بينما كنتُ أقوم بعملي في الإرشاد في أحد صفوف البساتين، في أيامٍ مثقلة بأخبار الحرب الوشيكة والتهديدات التي تملأ الشاشات والبيوت، وجدتُ نفسي أتأمل في الكيفية التي تتسرّب بها أجواء القلق إلى عالم الطفولة. نحن نعيش زمنًا يتسم بتوتر مستمر؛ الكبار يتابعون الأخبار، يتهامسون بالاحتمالات، ويتساءلون عمّا قد يحمله الليل أو الغد. أما الطفل، وإن لم يفهم التفاصيل السياسية أو العسكرية، فهو يلتقط النبرة، يقرأ تعابير الوجوه، ويشعر بارتباك يسري في الجو من حوله.
قد لا تُشرح له الأمور بوضوح، لكنه يختبر التوتر في تغيّر الروتين، وفي استعدادات غير مفهومة، وفي أسئلة معلّقة بلا إجابات حاسمة. يصبح عدم اليقين ذاته جزءًا من خبرته اليومية: هل سننام بهدوء؟ ماذا سيحدث الليلة؟
في ذلك الصباح، أعلنت المعلمة عن “تمرين صفّارة إنذار”. توقعتُ فضولًا عابرًا، لكن أحد الأطفال سأل:
“معلمة، وينتى ننفوت ع الملجأ؟”
لم يسأل عن الرسم أو اللعب أو الخروج إلى الساحة؛ كان سؤاله موجّهًا نحو الاحتماء. هذا السؤال يكشف تحوّلًا عميقًا في وعي الطفولة: الخيال الذي يُفترض أن ينشغل بالألوان واللعب، صار منشغلًا بالملاجئ والصواريخ.
بعد قليل، جاءت طفلة فخورة برسمتها: انفجار، صاروخ، وقلبٌ يدقّ بسرعة. وبحسب وصفها، كان هناك أيضًا صاروخٌ أصاب طفلًا في الملجأ “ونزل دم”، بينما كان والداه يختبئان. لم تكن تلك مجرد رسمة عابرة، بل نافذة على عالم داخلي يتشكل تحت ظل التهديد.
هذه المشاهد ليست تفاصيل يومية بسيطة، بل مؤشرات على تشكّل نفسٍ طفولية في سياق توتر مستمر. وتشير أبحاث علم نفس الصدمة إلى أن التعرّض المتكرر لحالات إنذار أو تهديد—even في إطار تدريبات—يُبقي الجهاز العصبي في حالة تأهّب دائم (Perry, 2006; Shokoff et al.,2016) الطفل لا يفرّق دائمًا بين تمرين وخطر حقيقي؛ الجسد يستجيب أولًا، والعقل يلحق لاحقًا.
من منظور علمي، تشير أبحاث علم الأعصاب النمائي إلى أن التعلّم لا يعتمد فقط على مستوى الذكاء، بل على ما يُعرف بـ “التزامن العصبي” Neural Synchronization))، أي التناغم المنظّم بين شبكات الدماغ المختلفة أثناء الإصغاء والانتباه وتنظيم الانفعال (Uhlhaas & Singer, 2010). في بيئة آمنة، تعمل هذه الشبكات بتناغم يسمح بالنمو المتوازن. أما في سياق التوتر المزمن، فإن الدماغ ينشغل برصد الخطر، فتنشط مناطق الإنذار، ويتراجع التنسيق مع المناطق المسؤولة عن التنظيم والتفكير المتأني McLaughlin et al., 2014)).
هذا الخلل لا يبقى محصورًا داخل الدماغ، بل ينعكس على حياة الطفل اليومية: صعوبة في الإصغاء داخل الصف، تشتّت في الانتباه، ضعف في تطوّر المهارات التنفيذية مثل التخطيط وضبط النفس، وتأثر في التحصيل الدراسي، إضافة إلى تقلبات عاطفية وسلوكية. وقد بيّنت دراسات واسعة أن التعرّض للضغط المزمن في الطفولة يرتبط مباشرة بضعف في الوظائف التنفيذية وتنظيم الانفعال، مما يؤثر في الأداء الأكاديمي والسلوكي (Blair & Raver, 2012; Shonkoff et al., 2016).
في السنوات المبكرة، حيث تتشكّل الشبكات العصبية في مرحلة حساسة، يحتاج الدماغ إلى بيئة مستقرة ليبني هذا التناغم الداخلي. وعندما يسود التهديد، يتقدّم الأمان على التعلّم في سلم الأولويات العصبية.
وهنا يعود السؤال: في ظلّ الصفّارة… أين نُسكن قلوب أطفالنا؟
إذا كان الدماغ يعيد ترتيب أولوياته ليحتمي، فهل نساعد نحن على إعادة ترتيب الداخل؟ الطفل الذي يتعلّم أن يركض نحو الملجأ يحتاج أيضًا أن يتعلّم أن هناك ملجأ آخر غير مرئي، ملجأ في علاقة ثابتة، وصوت هادئ، وحضور لا يرتجف. الطفل يستعير هدوءنا قبل أن يبني هدوءه، ويستعير طمأنينتنا قبل أن تتكوّن طمأنينته الداخلية. حين نهدأ، يهدأ. وحين نتيح له أن يعبّر عن خوفه دون تقليل أو توبيخ، نعيد إلى داخله شيئًا من الاتزان الذي بعثره القلق.
لكن الإيمان يذهب أبعد من التنظيم النفسي. الكتاب المقدس لا ينكر واقع الخطر، بل يعلن حضور الله فيه. “الرَّبُّ حِصْنِي وَمَلْجَإِي، إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ” (مزمور 91: 2). ما أعمق أن يسمع الطفل عن الملجأ الأرضي، ويتعلّم في الوقت نفسه أن له ملجأ لا تهزّه الصواريخ. ليس المقصود الهروب من الواقع، بل تأسيس مرجعية أعمق منه.
“وَسَلَامُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (فيلبي 4: 7). السلام هنا ليس فكرة شاعرية، بل حضور يحفظ الداخل من التبعثر. إذا كان التوتر يشتّت، فإن السلام يجمع. وإذا كان الخوف يفعّل إنذارًا دائمًا، فإن الطمأنينة تعيد التوازن.
نحن لا نستطيع أن نتحكم دائمًا بما قد يحمله الغد، لكننا نستطيع أن نصنع في بيوتنا وصفوفنا مساحات أمان حقيقية: روتينًا ثابتًا، لغة مطمئنة، إصغاءً صادقًا، وصلاة بسيطة قبل النوم. يسوع قال: “لَا تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ” (مرقس 5: 36). لم يعد بعالم بلا عواصف، بل بحضور وسط العاصفة.
مؤلم أن يعرف طفل صوت الصفّارة قبل صوت الفراشات، وأن يرسم قلبًا يرتجف قبل أن يرسم شمسًا مشرقة. ومع ذلك، فالقصة لا تنتهي عند صوت الإنذار. نحن لا نختار الظروف التي يولد فيها أطفالنا، لكننا نختار المناخ الذي ينشأون فيه. يمكنهم أن يتعلّموا الاحتماء بالجدران حين يلزم الأمر، لكنهم قادرون أيضًا أن يتعلّموا الاتكاء على ملجأ أعمق.
الملجأ الحقيقي ليس فقط مساحة تحت الأرض، بل مساحة في القلب، حيث يسكن حضور الله، وحيث يرى الطفل في أعيننا انعكاس الطمأنينة لا انعكاس الهلع. وعندما يكبر هؤلاء الأطفال، قد لا ينسون صوت الصفّارة، لكنه لن يكون الصوت الوحيد في ذاكرتهم. سيبقى أيضًا صوت الهدوء الذي احتواهم، واليد التي أمسكت بأيديهم، والسلام الذي تعلّموا أنه أقوى من الخوف. في ظلّ الصفّارة قد تهتزّ الأرض، لكن إن تعلّم القلب أن يتّكئ على الله، فلن يكون للخوف الكلمة الأخيرة، بل للرجاء الذي ينمو بصمت، ويصمد.
قائمة المصادر
Blair, C., & Raver, C. C. (2012). Child development in the context of adversity: experiential canalization of brain and behavior. American psychologist, 67(4), 309.
McLaughlin, K. A., Sheridan, M. A., & Lambert, H. K. (2014). Childhood adversity and neural development: Deprivation and threat as distinct dimensions of early experience. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 47, 578-591.
Perry, B. A. (2006). Applying principles of neurodevelopment to clinical work with traumatized and maltreated children: The neurosequential model of therapeutics. Working with traumatized youth in child welfare, 27-52.
Shonkoff, J. P., Duncan, G. J., & Fischer, P. A. (2016). Center on the Developing Child at Harvard University. From Best Practices to Breakthrough Impacts: A Science-Based Approach to Building a More Promising Future for Young Children and Families.
Uhlhaas, P. J., & Singer, W. (2010). Abnormal neural oscillations and synchrony in schizophrenia. Nature reviews neuroscience, 11(2), 100-113.


RSS