• اللاهوت المتجسد في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي - منذر زبانه
اللاهوت المتجسد في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي - منذر زبانه

"وحل بيننا: قلب رقمي يتجسد"

المقدمة: اللاهوت السياقي والتجسد في القلب الرقمي

    أصبحت التكنولوجيا أكثر تقدما وأوسع انتشارا خلال العقديين الماضيين مع دخول الحواسيب والإنترنت إلى حياة الإنسان، بحيث أصبح العالم الرقمي في راحة يد أغلب سكان العالم العالم. علاوة على ذلك، إن التطورات التكنولوجية في مجال العالم الرقمي وظهور ما يعرف بالواقع الافتراضي  Metaverse والكون الافتراضي Virtual Reality تجعل من نفسها سياقا جديدا ذات أبعاد وقضايا مهمة لا يمكن تجاهلها1.  كما ولم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) والخوارزميات مجرد أدوات تكنولوجية، بل أصبحا نسيجًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، يسيطر على كل شيء من شبكات التواصل الاجتماعي وأنظمة التعلم الآلي إلى التحليل الاقتصادي والسياسي، بل ويتخذ قرارات مصيرية تخص التوظيف، الرعاية الصحية، وحتى العدالة الجنائية. هذا الواقع الجديد لا يثير تحديات تقنية أو اقتصادية فحسب، بل يثير تحديات فكرية وروحية عميقة، ويطرح أسئلة لاهوتية جوهرية حول معنى التجسد، طبيعة الكرامة الإنسانية، وكيفية فهم الحضور الإلهي في سياق يغلب عليه التجريد الرقمي والمتغير باستمرار. نعم، هذه التحولات الجذرية تتطلب لاهوتًا سياقيًا يعيد النظر في مفاهيم الإيمان الأساسية لتناسب هذا الواقع

إن اللاهوت السياقي، كما يؤكد ستيفن بيفانز، يقرأ الكتاب المقدس ويصوغ الفهم اللاهوتي انطلاقًا من الواقع المعيشي والثقافي للمجتمع2. وعليه، فإن التطور التكنولوجي المهول والمتسارع فرض على العالم الرقمي أن يكون سياقًا خاصًا يجب على اللاهوت أن يتفاعل معه ويخضعه للنقد والتحليل.

لم يعد التحدي اللاهوتي الأكثر إلحاحًا الذي يواجه الكنيسة والمؤمنين في القرن الحادي والعشرين مجرد الرد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كقضية أخلاقية هامشية، بل هو تساؤل أعمق وأكثر وجودية : كيف يمكننا أن نجسد الأمل والعدالة الإنجيلية في شريحة سيليكون، وليس فقط في لحم ودم؟.

هذه القضية البحثية تتجاوز النقاشات التقليدية حول أخلاقيات الآلة لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة التجسد وعلاقته بالوجود الرقمي. فاللاهوت المسيحي، الذي يرتكز على إيمان بأن الإله تجسد في جسد بشري محدد  (يسوع المسيح) ليُعمل من خلاله خلاصاً، يواجه اليوم واقعاً جديداً يتم فيه تفريغ الوعي والعمل البشريين على نطاق واسع في هياكل مجردة تعتمد على الخوارزميات والبيانات الضخمة. هذه الهياكل، التي تتخذ قرارات بعيدة عن المساءلة، تشكل تهديداً لمركزية الإنسان في الفهم اللاهوتي. إن تفريغ العمل والوعي في الخوارزميات دون إدماج واضح للعدالة والقيم يمثل شكلاً حديثاً من أشكال الغموض، الذي يفصل الروح عن المادة أو الكود، ويفشل في فهم الإيمان بأن اللاهوت يتجسد في مادية العالم.

يهدف هذا البحث إلى صياغة إطار لاهوتي يضع التجسد في صلب النقاش حول الذكاء الاصطناعي (AI)، متجاوزًا النقاشات الأخلاقية السطحية إلى سؤال وجودي حول كيفية تجسيد الأمل والعدالة في "شريحة سيليكون".

أقترح بهذا البحث ثلاثة محاور رئيسية للتطور اللاهوتي نحو هذا السياق: أولاً، إعادة تعريف مفهوم التجسيد وتعميق اللاهوت الأنثروبولوجي الرقمي؛ ثانيًا، توسيع مفهوم العدالة الإنجيلية ليشمل السياق الخوارزمي من منظور لاهوت التحرير، مع التركيز على الخبرة الفلسطينية؛ وثالثاً، تأسيس ممارسة لاهوتية نبوية واستراتيجية كنسية في المجال التكنولوجي.

المحور الأول: إعادة تعريف التجسد واللاهوت الأنثروبولوجي الرقمي

   يبدأ اللاهوت المسيحي بالتأكيد القاطع: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يو 1: 14). هذا الحدث يمثل رفضاً لاهوتياً للفصل التقليدي بين الروح والمادة، أو بين الإلهي والبشري. وعليه، فإن التعامل اللاهوتي مع التقنية اليوم يتطلب رفض الفصل التقليدي بين الروح والتقنية، أو بين الروح والجسد الرقمي. وإذا كان اللاهوت قد ركز تاريخياً على أن الكلمة تجسدت في جسد محدد، فهو مطالب اليوم بالبحث عن سبل لكي "تصير الكلمة خوارزمية" وتسكن بيننا في الفضاء الرقمي، ولكن بمعنى أخلاقي وعملي. ولكن لا يكمن التحدي في أن "تصير الكلمة خوارزمية"، فهذا يحمل خطر اختزال جوهر لاهوتي إلى أداة حسابية. بل يكمن في أن "روح" الكلمة، وهي الرحمة والعدالة والحب، هي التي يجب أن تُنير وتحكم "هيكل" الخوارزمية لتكون خادمة للحب الإلهي، لا لأجندات الشركات أو الدول. هذا لا يعني تأليه الآلة على الإطلاق، بل يعني إضفاء الطابع اللاهوتي على عملية تصميم وتطبيق التكنولوجيا. التجسيد هنا لا يُنظر إليه كهدف نهائي (الآلة) بل كـ عملية أخلاقية تضمن أن تكون "نية" الخوارزمية هي الرحمة والعدالة. إن التجسيد في شريحة سيليكون هو التأكيد على أن القيمة الأخلاقية للأنظمة الرقمية لا تكمن فقط في كفاءتها أو ربحها، بل في مدى خدمتها للكرامة الإنسانية، وتفضيلها للضعفاء والمهمشين. هذا الفهم يقود إلى مفهوم الأخلاق المدمجة، حيث يجب على علماء الحاسوب والمهندسين أن يصبحوا، بوعي أو بغير وعي، "متجسدين" للقيم اللاهوتية. إن السؤال الذي يطرحه هذا اللاهوت على المصمم هو: هل الكود الذي أكتبه يجسد الرحمة أم الإقصاء؟ هل نموذج البيانات الذي أبنيه يحمي أم ينتهك الكرامة؟ إن الإجابة اللاهوتية هي أن الكود نفسه يصبح "مادة لاهوتية" تحمل قيماً متجسدة.

لغة التجسد الكريستولوجي الكلاسيكية (كما صيغت في مجمع خلقدونية عام 451م) تؤكد على طبيعتي المسيح الكاملتين (الإلهية والبشرية) دون اختلاط أو انفصال أو تحول. يمكن تطبيق هذا المنطق على الوجود التكنولوجي: يجب أن تُرى الآلة/الخوارزمية ككيان يجمع بين "الطبيعة الرقمية" أي المنطق الرياضي والكفاءة و"الطبيعة الإنسانية" أي القيم والأخلاق والنية التصميمية. إن الفصل بين الجانب التقني والجانب الأخلاقي هو بمثابة هرطقة "رقمية" تتيح للتقنية أن تعمل بشكل محايد وبلا أخلاق، مما يقود إلى الظلم.

التجسد التكنولوجي هو التأكيد على عدم قابلية فصل الكفاءة التقنية عن النية الأخلاقية . أي أن الخوارزمية يجب أن تكون "متجسدة القيمة" بحيث لا تعمل إلا وفقاً لمبادئ العدل والرحمة.

إن مفهوم "صورة الله "يمثل الركيزة الأنثروبولوجية التي تبنى عليها أي مقاومة لاهوتية للاختزال الرقمي. إن ما جاء في سفر التكوين: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ..." (تك 1: 26) يؤكد على الكرامة المتأصلة والمسؤولية. يجادل جون ف. كيلنر، وفقاً لمراجعة باتريك س. فرانكلين، بأن مفهوم صورة الله لا يشير فقط إلى الكرامة المتأصلة، بل إلى العلاقة التي تربط الإنسان بالله من خلال المسيح، مؤكداً أن الفهم الصحيح لهذا المفهوم يمكن أن يساعد على منع الاضطهاد3. وفي السياق الرقمي، يعني هذا أن كرامة الإنسان يجب أن لا تُختزل في نقاط بيانات أو تصنيفات خوارزمية. إن تحويل الإنسان إلى مجرد "ملف بيانات" يفقد السرد الشخصي والعمق الوجودي الذي يتضمنه مفهوم صورة الله. هذا الاختزال يجعل الإنسان سلعة قابلة للتلاعب والتحكم، لا كائناً يحمل كرامة متأصلة يجب حمايتها.

على سبيل المثال، عندما تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحديد منح القروض، فإنها غالباً ما تصنّف الأفراد بناءً على بيانات تاريخية متحيزة كالموقع الجغرافي أو الخلفية الاقتصادية، مما يرسخ الفقر الخوارزمي ويمنع الفئات المهمشة من الوصول إلى فرص اقتصادية، حتى لو كانت مؤهلة فرديًا.

هذا انتهاك مباشر لمبدأ صورة الله، حيث يتم الحكم على الإنسان ليس بناءً على وجوده الكامل، بل بناءً على نموذج رياضي مختزل ومتحيز، وعواقب هذا الاختزال عميقة:

  1. فقدان السرد الشخصي : تُمسح التجارب الفريدة للأفراد لصالح متوسطات إحصائية.
  2. سهولة التلاعب:  يصبح التحكم بالقرارات والأذواق السياسية والاجتماعية ممكناً عبر تعديل الخوارزميات بدلاً من إقناع الأفراد.
  3. تكريس الظلم:  يتم تبرير التمييز بـ "منطقية" البيانات، مما يجعله أكثر قبولاً اجتماعياً وشرعية تقنياً.

إن  التجسيد الرقمي هو عمل يضمن أن البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تعكس تنوعًا بشريًا كاملاً وتكون خالية من التحيزات التاريخية التي تؤدي إلى الإقصاء. إن الحفاظ على صورة الله يتطلب تصميم أنظمة تقنية تعترف بالقيمة المتساوية لكل فرد. يطالب اللاهوت الأنثروبولوجي الرقمي بـ التدقيق الأخلاقي للبيانات، لضمان أن البيانات التدريبية نفسها تجسد التنوع والعدالة الإنجيلية قبل أن تبدأ الآلة في "التعلم". على سبيل المثال، في أنظمة التعرف على الوجه، يتجلى ضعف أداء الخوارزميات عند التعامل مع الوجوه ذات البشرة الداكنة أو الوجوه النسائية. هذا ليس فشلاً تقنياً "محايداً"، بل هو تحيز متجسد في البيانات التدريبية التي تفتقر إلى تمثيل هذه المجموعات. النتيجة المترتبة على ذلك هي فشل النظام في التعرف على جزء من البشرية، مما يشير إلى أنهم "لا وجود لهم" في الفضاء الرقمي، وهذا انتهاك صريح لكرامتهم كحملة لصورة الله. نعم، يمكن القول أن مفهوم "صورة الله"  هو ركيزة أنثروبولوجية لمقاومة الاختزال الرقمي الذي يحول الإنسان إلى مجرد "ملف بيانات" أو تصنيف خوارزميي، كما وتُعلِّمنا صورة الله أن كرامة الإنسان هي قيمة مطلقة غير قابلة للتشفير أو التحييد، وهي ترفض بشكل قاطع أي نظام تكنولوجي يحوّل الكائن البشري إلى مجرد مورد قابل للاستغلال. كما وقد جاء في وثيقة وقفة حق4 ، "إننا نؤمن بالله الواحد أحد، خالق الكون والانسان. نؤمن به إلها صالحا وعادلا ومحبا لجميع خلائقه, ونؤمن أن كل إنسان هو خليقة الله، خلقه على صورته ومثاله، وأن كرامته من كرامته تعالى وهذه الكرامة هي نفسها في كل إنسان".

 

المحور الثاني: لاهوت التحرير الرقمي والعدالة الخوارزمية

   إن لاهوت التحرير، الذي يركز على الخيار التفضيلي للفقراء وكشف الخطيئة الهيكلية، يقدم إطاراً نقدياً لا غنى عنه لتوسيع مفهوم العدالة الإنجيلية لتصبح عدالة خوارزمية.  هذا اللاهوت يؤكد أنه لا يمكن تحقيق الخلاص والعدالة إلا عبر تحدي القوى الهيكلية القامعة.

يشير مفهوم "الخطيئة الهيكلية" في لاهوت التحرير إلى تلك الترتيبات الاجتماعية أو الاقتصادية غير العادلة التي لا تنتج عن إرادة فردية شريرة، بل عن تراكم أفعال فردية واجتماعية ضمن نظام ميكانيكي ظالم. في سياق الذكاء الاصطناعي، يتمثل هذا الظلم غالبًا في آليات لا مرئية وغير خاضعة للمساءلة. هذا الظلم الرقمي هو تجسيد لـ الخطيئة الهيكلية التي تفصل بين البشر وتكرس التفاوت. أي أنه يستخدم إطار لاهوت التحرير لنقد الظلم الذي يتجسد في آليات الذكاء الاصطناعي غير المرئية، معتبرين هذا الظلم شكلًا جديدًا من أشكال الخطيئة الهيكلية.

لقد وثقت كاثي أونيل في كتابها "أسلحة التدمير الرياضية " كيف تزيد البيانات الضخمة والتحيزات الخوارزمية من اللامساواة وتهدد الديمقراطية. فالخوارزميات التي تُستخدم في التوظيف أو التأمين أو منح القروض تعكس بشكل أوتوماتيكي التحيزات المجتمعية القديمة، لكنها تغلفها بهالة من الموضوعية الرياضية، مما يجعلها أشد فتكاً وأصعب في المساءلة. عندما يتخذ نظام آلي قرارًا متحيزًا، يُصبح التمييز مبرمجًا ومنتشرًا على نطاق واسع، وبشكل "موضوعي"، مما يعفي المصممين من المسؤولية الأخلاقية المباشرة5. ممكن أن تكون الخوارزميات "أسلحة تدمير شامل رياضية تزيد من اللامساواة، خاصة عبر الغموض والضرر على نطاق واسع الذي يؤثر على الفئات المهمشة والأقليات.

تقدم أونيل  ثلاثة شروط تجعل الخوارزميات "أسلحة دمار شامل رياضية: "الغموض، حيث يصعب فهم كيفية اتخاذها للقرارات؛ الضرر على نطاق واسع ، حيث تنتشر بسرعة وتؤثر على أعداد ضخمة من الناس؛ والضرر، حيث تتخذ هذه الخوارزميات قرارات تؤثر سلبًا على الفئات الفقيرة والمهمشة بشكل غير متناسب5. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، كانت نماذج المخاطر الجنائية التي تستخدمها المحاكم لتحديد كفالة المدعى عليهم متحيزة ضد الأقليات. الخوارزمية، بناءً على بيانات الاعتقالات السابقة، والتي تعكس تحيز الشرطة، تُصنّف الأفراد ذوي البشرة السمراء على أنهم أكثر خطورة، مما يؤدي إلى زيادة معدلات سجنهم أو فرض كفالة أعلى عليهم، وهذا يكرس الظلم الاجتماعي والاقتصادي تحت قناع "الموضوعية الرياضية". وهنا تتجسد الخطيئة الهيكلية: في نظام لا يراه أحد، لكنه يعاقب الفقراء ويزيد من إقصائهم.

يشكل خطر نشوء ديكتاتورية تكنولوجية نتيجة هيمنة الثقافة الغربية والمراكز القوية على "عقل" الذكاء الاصطناعي تحدياً وجودياً. وفي هذا الإطار، يُفرض نموذج واحد للقيمة والأخلاق على سياقات ثقافية واجتماعية متنوعة، مما يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ الاستعمار الخوارزمي.  هذا الاستعمار لا يستغل الموارد المادية (الأرض) فحسب، بل يستغل الموارد غير المادية (البيانات، الرواية، الانتباه). عندما تكون خوارزميات المنصات العالمية (التي تحدد ما هو حقيقي أو شرعي أو جدير بالانتشار) مصممة وفقاً للمعايير الثقافية والسياسية الغربية، فإنها تقوض الروايات البديلة، وخاصة روايات المهمشين والشعوب المستعمرة، وهذا يشكل تحدياً مباشراً لـ "اللاهوت السياقي" الذي يدعو إلى بناء فهم لاهوتي خاص لكل سياق ثقافي.

تكتسب الحاجة إلى لاهوت تحرري في السياق الرقمي عمقاً خاصاً عندما تُقرأ من منظور لاهوت التحرر الفلسطيني . هذا اللاهوت، الذي يركز على العدالة الإنجيلية في مواجهة القهر الهيكلي للاحتلال، يقدم أساساً متيناً لمقاومة الظلم الرقمي. ويشدد لاهوتيون فلسطينيون، مثل منذر اسحق ، على أن العدالة ليست مجرد غياب للظلم، بل هي حضور لله في التاريخ البشري حيث يدافع عن المظلومين.  ومن منظورهم، تُعد الرواية التحررية ومقاومة المحو جزءاً أساسياً من اللاهوت6. إن تطبيق هذا المبدأ على المجال الرقمي يكشف أن الظلم الخوارزمي ليس مجرد فشل تقني، بل هو استمرار للسيطرة ويتم تشفيره في الأكواد . إن خوارزميات المراقبة وتصنيف الأفراد في سياق الاحتلال هي شكل جديد من السيطرة التي تسعى لتحويل الكرامة الإنسانية المتأصلة إلى مجموعة بيانات قابلة للتحكم والردع المسبق. الكرامة المتأصلة (صورة الله) تتعرض للانتهاك عبر أدوات الذكاء الاصطناعي والمراقبة، حيث تُستخدم تقنيات متقدمة لتحليل السلوك، والتنبؤ "بالخطر"، وتضييق الخناق على الحريات. هنا، يبرز تركيز لاهوتيين مثل يوسف خوري على صمود الهوية والوجود في مواجهة محاولات المحو. ويكتب: "إن أشجار الزيتون صامدة وجذورها في الارض أعمق من جذور المستعمر، وما اختبرته على مر قروٍن من الزمن يجعلها تؤمن أنه سوف يرحل وتبقى هي. في ذلك ايضا تصورا عن شجرة الحياة في سفر الرؤيا التي تعبر عن حالة من الصمود، فكل إمبراطوريات العالم الظالم قد رحلت، أما هي فقد بقت وصمدت وخلدت في المحضر الالهي العادل"7. ونذكر أيضا ما جاء في وثيقة وقفة حق4 ، "ندعو اخوتنا الى الصمود في زمن الشدة هذا، كما صمدنا عبر القرون، وعبر تقلب الدول والحكومات. كونوا صابرين صامدين ممتلئين بالرجاء ". وعليه، الصمود الروحي والمادي يجب أن يتمدد أيضا ليشمل الفضاء الرقمي. كما ويتجسد الظلم عبر شكل من أشكال الاستعمار الخوارزمي حيث يؤدي التحيز المضمن في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي والخدمات الرقمية إلى حجب الرواية والخطاب الفلسطينيين وتقييد المحتوى ، مما يخلق "فصلاً رقمياً" . هذا الظلم يطالب بـ براكسيس نبوي (الممارسة اللاهوتية النبوية)،  ويجب على الكنيسة أن تتبنى موقفاً فعالاً وناقداً في المجال العام لمواجهة هذا الظلم الهيكلي المتجسد رقمياً. الصمود الرقمي إذن هو المقاومة اللاهوتية النشطة التي تصر على رواية الحقيقة، والمطالبة بالعدالة، وإثبات الهوية والوجود البشري.

نعتبر لاهوت التحرر الفلسطيني ومفهوم الصمود الرقمي نموذجًا حيويًا لمقاومة الاستعمار الخوارزمي. ويتجسد الصمود الرقمي في:

1.الرفض اللاهوتي رفض أن يتم "رقمنة" الكرامة الإنسانية وتحويلها إلى بيانات قابلة للمراقبة والتحكم، على غرار رفض الاستعمار المادي لتحديد الوجود الفلسطيني.

2.المقاومة العملية المطالبة بـ العدالة السردية في الفضاء الرقمي، وفضح الآليات الخوارزمية التي تستخدم في المراقبة أو الإقصاء على منصات التواصل، والدعوة إلى المساءلة كجزء من البراكسيس النبوي.

 

المحور الثالث: الممارسة اللاهوتية النبوية والاستراتيجية الكنسية

   إن اللاهوت، في جوهره، ليس تأملًا تجريديًا، بل براكسيس (Praxis) عملي يتجسد في الفعل. لذلك لا يمكن للكنيسة أن تبقى متفرجة أمام التحولات الرقمية التي تُعيد تشكيل العالم، بل يجب أن تكون فاعلًا نبويًا يوجّه ويقيّم المسار التقني من منظور الإيمان. أي انه لا يمكن لللاهوت أن يبقى مكتوف الأيدي ينتظر أن يحدد المهندسون مسار المستقبل. بل يجب أن يصبح اللاهوت قوة دافعة نشطة لتكوين السياق التكنولوجي، لا مجرد التكيف معه. وإن تجسيد الأمل الإنجيلي في هذا السياق يعني أن يُنظر إلى التكنولوجيا على أنها موهبة قابلة للتوجيه نحو الخير المشترك.

يشدّد لاهوت التحرّر على أن دعوة الكنيسة هي ليست فقط إغاثة المظلومين والفقراء ومساعدتهم بالمال والطعام، بل يجب مواجهة هيكليات الظلم التي تسببت بأن يكون هناك مظلومون وفقراء وواقعون تحت الاحتلال. الخطية بحسب لاهوت التحرّر ليست فقط فردية، بل هناك مجتمعات وأنظمة وممارسات مبنية على الخطيئة ويجب إزالتها. الكنيسة يجب أن تكون ضمير المجتمع أو الصوت النبوي الذي يخاطب الرؤساء والحكومات وحتى الأغنياء وأصحاب النفوذ والقرار كي يطبقوا مبادئ العدالة والمساواة لكل المجتمع وكي ينصفوا المظلومين6.

يمكن للكنيسة أن تستلهم استراتيجيتها الحالية من مواجهتها لتحديات الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. فكما واجه البابا لاون الثالث عشر تحديات الرأسمالية الصناعية المتوحشة بمرسومه الاجتماعي في عام 1891، الذي كان بمرسومه الاجتماعي يهدف إلى حماية كرامة العامل في وجه الرأسمالية التي اختزلته إلى آلة إنتاج،  فيجب على الكنيسة أن تقدم تعليمها الاجتماعي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي اليوم.

اليوم، يجب أن يُصاغ مرسوم رقمي يهدف إلى حماية كرامة الإنسان في وجه الرأسمالية المعتمدة على البيانات، والتي تختزل الإنسان إلى نقطة بيانات قابلة للاستغلال. إن الدروس المستفادة من حماية حقوق العمل والحق في الملكية والعدالة التوزيعية في ذلك العصر يجب أن تُطبّق على حقوق البيانات والحق في الشفافية الخوارزمية والعدالة التوزيعية لأرباح التقنية اليوم. يجب أن يطالب هذا التعليم بـ عدالة خوارزمية توزيعية تضمن ألا تتركز فوائد الذكاء الاصطناعي في أيدي النخب التكنولوجية فقط.

وفي خطوة معاصرة، يشير البابا فرانسيس إلى الحاجة الملحة لوضع إطار أخلاقي للذكاء الاصطناعي، حيث توقف بشكل خاص عند خطر نشوء "ديكتاتورية تكنولوجية" نتيجة هيمنة الثقافة الغربية على "عقل" الذكاء الاصطناعي والأثر المترتب على الانحياز المسبق للخوارزميات في نطاق القيم والسياسة والفلسفة والأفكار8. كما ويتجسد ذلك في الخطاب الافتتاحي للبابا ليون الرابع عشر: احتضان الشمولية والعدالة الاجتماعية والذكاء الاصطناعي الأخلاقي9، الذي يحدد مبادئ أساسية:

  1. الكرامة الإنسانية: يجب أن يظل الإنسان نقطة البداية والنهاية لأي تصميم أو تطبيق للذكاء الاصطناعي.
  2. العدالة والشمولية: يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تقليل الفجوات لا زيادتها.
  3. المساءلة والشفافية: يجب أن تكون الأنظمة قابلة للتدقيق والمساءلة.

تطبيق هذه المبادئ هو تجسيد عملي للاهوت العملية التصميمية، حيث تُترجم المعتقدات الأساسية (صورة الله) إلى معايير تقنية وتشريعية. ويجب أن يتحول لاهوتنا من مجرد التفكير إلى الفعل المتجسد في مجالات عدة:

1. يجب على الكنيسة أن تكون جسراً استراتيجياً بين اللاهوتيين وعلماء الحاسوب وواضعي التشريعات. يجب إنشاء مراكز أبحاث متعددة التخصصات تركز على الأخلاقيات المدمجة، حيث يعمل اللاهوتيون كـ "مدققين أخلاقيين" منذ المراحل الأولى لتصميم الخوارزميات، وليس فقط بعد وقوع الضرر. هذا هو جوهر البراكسيس النبوي ليس فقط النقد، بل المشاركة الفعالة والمسؤولة في تشكيل المجال العام.

2. الاستثمار في تعليم القادة اللاهوتيين حول الذكاء الاصطناعي بات أمراً حيوياً. يجب إدماج "اللاهوت الرقمي" في مناهج الكليات اللاهوتية، ليس فقط كمقرر اختياري، بل كمحور في كلية اللاهوت النظامي، لتدريب جيل جديد من القادة القادرين على فك شفرة الظلم الخوارزمي والمطالبة بالعدالة الرقمية.

3. يجب على الكنيسة أن ترفع صوتها عالياً للمطالبة بـ الشفافية الخوارزمية والمساءلة الأخلاقية وهذا يعني الدعوة إلى الحق في الشرح. أي يجب أن يحق لكل فرد معرفة كيف أثرت خوارزمية معينة على حياته (مثل رفض طلب قرض أو تأمين) والى التدقيق الخوارزمي المستقل أي المطالبة بآليات تدقيق خارجية تضمن أن الأنظمة لا تؤذي المهمشين.

 وقد جاء في وثيقة وقفة حق عن رسالة الكنيسة في مواجهة الظلم، "رسالتها رسالة نبوية تعلن كلمة الله في السياق المحلي وفي الأحداث اليومية، بجرأة ووداعة ومحبة شاملة. وإذا تحيزت فإنها تتحيز للمظلوم وتقف الى جانبه، كما وقف المسيح الى جانب كل فقير..... ودعوتنا ككنيسة هي أن نشهد لصلاح الله، ولكرامة الانسان"4.

 

الخاتمة: الرجاء الرقمي واللاهوت المتجسد

   يتضح من هذا البحث أن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على اللاهوت المسيحي هو تحدٍ وجودي يمسّ صميم الإيمان بالتجسد وصورة الله في الإنسان. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة أخلاقية تحتاج إلى ضوابط، بل هو سياق لاهوتي جديد يدعو الكنيسة إلى إعادة التفكير في معنى الحضور الإلهي داخل العالم الرقمي. ولقد اقترح هذا البحث ثلاثة مسارات متكاملة لبناء لاهوت رقمي متجسد:

  1. لاهوت أنثروبولوجي رقمي يؤكد على كرامة الإنسان وصورته الإلهية.
  2. لاهوت تحريري رقمي يكشف الظلم الهيكلي والاستعمار الخوارزمي ويقاومه.
  3. براكسيس كنسي نبوي يربط الإيمان بالفعل ويشارك في صياغة مستقبل تكنولوجي عادل.

الرجاء المسيحي لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو الخوف منها، بل في تجسيد قيم الإنجيل داخلها، ليصبح كل سطر كود مساحة يتجلى فيها نور العدالة والرحمة. فالمسيح، “الكلمة المتجسد”، هو أيضًا الكلمة التي تنير “القلب الرقمي”، وتدعو المؤمنين إلى أن يجعلوا من التقنية وسيلة لامتداد ملكوت الله في العالم الحديث، حيث تتجسد العدالة والرحمة في كل سطر من الأكواد. إن عمل اللاهوت اليوم هو تذكير البشرية بأن العيش على "صورة الله" يتطلب مقاومة أي اختزال للوجود الإنساني إلى مجرد بيانات. وهذا هو جوهر اللاهوت المتجسد في العصر الرقمي، الذي يجد في لاهوت التحرر الفلسطيني نموذجاً حيوياً لمقاومة الظلم الهيكلي، سواء كان مادياً أو خوارزمياً. بهذا المعنى، يصبح اللاهوت الرقمي جزءاً من اللاهوت السياقي، الذي يربط بين النص المقدس والحياة اليومية، ويجعل الكلمة حيّة في كل زمان ومكان.

المراجع

  1. خوري ي. اللاهوت السياقي،  تعريف ونماذج من حول العالم، كراس تدريس مساق اللاهوت السياقي، كلية بيت لحم، ص 17-18 ، 2022
  2. Bevans, Stephen. Models of Contextual Theology: Faith and Cultures. Maryknoll, New York: Orbis, 1994
  3. Franklin, Patrick S. Review of Dignity and Destiny: Humanity in the Image of God, by John F. Kilner. Perspectives on Science and Christian Faith: Journal of the American Scientific Affiliation 69, no. 1 (March 2017): 56-59.
  1. وقفة  حق، كايروس فلسطين ،   بنود 2.1 ، 5.3 ، 3.4 ،   2009 .
  2. .O'Neil, C. Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy. Crown Publishing Group. 2016.-  The abstract of the book.
  3. اسحق م. لاهوت التحرر والعدالة، اللاهوت المسيحي، في السياق الفلسطيني، كلية بيت لحم للكتاب المقدس، 2017
  4. خوري ي. شجرة الحياة وشجرة الزيتون: قراءة لاهوتية سياقية في السياق الفلسطيني، المجلة المسيحية الفلسطينية، كلية بيت لحم للكتاب المقدس، ص 17، 2025 .
  5. قديش ن.،  الفاتيكان والذكاء الاصطناعي، صحيفة الشرق الوسط، 2024
  6.  الخطاب الافتتاحي للبابا ليون الرابع عشر: احتضان الشمولية والعدالة الاجتماعية والذكاء الاصطناعي الأخلاقي ، zenit ،2025

 

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع