• مائدة قمار مقلوبة بقلم: منال عبدالله خوري
مائدة قمار مقلوبة بقلم: منال عبدالله خوري
ساعاتٌ قليلة... وعامٌ سيمضي... عام سيغادرنا ملتحفًا رائحة الموت النتنة، مُخلف وراءه آثار مغروزة وثقيلة في ذاكرة كل منا، سنحملها معنا كوشم بشع مرسوم في نفوسنا. عامٌ احتفلنا بمجيئه وتألقنا بأجمل لباس وأفخم طعام، ضحكنا ورقصنا له، أكلنا وشربنا ورفعنا كأسه... واغرورقت سماؤنا بألوان لا متناهية من المفرقعات المتلألئة لأجله... عامٌ استقبلناه بعيون يملأها الرجاء والتفاؤل والحماسة، متلهفين ومتشوقين لعتيدٍ مبهم. جلسنا حول مائدة خضراء للعبة قمار الحياة، فخبأنا في بطاقاتنا مراهنات لأحلامنا وتصوراتنا ومُخطَّطاتنا، ووضعنا في وسطها كل رصيد آمالنا بثقة وتأهب واتكال... وثقنا به... حسبناه هدية العيد لنا، أنيقة في غلافها، مميزة في بهجتها ومثيرة في غموضها.. وعندما سحبنا أطراف الشريط الملفوف حولها بأناقة، إذ بروائح مزعجة بدأت تنبعث من تحت غطائها... وأخذت تتسرّب بخباثة، بلؤم، ويسترسل عبقها بتمايس وببطء ليتسلق ويتعربش جدران حياتنا من كل زاوية..  
 
  مرَّ عامٌ... ليس كأي عامٍ... عامٌ جرف في تياره المخيف الكثير والكثير مما زرعناه واستثمرنا فيه لسنوات طوال... أخذ منا علاقات، وأشخاص، وذكريات، وأماكن... عامٌ كشّرَ عن أنيابه لُحيظة ولادته، لينقضّ بشراسة على كل شيء أمامه.. فلم يسعنا سوى ان نتهافت كالمجانين هنا وهناك باحثين عن مأوًى نختبئ في ثناياه، علّ هذا اللؤم يعبر عنا...بسلام! ركضنا في كل اتّجاه، غير آبهين لانسانيتنا، ولا لموازين مبادئنا.. دسنا كل أخضر ويابس غير مكترثين لشيء سوى أن ننجو بنفسنا وحدنا دون سوانا!! 

ومع ذلك... فهذا العام قد أهدانا واقع وحقيقة ربما نخجل من الاعتراف بها، لأنها تُعرِّينا وتُجرِّدنا من كل قداسة غطّتنا وكستنا بها محبة الله ورحمته... كشف هذا العام حقيقة أننا اخترنا أن نتجرّد من كل خير ألبسنا إياه الله، لنكشف شرورنا وخبثنا ولؤمنا وغرائزنا المتشبعة بسفك الدماء والأنانية!
 
واليوم... وهذا العام يوشك مغادرتنا... يقف عند عتبة الوداع.. يرمقنا بنظرات قاسية وساخرة كطاغية يلتف بستار
اسود، يخطو خارجًا وظهره لنا وهو يقهقه، حاملاً تحت ستاره كل احلامنا والكثير الكثير من الأحباب ... ولم يترك لنا سوى الأطلال، وطبيعتنا السادية الشريرة..  تركنا نقبع في كومة من الخراب والحرائق والدخان والسواد.. بنفوس منحنية تتوجع وتبكي وتلعق جروحها... 
 
ساعات قليلة بعد.. وسيختفي.. بغير رجعة.. لنعاود التّمني... ونزاول هواية المقامرة من جديد... لأننا لا نعرف طريقة أخرى!!
 
وسنتمنى ونحن مقهورون في سرنا بألا يعاد علينا عام مثله.. متمسكين ببطاقة الحظ!!
يقول المثل: من تقرصه الأفعى مرة واحدة، ستفزعه رؤية خرطوم مياه في كل مرّة!
ومن لا يتعلَّم من جروحه ووجعه، يستحق أن يفنى على غير رجعة!
هذه الليلة سنحتفل... نعم...
 
سنحتفل بشراسة، سنحتفل بنهم، سنحتفل منتقمين لكل روح خطفها ذاك الوحش... سنحتفل بوجع.. وسنضيئ الشموع، ونغني، ونرقص من فرط الألم.. دون موسيقى ودون صوت ماجدة الرومي متمنية لنا: "ينعاد عليكن..." 
نعم سنحتفل لنودع عام مضى... وسنختار بألاّ يُعاد علينا مثله.. 
 
نحن سنختار...
 
سنختار هذه المرة أن نقلب مائدة القمار من أمامنا ونتوجّه نحوه هو... رب الكون وخالقنا... وسنحني قلوبنا بتواضع وانكسار عند قدميه هو وحده ولا أحد سواه، رافعين عيون الرجاء من جديد نحو السماء، وقد فهمنا بحق بعد هذه المعركة الدامية بأنه ليس لنا رجاء سوى برب السماء... فهو وحده كلي القدرة.. اذ أدركنا على جلدنا انه ليس بقدرتنا، ولا بجبروتنا نقدر أن نكون.. فنحن مجرد بخار يظهر قليلا ثم يضمحل.. نحن لا شيء دونه.. فرجاء عيوننا هو..
 
سوف نرقص الليلة ونحتفل تحت ظله، سنرقص داخل خيمته.. واثقين ومتكلين انه هو يحامي عنا، وبأننا معه وبه وله اينما أخذنا وحملنا العام المقبل... فهو العيد وهو الهدية  وليس سواه... فليكن اسمه مبارك فينا وليضيء نوره من خلالنا أينما كنا وكيفما سرنا! 
 
وهنا أتجرأ بنعمته وأقول: كل عام ونحن تحت ظل جناحيه بألف خير!