• لماذا أحبُّ رمضان؟ القس الدكتور حنا كتناشو
لماذا أحبُّ رمضان؟ القس الدكتور حنا كتناشو

أنا قسٌ مسيحيٌّ فلسطينيٌ ومواطن في إسرائيل. أنا مقتنعٌ كلّ الاقتناع بإيماني المسيحي وافتخر بهويتي وتاريخي وكنيستي. أعيشُ وسط جيرانٍ يؤمنون بالإسلام ديناً. وأشكرُ الله من أجل كلّ إنسانٍ في بلدي الحبيب، كلُّ شخصٍ مهما كان دينُه هو أخي واختي وموضوع مودتي الصَّادقة وحبي. هذا هو الطريقُ الَّذي تعلمتُهُ من السَّيد المسيح. وبهدف نشر السَّلام المجتمعي وإرسال تحية محبة أكتبُ هذا المقال القصير. وأكتبُه لأشجع المسيحيين على تكوين توجهٍ مليءٍ بالحب والحقِّ والنّعمة والسَّلام كما علَّمنا سيدنا يسوع المسيح. ويتحدَّث المقال عن حبي لرمضان.

أحبُّ رمضان لعدة أسباب. أولاً، أحبَّ رمضان بسبب الرُّكب السَّاجدة التي تتوجه لله طالبةً الرحمة والهداية. وأومن من كلّ قلبي أن الله رحيمٌ عليمٌ قادرٌ على كلِّ شيء وكليّ الحكمة. هو سامعُ الصَّلاةِ والدُّعاء وهادي البشر جميعاً. من يتوجه لله بقلبٍ صادق سينال بركةً منه. ولقد زاد فرحي عندما بدأ عددٌ من المسيحيين في تكريس الصَّلوات من أجل جيراننا المسلمين. يصلون أن يباركَهم اللهُ ويُقرّبهم إليه كما هو يشاء. وهكذا صار رمضانُ وسيلةً لإحياء الصلاة من أجل القريب والجار ومن أجل طلب مشيئة الله وبركته على شعوب بلادنا.

ثانياً، أحبُّ رمضانَ بسبب كلّ إنسانٍ مُسلمٍ يلتزم بأخلاقيات الصّدق والاستقامة والعفّة في مجتمعٍ فقد أخلاقه. فعندما يقرر آلاف البشر وملايينهم أن يُعيدوا العهد مع التكلم بصدق والامتناع عن الزنى والالتزام بالأخلاق الحميدة فهذا أمرٌ يُفرّحُ كلَّ إنسان. وربما أضيف أن هذا التوجه هدية من السَّماء للبشر جميعاً لردع انتشار الشّر الأخلاقي والمجتمعي ونشر الأخلاق الحميدة. فلا عجب من تفرّد هذا الشهر بسبب النزعة إلى انكسار القلوب وانفتاحها أن تطيع الله وأن تسعى إلى الخضوع له. وكل من يُحب الله يحب انتشار الاستقامة والحق والخير بكل أنواعه سواء أكان خيراً اجتماعيا أو فرديا أو غير ذلك.  

ثالثاً، أحبُّ رمضان بسبب الرَّاحة النَّفسية الَّتي أجدُها عندما أشتري البضائع. فلا أشعر أنَّ البائعَ يريدُ أن يغشني أو أن يستغلني أو أن يطالبني بأسعارٍ باهظة. وأسوق سيارتي دون سماع شتائم وزمجرة أبواق السّيارات الغاضبة. وأضيف أن رمضان يجلب مناخا نفسيا مختلفا يزرع في قلبي الرجاء بأنَّه من الممكن أن نعيشَ بسلام وباحترام في بلد واحد. ويزداد احترام الدين رغم اختلاف العقيدة. فكل إنسان له الحق أن يختار دينه ويروّجه ويدافع عنه. وهذا حق كل مُسلم ومسيحي. والمميز أن المناخ النفسي الرمضاني يحوّل التركيز في بلادنا من المعتقدات الدينية والمناكفة الكلامية إلى التطبيقات فيرتفع المستوى الأخلاقي لشعب بأكمله ويتأثر كل جار بهذا المناخ الإيجابي. وكأننا نقول اَرني دينك بأخلاقك وحياتك. فيا له من توجه مفيد أن نجسد إيماننا بأخلاق وفضائل يتبارك بها البشر ونتنافس في طلب القداسة بدلا من التعدي على الجار.

رابعا، أحبُّ رمضان بسبب كل المسلمين والمسلمات الذين يريدون أن يكرموا الله بإكرام الإنسان فيساعدوا الفقراء والأرامل والمساكين والمساجين والمهمشين. هذا التوجه الديني والإنساني واجب كل إنسان. وما أجمل أن يفكر الإنسان بأخيه الإنسان ويسعى إلى مساندة الضعيف بكل الوسائل الممكنة. أشد على أيادي المسلمين والمسلمات وأشجعهم أن يطيعوا إيمانهم في مساعدة المنكوبين والمحتاجين. فهذا الأمر بركة ونعمة إلهية لكل سكان بلدنا. فعندما نطعم يتيما أو فقيرا فإننا نجلب المسرة لله أبي اليتامى والأرامل.

خامساً، أحب رمضان بسبب العادات الاجتماعية والاحتفالات الموسمية. اعترف أنني أحب حلويات رمضان لا سيّما القطايف الشهية سواء أكانت بجبنة أم بجوز. وتتزين المدن بالأضواء والشاشات الصغيرة بالمسلسلات وتتزين الوجوه بالابتسامات. ومن العادات الاجتماعية المتميزة التي بدأها بعض المسيحيين هي دعوة مجموعة من المسلمين إلى الإفطار للتعبير عن المحبة المسيحية والرغبة الصادقة في حوار مسيحي-إسلامي متجذر في الصَّداقة والمحبة وحُسن الجيرة.

أخيرا، أقول للمسيحيين نستطيعُ أن نفرحَ بقدوم رمضان دون التَّخلي عن إيماننا بالثَّالوث أو بعقائدنا المتعلقة بهوية سيدنا يسوع المسيح وموته وقيامته. ليس إيماننا عائقاً في استقبال رمضان إنَّما العائق هو في مدى حبنا لجيراننا المسلمين. وأقول لإخوتي وأخواتي المسلمين والمسلمات، كل عام وأنتم بخير. وأصلي أن يبارك اللهُ فيكم ويُقرّبكم إلى قلبه باسم ربنا يسوع المسيح.