• حين نعيش خلف الصور لا داخل الحياة - د. خلوب قعوار
حين نعيش خلف الصور لا داخل الحياة  - د. خلوب قعوار

لم يعد السؤال الذي يشغل الإنسان اليوم: كيف نعيش؟

بل: كيف نبدو؟

نحن نعيش زمنًا غريبًا لم تعرفه البشرية من قبل: زمن الظهور الدائم، والصورة المستمرة، والعرض الذي لا ينتهي. أصبح الإنسان يقيس ذاته بما يُرى لا بما يُعاش، وبما يُنشر لا بما يُختبر. لم نعد نستمتع بالتجربة بقدر ما نهتم بتوثيقها؛ لا نعيش اللحظة، بل نصوّرها، ولا نتذوق المعنى، بل نعرضه.

أصبحت حياتنا مسرحًا مفتوحًا: نُعدّ الزوايا، نختار الفلاتر، نكتب الكلمات، ثم ننتظر التصفيق الرقمي. وفي هذا السباق نحو "شوفوني"، بدأنا نفقد شيئًا أعمق بكثير من الخصوصية — بدأنا نفقد الأصالة (Authenticity).

لم يعد الإنسان حقيقيًا كما كان. حتى أفكارنا وكلماتنا باتت تُكتب أحيانًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأبحاثنا تُصاغ بخوارزميات، وصورنا تُعدَّل، وهويتنا تُدار. أصبح الواقع نفسه مموّهًا، والإنسان مهددًا بأن يتحول إلى نسخة رقمية عن ذاته. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن نفقد اتصالنا الداخلي بأنفسنا ونحن نحاول أن نظهر للآخرين.

هذه الحالة تذكّرنا بظاهرة تُعرف باسم "التمويه الاجتماعي" (Camouflaging)، حيث تشير الدراسات إلى أن بعض الأشخاص، خصوصًا في البيئات الاجتماعية الضاغطة، يتعلمون إخفاء سماتهم الحقيقية وتقمّص سلوكيات متوقعة اجتماعيًا لكي “يندمجوا” ويُقبلوا. فالتمويه هو جهد مستمر لإدارة الانطباع، إخفاء الصعوبات، تقليد الآخرين، وضبط السلوك بشكل مرهق كي يبدو الشخص “طبيعيًا” أمام المجتمع. وقد يشمل ذلك التحكم في تعابير الوجه، ومحاكاة أساليب الحديث، ومراقبة الذات باستمرار لإظهار صورة مقبولة اجتماعيًا. غير أن هذا الجهد الدائم لإخفاء الذات الحقيقية ليس بلا ثمن؛ إذ يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والإرهاق النفسي، وقد يقود إلى ما يشبه الاحتراق الداخلي. لذلك تصفه الأبحاث بأنه تجربة مرهقة ومستنزِفة، لأن الإنسان يعيش فجوة دائمة بين "ما هو عليه " في الداخل و"ما يظهره للآخرين" في الخارج (Alaghband-rad et al., 2023; Cook et al., 2021). وهكذا يتحول التمويه من وسيلة للقبول الاجتماعي إلى مصدرٍ لاستنزاف النفس.

والمفارقة أن ما كان يُدرس كظاهرة نفسية خاصة أصبح اليوم، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، ظاهرة اجتماعية عامة. فثقافة الصور الرقمية تدفع الإنسان إلى ممارسة شكلٍ واسع من التمويه: إخفاء الضعف، إبراز القوة، وتقديم نسخة محسّنة من الذات. وهكذا يعيش كثيرون في حالة انقسام داخلي: صورة ناجحة في الخارج، وقلب مرهق في الداخل. وقد أكدت الدراسات نفسية أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل يرتبط بزيادة المقارنة الاجتماعية والشعور بالوحدة والقلق وانخفاض تقدير الذات (Twenge, 2019; Vogel et al., 2014)، كما يضعف العلاقات العميقة ويستبدلها بتواصل سطحي (Turkle, 2015).

هنا تبرز عمق الحكمة الإنجيلية حين تحذر من هذا الانفصال الوجودي في انجيل مرقس 8: 36: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟". إن الخسارة التي يشير إليها النص ليست مجرد خسارة أخلاقية، بل خسارة القدرة على أن يكون الإنسان حقيقيًا، أن يعيش في انسجام بين الداخل والخارج.

وفي مواجهة هذا العالم المملوء بالصور والتمويه، يأتي صوت الله في سفر إشعياء كنداءٍ يكشف الوهم ويعيد ترتيب الرؤية: "ألا تعلمون؟ ألا تسمعون؟ ألم تُخبروا من البداءة؟" (إشعياء 40: 21).  ثم يذكّر النص الإنسان بضآلة المجد البشري أمام عظمة الله: "الذي يجعل العظماء لا شيء، ويصير قضاة الأرض كالباطل" (إشعياء 40: 23). إنها دعوة للعودة إلى الحقيقة التي تُنسى وسط الضجيج. فكل ما يبدو قويًا في العالم قد يكون هشًّا: "لم يُغرسوا ولم يتأصل في الأرض ساقهم… فنفخ عليهم فجفّو" (إشعياء 40: 24). فالصور البشرية مهما بدت راسخة تبقى مؤقتة، لأن ما يظهر ليس دائمًا ما يدوم.

وسط هذا الانكشاف، يوجّه النص الأنظار إلى مصدر الثبات الحقيقي: "هوذا إلهكم" (إشعياء 40: 9). إنه إعلان حضور إلهي يرى الإنسان كما هو، لا كما يبدو. إله لا يحتاج إلى أقنعة، ولا يطلب عرضًا، بل علاقة. وحين يعترف الإنسان بتعبه ويتوقف عن التمثيل، يجد الوعد الذي يبدد الاحتراق الداخلي. فالرب هو الذي "يعطي المعيي قدرة، ولعديم القوة يكثر شدة" (إشعياء 40: 29). وتبلغ رسالة الرجاء ذروتها في الكلمات التي صارت عبر العصور مصدر تعزية عميقة:
أما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور" (إشعياء 40: 31).

إن هذا الانتظار ليس انسحابًا من العالم، بل تحررًا من التمويه، وعودة إلى الذات الحقيقية التي تستمد قيمتها من حضور الله لا من نظرة الناس. إنه انتقال من حياة الظهور إلى حياة الحضور، ومن قلق الصورة إلى سلام العلاقة مع الله.

وهكذا، في زمن الصور والظهور، تبقى دعوة الإنجيل ثورية وبسيطة في آن واحد: أن نكون حقيقيين. أن نعيش لا لنبث عروضًا، بل لنختبر. أن نستبدل القلق على صورتنا بسلام العلاقة مع الله. فحين يتوقف الإنسان عن تمثيل حياته، يبدأ أخيرًا في عيشها.

 

المراجع

Alaghband-rad, J., Hajikarim-Hamedani, A., & Motamed, M. (2023). Camouflage and masking behavior in adult autism. Frontiers in Psychiatry.

Cook, J., Hull, L., Crane, L., & Mandy, W. (2021). Camouflaging in autism: A systematic review. Clinical Psychology Review.

Turkle, S. (2015). Reclaiming conversation: The power of talk in a digital age.

Twenge, J. M. (2019). iGen: Why today’s super-connected kids are growing up less rebellious, more tolerant, less happy.

Vogel, E. A., et al. (2014). Social comparison and social media: Effects on self-esteem. Journal of Social and Clinical Psychology.

 

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع