لإخفاء العار في الأماكن الخاطئة وذلك من خلال: القضاء على سبب العار، الإنكار والإختباء:

1) الملك داود (2 صموئيل 11) أخفى عاره من خلال القضاء على سبب العار: كان داود رجلًا قويًا أساء استخدام قوته وأقام علاقة مع امرأة متزوجة. وخوفًا من فضح شرّه، وبهدف إخفاء العار أرسل زوجها إلى الحرب ليُقتل! فأخفى بذلك عاره بارتكاب شر أشر.

2) المرأة السامرية (يوحنا 4) أخفت عارها من خلال العيش بإنكار: تعيش بألم وعار في مجتمع لا يغفر ولا يحتضن، وتسكن مع رجل ليس زوجها بعد خمس زيجات فاشلة. جاءت إلى البئر وقت اشتداد حرّ النهار وليس في الصباح الباكر مع باقي النساء، لتتمكن من نشل الماء بمفردها، تفاديّا للتعليقات والهمسات ونظرات الإدانة.

3) المرأة نازفة الدم (لوقا 8) أخفت عارها من خلال الإختباء: عانت من نزيف دموي لمدة 12 سنة، واعتُبرت نجسة بحسب الشريعة اليهودية. كانت إنسانة تعيش بحالة عار، فهي منبوذة من مجتمع ظالم بسبب مرضها. رأت المسيح يشفي الآخرين، وبدلًا من الوقوف أمامه لنيل الشفاء، قررت عدم البَوح بحاجتها بل لمست هدب ثوبه خفيةً، ظنّا منها أنّ الاختباء أفضل في إخفاء هويّتها عن الحشود المجتمعة حول المسيح.

كثيرًا ما نكون مثل الملك داود، المرأة السامرية، والمرأة النازفة، يشجّعنا عارنا على الاختباء في الأماكن الخاطئة، فيدفعنا الكبرياء إلى استخدام كل ما في وسعنا لإخفاء عارنا من خلال: التستّر على خطايانا، والإنكار والتجاهل والانطواء والانشغال بأمور أخرى، في محاولة للتخفيف من حالة العار والتصرف وكأنها غير موجودة. لربما نختبئ في منازلنا بعيدًا عن الناس. أو نختبئ في مكاتبنا خلف أجهزة الحاسوب أو الكتب. أو نختبئ في الأعمال المنزلية أو خلف جلوسنا أمام كلّ أنواع الشاشات لمشاهدة الأفلام والمسلسلات.

للخروج من حالة العار يجب ان نسأل أنفسنا: هل شعوري بالعار مبرّر أم غير مبرّر؟

شعورنا بالعار: مبرّر أم غير مبرّر ؟

يأتي الشعور بالعار من ظروف خارجية مثل التواجد في حالة أو ظرف ليس خاطئًا بحد ذاته، لكنه يعتبر معيبًا بنظر المجتمع (مرض نازفة الدم) أو قد يأتي ذلك الشعور نتيجة ارتكاب المرء خطأ ما (داود أو المرأة السامرية). أو من الممكن للمرء أن يشعر بالعار لأخطاء ارتكبها شخص آخر من دائرة حياته (عالي الكاهن الذي لحق العار به نتيجة ما اقترف أولاده من خطايا).

إذا أردنا محاربة العار علينا أوّلًا أن نجيب على السؤال: كيف يرتبط موضوع العار بالله؟ شعورنا بالعار يكون في مكانه عندما نخجل إذا أخطأنا إلى الله بسلوكنا أو مواقفنا، بغض النظر عن مدى "صوابها" بنظر المجتمع. شعورنا بالعار يكون في غير مكانه عندما نخجل من أمور أو ظروف معيبة، لكنها لا تهين الله أو ليس لنا ضلع فيها، بغض النظر عن اعتبارها "وصمة عار" بنظر المجتمع. فمثلاً شعور داود بالعار مبرّر لأنه أهان الله وشعوره هذا في مكانه لأنه قاده للتوبة، بعكس المرأة النازفة التي كان شعورها بالعار غير مبرّر لأنّ مرضها ليس عارًا ولا ذنب لها فيه، فهو كان في غير مكانه.

بغض النظر عن مصدر عارنا، فإن أملنا الوحيد هو أن يتم فداؤنا من العار، كيف؟

كيف يتم فداؤنا من العار واسترجاع شرفنا؟

إن موت المسيح وقيامته هو العلاج الوحيد لكسر قوة العار الذي نشعر به بسبب إخفاقاتنا. لقد افتدانا المسيح ونقلنا من العبودية إلى التبني ومن العار إلى الشرف. بالغفران يدين الله الخطأ ويحرّر الخاطئ من عبء الخطيئة والعار. والله لا يحرّرنا فحسب إنما أيضًا يفصل عارنا وخطيتنا عنا. وعندما يحدث ذلك، فإن جميع وعوده تصبح لنا إذا صدقناها. والنعمة التي تنبثق من هذه الوعود من خلال الإيمان كافية لجميع ضعفاتنا وإخفاقاتنا المعيبة.

سواء كان سبب شعورنا بالعار في مكانة أو في غير مكانه، لا يوجد سوى مكان واحد للاختباء يقدم الحماية التي نسعى إليها: ملجأ يسوع المسيح. هذا ما حدث للمرأة السامرية التي أخذت قرارًا غيّر حياتها؛ آمنت بالمسيح، فخلّص حياتها من الخطيئة وأزال عارها وخجلها واسترجع شرفها لتصبح بذلك سبب بركة وتحوّل في بلدتها إذ جلبت بشرى مجيء المسيح. الملك داود، أيضًا، اعترف بخطيئته وتاب ووثق أن ذنبه وعاره، اللذين كانا عظيمَين، قد نُسبا إلى المسيح ودُفع ثمنهما بالكامل. والمرأة نازفة الدم، جعلها المسيح تخبر الحشد علنًا عن عارها (مرضها)، الذي شلّ حياتها وأرهقها جسديًا ونفسيًا وماديًا، وبذلك حصلت على الشفاء والتطهير الذي تحتاجه، واستعادت شرفها بإعلان المسيح: " إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ" (لوقا 8 :48). إن مصالحتهم مع الله، من خلال إيمانهم بفداء عارهم، قادت إلى مصالحتهم مع أنفسهم، من خلال رفضهم الاستمرار بالشعور بالعار. وثم "مصالحتهم" مع مجتمعهم، من خلال خروجهم من الانطواء والاختباء ليتحدّوا ويرفضوا النهج المجتمعي الظالم وليستعيدوا بذلك شرفهم المفقود بمساعدة المسيح.

لا يزيل المسيح عارنا فحسب، بل يسترجع شرفنا أيضًا. إذ قال: "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يوحنا 17 :22). ويضيف بطرس: "فَلَكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تُؤْمِنُونَ الْكَرَامَةُ" (1 بطرس 2: 7). يغير الإنجيل هوية جماعة المؤمنين؛ نحن الآن ننتمي إلى شعب الله. وهذا يغيّر إحساسنا ومفهومنا للشرف الشخصي، إذ أصبحنا نطلب المجد والشرف الإلهي. ويشرح المسيح الإيمان الحقيقي من حيث المجد (الشرف):" كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يوحنا 5: 44)،

لكن المشكلة تكون عندما أعلم أن المسيح فداني من عاري واسترجع كرامتي، ومع ذلك أشعر كأنّ :"عاري لم يذهب. أختبره كل يوم! لا يمكنني رفع رأسي، بل تستمر أصوات الخزي والعار تتردد في داخلي".

 كيف نحارب مشاعر العار المؤلمة؟

نحارب مشاعر العار بمحاربة عدم الايمان بوعود الله:

1) إذا كان سبب شعورنا بألم العار هو خطيئتنا (عار مبرّر): الألم موجود، ولكن لا يجب أن يبقى! ولربما بقاؤه ينبع من عدم إيماننا بوعود الله. فمثلاً، شعرت المرأة التى سكبت الطيب على قدمي المسيح بالخزي لأنها كانت خاطئة. كان هناك مكان للعار المبرّر، ولكن ليس لفترة طويلة بعد توبتها. فكيف ساعدها المسيح في محاربة آثار العار المعيبة؟ وعوده لها: "مغفورة لك خطاياك! إيمانك خلّصك. اذهبي بسلام" (لوقا 7: 48-50). هل صدّقت حُكم وإدانة الناس (المجتمع)؟ أم أنها صدقت كلمات المسيح المُطَمئنة بأنه أزال عارها؟ لقد اختارت أن تصدق المسيح الذي وعدها بأن خطاياها غُفرت وسيكون مستقبلها مستقبل أمل وسلام. لذا فالتحرير من العار هو مسألة إيمان بأن المسيح حقًا فصل عارنا عنا واسترجع كرامتنا. وهذه هي الطريقة التي بها نحارب آثار العار. نحارب ضعف/عدم الإيمان عن طريق التمسك بوعود المسيح لنا.

2) في حالات أخرى يكون سبب شعورنا بألم العار هو التواجد في ظرف معيب لا يهين الله، أو ظرف يهين الله لكنّنا لسنا بمذنبين (عار غير مبرّر): فمثلاً دُعي بولس بالمجنون عندما دافع عن نفسه في المحكمة. واتهم بأنّه عدوّ للتقاليد اليهودية ومتعدٍّ على الشريعة، واتهم زورًا أنه يعلّم أن نخطئ لتزداد النعمة (رومية 3:8)! كيف حارب بولس وصمة العار غير المبرّرة؟ من خلال الإيمان بوعود الله. وبعبارة أخرى، على الرغم من إدانة ونقد المجتمع الظالم، وعلى الرغم من كل الألم والحرب الروحية التي تجلبها، فإن الوعد لنا أنه سيتم تبرئة جميع أبناء الله، ولن يخجل أي شخص يعلّق آماله على وعود الله، وكل من يؤمن به لا يخزى (رومية 9 :33).

ما هو دور الكنيسة في إزالة العار؟

الكنيسة هي ضمير المجتمع والمسؤولة عن نشر القيَم المسيحية تعليميًّا وفعليًّا في مواجهة النماذج الاجتماعية التي تبرر وصمات العار في مجتمعنا:

1) التعليم: تعليم عن محبه الله وغفرانه وفدائه، وتبنّي مثال المسيح للتعامل مع العار. توضيح القيم المسيحية وتفاعلها وتصحيحها للقيم الاجتماعية السائدة، فتضع التواضع مثلًا كنظير إيجابيّ يقف أمام سلبيّة نظرة المجتمع للعار. وفي حين أن العار هو غياب الشرف بنظر المجتمع، في المسيحية يتدفق التواضع من قلب مليء بالكرامة الإلهية. وينطوي التواضع على تعمّد تحمّل عار غير مستَحَقّ من أجل غرض صالح، أو التخلي طوعًا عن شرف المرء من أجل خير الآخرين، تمامًا كما فعل المسيح في تجسّده وحياته وصلبه.

2) الإحتواء- إن علاج العار لا يمكن العثور عليه في الفرد إنما هو بالاندماج في مجتمع بمعايير جديدة ومختلفة لمفهوم العار والكرامة والشرف والطهارة. مجتمع لا يتم فيه استبعاد الضعيف بل احتواءه؛ مجتمع يتم فيه رفض كل أنواع التفاخر والكبرياء؛ حيث تحول عار الصليب إلى شرف ومجد. للكنيسة تأثير قويّ في حياة الأفراد، خاصة في علاج العار، من خلال احتضانهم واستعادة ما فُقد، وفي مساعدتهم، نفسيًا وروحيًا، على الانتقال من الماضي المؤلم إلى مستقبل مفعم بالأمل والسلام، والتغلب على التحديات المستقبلية. وبالاضافة إلى العمل على رفع مستوى الوعي في المجتمع من خلال القادة الروحيين الذين بمقدورهم التأثير على أفراد المجتمع، بإمكانهم أيضًا إدانة كل نهج مجتمعي يتناقض مع تعاليم المسيح مثل التنمر وانتهاك الخصوصيات. في حين أن العار يؤدي إلى الخوف ولوم الذات والآخرين، والانفصال. ينمو التعاطف من خلال الشجاعة والمحبة والرحمة والاتصال (احتواء)، وهو أقوى ترياق للعار. وهذا يجب أن يكون موقف الكنيسة وعملها.

 

د. رلى خوري منصور هي مديرة دراسات السلام في كلية الناصرة الإنجيلية