دراسة في الأبعاد الدينية والقومية والاجتماعية- كلية الناصرة الإنجيلية، 2.11.2026
مقدمة
عندما يبدأ المسيحي بالخوف على بقائه في الأرض التي وُلدت فيها المسيحية، تتحول قصة الحضور المسيحي من قصة تاريخ عريق إلى سؤال عن المستقبل. فهذه هي الأرض التي انطلقت منها بشارة المسيح إلى العالم، ومنها خرجت الكنيسة الأولى إلى الأمم. ومع ذلك، فإن الجماعات المسيحية التي حافظت على وجودها في هذه الأرض عبر قرون طويلة تجد نفسها اليوم أمام واقع يثير أسئلة جدّية حول مستقبل حضورها. ففي الجليل والقدس وحيفا والناصرة ما تزال الكنائس مفتوحة، وما تزال جماعات مسيحية تصلي وتخدم وتشهد، لكن هذا الوجود الحي يواجه ضغوطًا متزايدة تمس جوانب متعددة من حياة المسيحيين.
ولا تأتي هذه الضغوط في صورة واحدة. فهناك اعتداءات ومضايقات تطال رجال الدين ودور العبادة والمقابر والممتلكات المسيحية، وهناك أيضًا أشكال من التضييق ذات طابع قانوني ومؤسساتي، تظهر بصورة خاصة في قضايا الاعتراف بالطوائف وحرية العبادة وإدارة المؤسسات الكنسية. وفي الوقت نفسه، يواجه المسيحي العربي الفلسطيني تحديات أخرى مرتبطة بموقعه القومي والاجتماعي بوصفه أقلية عربية فلسطينية داخل الدولة. وهكذا تتداخل في تجربته أبعاد دينية وقومية واجتماعية، بحيث يصبح من الصعب فهم واقع المسيحيين من خلال بُعد واحد فقط.
لذلك، فإن السؤال الذي تنطلق منه هذه المقالة ليس فقط: هل يتعرض المسيحيون في إسرائيل للاضطهاد؟ بل سؤال أوسع: كيف يتشكل هذا الاضطهاد، وما الأبعاد المختلفة التي تتقاطع لتؤثر في حياة المسيحيين ومستقبل وجودهم في هذه الأرض؟
لا تدّعي هذه المقالة أن كل صعوبة يواجهها المسيحيون يمكن تفسيرها باعتبارها اضطهادًا دينيًا، ولا أن تراجع أعداد المسيحيين أو هجرتهم يعود إلى سبب واحد. فالهجرة، كما سنرى، ترتبط أيضًا بالحرب والظروف السياسية والاقتصادية وغيرها من العوامل التي تؤثر في المجتمع بأسره. لكن تعدد هذه الأسباب لا يلغي الحاجة إلى النظر بجدية في الضغوط التي يواجهها المسيحيون، ولا سيما حين تتراكم هذه الضغوط وتتقاطع لتؤثر على نحوٍ سلبيّ في شعور الجماعة بالأمان والانتماء وإمكانية الاستمرار.
تحاول هذه المقالة، بالاستناد إلى تقارير ومصادر بحثية وحقوقية قابلة للتحقق، أن تضع هذه الظواهر المتفرقة في صورة واحدة، وأن تقرأها في أبعادها الدينية والمؤسساتية والقومية والاجتماعية. والغاية ليست تضخيم الحوادث أو اختزال الواقع في رواية واحدة، بل لفت الانتباه إلى جماعة كثيرًا ما بقي حضورها في هامش النقاش، رغم أن جذورها تمتد إلى فجر الإيمان المسيحي نفسه.
فليست قصة المسيحيين في هذه الأرض قصة جماعة جاءت إليها ثم استقرت فيها، وإنما قصة جماعة لم تغادرها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما يصبح البقاء نفسه تحديًا؟
تعريف الاضطهاد في السياق الحديث
لا يمكن حصر مفهوم الاضطهاد في الاعتداءات الجسدية المباشرة فحسب، بل إنه منظومة متكاملة تهدف إلى تهميش الجماعة أو دفعها للرحيل. تاريخيًا، يُفهم الاضطهاد كاستهداف مباشر للمؤمنين بالمسيح أو من يُصنفون كمسيحيين، ويأخذ شكلين أساسيين:
- الاضطهاد المباشر: ويشمل الاعتداءات الجسدية، التنكيل، واستهداف دور العبادة والمؤسسات التعليمية والطبية التابعة للكنيسة.
- الاضطهاد الممنهج : وهو الأخطر، حيث يتم التضييق قانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لتقليص الوجود المسيحي دون اللجوء للعنف الصريح دائمًا.
أولًا: الاضطهاد الديني والمؤسساتي (الاعتداء على الكنيسة)
شهدت السنوات الأخيرة، وخاصة عامي 2024 و2025، تصعيدًا ملحوظًا في الاعتداءات المباشرة ضد رجال الدين والمباني الكنسية، ومن الأمثلة على ذلك:
ظاهرة البصق والتنكيل: يتعرض الكهنة والراهبات والحجاج المسيحيين لظاهرة البصق من قبل جماعات يهودية متطرفة في البلدة القديمة في القدس. لا نتحدث عن أحداث متفرقة تحدث مرة كل خمس سنوات، بل عن أحداث مستمرة وموثقة في وسائل الإعلام المحلية (عبرية وعربية) والأجنبية. ففي تقرير تلفزيوني أجرته قناة 13 الإسرائيلية تحدث المُراسل مع عدد من رجال الدين الذين تعرضوا لهذه الظاهرة ولكي يختبر الأمر بنفسه أُتيح له أن يرتدي لباس الراهب الفرنسسكاني لكي يختبر الأمر بنفسه وتجوّل في البلدة القديمة في القدس مع راهب فرنسسكانيّ آخر. وهنا حدثت المفاجأة (هو تفاجأ لكن الراهب المرافق له لم يتفاجأ لأن الأمر بالنسبة له أمر معتاد) فما إن مرّ "الراهبان" بمجموعة من الجنود، بصق أحدهم على الأرض عندما رآهما [2]. هذا التصرف ليس مجرد فعل عابر، بل هو "اضطهاد نفسي" يهدف لإشعار المسيحي بأنه غير مرغوب فيه في أقدس أماكنه. [3]
الاعتداءات والتضييق على العقارات والأملاك: من الحالات الموثقة في الإعلام وفي مؤسسات حقوق الإنسان يبدو أن هناك محاولات للاستيلاء على عقارات الكنيسة بطرق مباشرة وغير مباشرة وفرض ضرائب الأملاك على الكنائس ("الأرنونا") مما يهدد بإفلاس المؤسسات التي تخدم المجتمع. وإليكم بعض الأمثلة عن ذلك:
- قضية فندق الإمبريال وبترا التابعين للكنيسة الأرثوذكسية الذين جرى "تسريبهما" [4] إلى جمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية. وبالرغم من أن هذه القضية ليست بجديدة (2002) إلا أنها ما زالت قائمة حتى يومنا هذا وهي مثال على محاولات الاستيلاء على العقارات المسيحية وتغيير معالم البلدة القديمة في القدس. [5]
- أزمة الحي الأرمني (أرض "حديقة البقر"): في أواخر 2023 و2024، تفجرت أزمة بعد أن ألغت البطريركية الأرمنية عقدًا مريبًا لتأجير مساحة ضخمة من الحي (نحو ربع مساحة الحي الأرمني) لشركة تطوير عقاري إسرائيلية يملكها مستوطنون. أدى ذلك إلى هجمات من مستوطنين مسلحين وجرافات لمحاولة فرض السيطرة على الأرض بالقوة، مما دفع المجتمع الأرمني للاعتصام والدفاع عن الحي بأجسادهم. [6]
- فرض ضرائب "الأرنونا" والحجز على الحسابات البنكية للكنائس: بدأت هذه المحاولات المتكررة لفرض ضرائب الممتلكات (أرنونا) من بلدية القدس في العام 2018 مما أثار أزمة كبيرة وأدى لإغلاق كنيسة القيامة. وتجددت هذه المحاولات في العام 2024 لفرض الضرائب على ممتلكات الكنائس (التي كانت معفاة تاريخيًا بناءً على اتفاقية "الستاتيكو" (اتفاقية الوضع القائم: وهي اتفاقية لاستخدام الأماكن المقدسة تعود إلى القرن الثامن عشر)). فحجزت البلدية على الحسابات البنكية للكنائس، مما هدد قدرتها على إدارة المدارس، والمستشفيات، ودفع رواتب الموظفين. [7]
- التعديات على دير "مار إلياس" (ستيلا ماريس) في حيفا: خلال صيف 2023، تكررت اقتحامات مجموعات من اليهود المتشددين (الحريديم) لساحة دير الكرمليين (مار الياس) في حيفا، زاعمين وجود قبر النبي إليشع داخل الكنيسة، وذلك بحسب فهمهم يمنحم الحق في الصلاة في ذلك المكان. أدى ذلك لغضب عارم وتظاهرات من مسيحيي حيفا والداخل لحماية الدير، واضطرت الكنيسة لبناء سياجٍ حديدي لحماية المصلين. [8] من المؤسف لأحد كتاب هذه المقالة، بيير طنوس، أن يرى هذا السياج الحديدي الذي وضع حول ساحة الكنيسة التي كانت لعقود مفتوحة للجميع وكان متاحًا لجميع الزائرين أن يدخلوا الكنيسة ويصلوا فيها طيلة ساعات النهار، أما الآن فقد أصبح المكان مفتوحًا في ساعات محددة فقط بسبب الخوف من تلك الاعتداءات.
- تخريب المقابر المسيحية: في كانون الثاني 2023، اقتحم مستوطنون متطرفون المقبرة البروتستانتية على جبل صهيون (النبي داود) في القدس، وحطّموا ودنّسوا أكثر من 30 قبرًا تاريخيًا، ووُثّق ذلك بكاميرات المراقبة.
تقييد حرية العبادة: رغم أن القانون الإسرائيلي يضمن حرية العبادة ويحميها إلا أن هناك حالتان تدلاّن على تقييد عبادة المسيحيين في إسرائيل بحجج الأمان والسلامة وهما سبت النور في كنيسة القيامة وعيد التجلّي في جبل الطور:
- سبت النور – كنيسة القيامة – القدس: في عامي 2023 و2024، فرضت الشرطة الإسرائيلية قيودًا مشددة وغير مسبوقة على وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة للاحتفال بـ "سبت النور" (أهم طقس في التقويم الأرثوذكسي الشرقي). حيث أقامت الشرطة حواجز عسكرية في البلدة القديمة وقلصت عدد المصلين المسموح لهم بالدخول من نحو 10 آلاف مصلي (كما جرت العادة تاريخيًا) إلى 1,800 شخص فقط بحجة "تجنب الاكتظاظ ودواعي السلامة". أصدرت "لجنة الستاتيكو" الكنائسية (التي تضم بطريركية الروم الأرثوذكس، وحراسة الأراضي المقدسة، والأرمن) بيانات شديدة اللهجة ترفض هذه القيود، معتبرة إياها تضييقًا متعمّدًا على الوجود المسيحي وانتهاكًا لحرية العبادة المستمرة منذ ألفي عام. [9]
- عيد التجلّي – جبل الطور – الجليل الأسفل: في آب 2023، أغلقت الشرطة الإسرائيلية وسلطة الإطفاء الطريق المؤدي إلى الكنيسة الأرثوذكسية على قمة جبل الطور (طابور) في الجليل على نحوٍ مفاجئ ليلة "عيد التجلي". أدى ذلك إلى منع آلاف المصلين المحليين والسياح الأجانب من الوصول للكنيسة، واحتجازهم عند سفح الجبل لساعات بحجة "عدم وجود تصريح وتوفر شروط الأمان وإخفاقات السلامة للوقاية من الحرائق". أثار هذا الحدث غضبًا عالميًا، وأصدر "مجلس الكنائس العالمي" ومجلس الطائفة في الناصرة بيانات تهاجم هذه الخطوة بشدة، معتبرين أن المساس بحرية العبادة وإلغاء الصلوات بحجة "الأمن والأمان" هو أمر تعسفي غير مقبول ويأتي ضمن سلسلة مضايقات للمسيحيين. [10]
جملة ختامية في ظل غياب المساءلة: تظلم الدولة المدنية سكانها بطريقتين مباشرة وغير مباشرة. ولا ندّعي أن حكومة إسرائيل تسعى إلى اضطهاد المسيحيين (أو المسلمين) مباشرةً على أساس انتمائهم الديني، لكن يكفي غض النظر عما يقترفه المعتدون أو الصمت الحكومي أو التساهل في ملاحقة المعتدين في أن يبعث رسالة مفادها أن دماء المسيحيين وممتلكاتهم "مباحة"، مما يعزز مناخ الخوف في قلوب المسيحيين ويعزز "جرأة" المعتدين في الاستمرار في الاعتداءات في غياب روادع قوية.
الطائفة الإنجيلية: طائفة مسيحية غير معترف فيها [11]
تُعاني الطائفة الإنجيلية (Evangelical) بمختلف فروعها من عدم الاعتراف بها كـ "طائفة دينية رسمية" (עדה דתית) في إسرائيل، وهذا يخلق مفارقة غريبة عند مقارنتها بطوائف أخرى.
- مفارقة "العدد" مقابل "الاعتراف التاريخي": يعترف القانون الإسرائيلي بنحو عشر طوائف مسيحية رسمية. بعض هذه الطوائف (مثل الكلدان، أو السريان الكاثوليك) تتمتع باعتراف رسمي كامل ومحاكم دينية مستقلة، على الرغم من أن عدد أتباعها المحليين ضئيل جدًا وقد لا يتجاوز بضع مئات في البلاد. في المقابل، الطائفة الإنجيلية، رغم تزايد أعداد أبنائها المحليين وتأثيرها العالمي الضخم، لا تزال تُصنف كـ "طائفة غير معترف بها". (ملاحظة للتوضيح: الكنيسة "الأسقفية" الأنجليكانية حصلت على اعتراف عام 1970، ولكن هذا الاعتراف لا يشمل المظلة الأوسع للكنائس الإنجيلية الحرة ومجامعها).
- جذور المشكلة: إرث "نظام المِلل": يعود سبب هذا التناقض إلى أن إسرائيل (وقبلها الانتداب البريطاني) ورثت قوانين الأحوال الشخصية من "نظام الملل" العثماني. هذا النظام كان يمنح الاعتراف للكنائس الشرقية القديمة والكنائس الكاثوليكية المرتبطة تاريخيًا بالمنطقة. ولأن الكنائس الإنجيلية تُعتبر حديثة نسبيًا في وجودها المؤسسي المستقل هناك، فقد بقيت خارج هذه المظلة التاريخية، وترفض الحكومات المتعاقبة توسيع قائمة الطوائف المعترف بها بحجة أن الأمر سيُمطرها بوابل من طلبات الاعتراف بطوائف أخرى.
- التبعات القاسية لعدم الاعتراف: عدم الاعتراف ليس مجرد تصنيف شكلي، بل يضع أتباع الطائفة الإنجيلية في مآزق قانونية صعبة، ومن أبرز تبعاته:
- موضوع الزواج والطلاق: لعل أكبر معضلة رسمية تواجه الكنيسة الإنجيلية هي مشكلة الزواج والطلاق. لا تعترف الدولة أن الطائفة الإنجيلية "كيان ديني مستقل" له قوانين أحوال شخصية خاصة به، ولكنها أوجدت "تسوية إدارية" لتسيير الأمور. ففوّضت وزارة الداخلية الإسرائيلية عددًا من الرعاة (القسس) الإنجيليين لإجراء مراسم الزواج وإصدار شهادات زواج تُقبل وتُسجل رسميًا في هويات الأزواج لدى وزارة الداخلية. هذا يعني أن الدولة تتعامل مع زواجهم على أنه "إجراء إداري مدني" مسجل لديها، وليس كاعتراف بصلاحية محكمة كنسية. ولأن الطائفة غير معترف بها، لا توجد محكمة كنسية إنجيلية تملك الصلاحية القانونية لإصدار قرار طلاق أو فسخ زواج تعترف به الدولة: فإذا وصل زوجان إنجيليان إلى طريق مسدود وقررا الانفصال، فإنهما يدخلان في كابوس قانوني. الكنيسة لا تستطيع طلاقهما قانونيًا، فيُضطران للجوء إلى محاكم "شؤون العائلة" الإسرائيلية (المدنية) والتقدم بطلب بموجب قانون يُعرف بـ "قانون حل رباط الزوجية للحالات الخاصة". هذا المسار المدني طويل جدًا، شديد التعقيد، ومكلف ماديًا ونفسيًا. هذا الوضع يضع ضغطًا هائلًا على أبناء الطائفة الإنجيلية، ويُشعرهم بأنهم "مواطنون معلقون" لا يملكون الحق الأساسي في إدارة أحوالهم الشخصية بسلاسة كباقي الطوائف المعترف بها. وفي حالة كون أحد الزوجين تابعًا لطائفة مسيحية أخرى مُعترف بها فيحدث ضغط من عائلة الزوج/ة غير الإنجيلي/ة أن يُعقد الزواج في كنيسة مُعترف بها، ممّا يولّد شعورًا بالضعف والنقص لدى الزوج/ة الإنجيلي/ة.
- المدافن: هناك كنائس إنجيلية تمتلك مدافن خاصة بها (كما في الناصرة مثلًا، أو أجزاء مخصصة لهم في مقابر بروتستانتية بالقدس وحيفا. هذه المدافن هي غالبًا أراضٍ تم الحصول عليها أو تخصيصها تاريخيًا. ولكن المشكلة أو "التضييق" يظهر عندما تمتلئ هذه المقابر وتحتاج الكنائس إلى تراخيص لتوسعتها أو لشراء وتخصيص أراضٍ جديدة لتكون مدافن رسمية. بسبب عدم الاعتراف الرسمي بالطائفة، تضع السلطات المحلية والدوائر الحكومية عقبات بيروقراطية هائلة أمام أي طلب لتوسيع أو ترخيص مقبرة جديدة للإنجيليين، مما يهدد أبناء الطائفة مستقبلًا في إيجاد مساحات لدفن موتاهم بكرامة.
- تأشيرات رجال الدين: تُعاني المؤسسات الإنجيلية من تعقيدات بيروقراطية في استصدار تجديد إقامات أو تأشيرات سفر (فيزا) لرعاتها ورجال الدين الأجانب مقارنة بكهنة الطوائف التاريخية.
- الحرمان من الميزانيات: تُحرم هذه الكنائس من الميزانيات الحكومية التي تُخصص لتمويل الطوائف المعترف بها، وتواجه صعوبات أكبر في إثبات أحقيتها بالإعفاءات الضريبية لكونها خارج الملحق الرسمي للطوائف.
ثانيًا: الاضطهاد القومي (المسيحي كفلسطيني وعربي) والاجتماعي وتحديات الهوية كأقلية
مع أن هذا هو العنوان الثاني في مقالنا لكن جانب جوهري وأساسيٌّ جدًا، فالمسيحي في إسرائيل لا يواجه الاضطهاد كـ "مؤمن" أو تابع للديانة المسيحية فحسب، بل كـ "عربي فلسطيني". وتتجلى هذه المعاناة في أبعاد متعددة متشابكة:
قانون القومية وأثره التأسيسي [12]
في عام 2018 أُقرّ "القانون الأساسي: إسرائيل، دولة الشعب اليهودي"، وهو قانون ذو مكانة دستورية عليا يُرسّخ الطابع اليهودي للدولة ويُدرج حق تقرير المصير حكرًا على الشعب اليهودي. وقد وثّق استطلاع مركز روسينج في نهاية [13] العام 2024 أن 64.8% من المسيحيين العرب يرون أن هذا القانون يُثبّت وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وأن 51% يشعرون بأنه أثّر في واقعهم المُعاش.
وقد أصدر مجمع الأساقفة الكاثوليك في الأرض المقدسة بيانًا [14] يصف القانون بأنه يوفّر «أساسًا دستوريًا وقانونيًا للتمييز» بين المواطنين، وبأنه ضربة لمُثُل المساواة والعدالة والديمقراطية.
وفي العام 2021 رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية خمسة عشر التماسًا ضد القانون بأغلبية عشرة قضاة مقابل معارضة واحدة، كانت للقاضي العربي الوحيد في هيئة المحكمة جورج قرا، الذي رأى أن بنودًا في القانون تُنكر الهوية الديمقراطية للدولة، وأن القانون ينبغي أن يُبطَل. [15]
وتمتد تداعيات القانون على الأرض إلى ما أبعد من الرمزية؛ فقد استندت "محكمة الصلح - لواء حيفا – كريوت" (في شمال البلاد) في العام 2020 إلى قانون القومية للحكم برفض دعوى عائلة بكري التي تسكن في مدينة كرميئيل، التي طالبت البلدية بتمويل نقل طفليها (6 و10 سنوات) إلى مدرسة عربية في بلدة الرامة المجاورة، إذ لا توجد في كرميئيل مدارس ناطقة بالعربية. وقد برّر القاضي الحكم بأن إنشاء مدرسة ناطقة بالعربية، أو حتى تمويل نقل الطلاب العرب، «من شأنه أن يغيّر التوازن الديموغرافي ويضرّ بطابع المدينة»، معتبرًا أن تطوير الاستيطان اليهودي قيمة وطنية بحسب القانون الأساسي، وأن ذلك يُسوّغ هذا التمييز في تقديم الخدمات البلدية. [16]
التمييز في التوظيف والسكن
يرصد استطلاع مركز روسينج أن 36% من المسيحيين العرب يعتقدون أن هويتهم تؤثر في فرص تقدمهم الوظيفي في المؤسسات الحكومية أو المرتبطة بها. بينما يخالفهم 41%. [17]
وتُجسّد بيانات قطاع التكنولوجيا حدة هذا التمييز؛ فرغم أن العرب يمثلون 21% من سكان دولة إسرائيل، لا يعمل منهم في قطاع التقنية العالية (high tech) سوى 2% من الرجال و1% من النساء، مقارنةً بـ12% من الرجال اليهود العلمانيين. [18] ويُعزى ذلك جزئيًا إلى آلية التوظيف القائمة على العلاقات التي تتطوّر في الأطر العسكرية التي لا يستطيع العرب الوصول إليها.
ووصف مراقب الدولة السابق يوسف شابيرا (2012-2019) جهود الحكومة لدمج العرب في سوق العمل بأنها "مكسورة وغير فعّالة وقاصرة"، مشيرًا إلى أن 28% فحسب من الميزانية المخصصة لهذه البرامج قد أُنفقت فعليًا في ثلاث من السنوات الخمس الأخيرة. [19]
على صعيد السكن، لا تتجاوز نسبة المناقصات الحكومية للإسكان الصادرة في المدن والبلدات العربية 4.6% من الإجمالي، رغم أن العرب يمثلون 21% من السكان كما سبق وذكرنا. [20] ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) أن قانون لجان القبول، الذي يتيح للبلدات اليهودية الصغيرة في الجليل والنقب فرز طالبي السكن فيها، يُقصي عمليًا المواطنين العرب من السكن فيها، ومنذ العام 1948 أقرّت الحكومة الإسرائيلية إقامة أكثر من 900 تجمّع يهودي، ولم تقرّ إقامة بلدات للمواطنين العرب إلا في حالات قليلة استثنائية. كما أكّد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالسكن اللائق وجود «تمييز وفصل ممنهج مستمر» في الوصول إلى حق السكن لدى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية [21]
الهجرة أو الصمود
لا تدّعي هذه المقالة أن هجرة المسيحيين العرب الفلسطينيين من إسرائيل نابعة فقط من الاضطهاد المباشر أو غير المباشر، فهجرة المسيحيين من البلاد لها أسباب كثيرة منها أسباب تؤدي إلى هجرة كل من يسعى إلى العيش الكريم وهذه الأسباب تشمل بالأساس حالة الحرب والأوضاع السياسية المتقلقلة التي تنتج عنها صعوبات اقتصادية. [22]
يظل المسيحي العربي في إسرائيل شاهدًا حيًا على ألفَين من سنوات الوجود المتواصل في هذه الأرض [23]، الأرض التي منها انطلقت بشارة القيامة إلى العالم. وبقاؤه ليس استحقاقًا تاريخيًا فحسب، بل هو في جوهره امتداد للشهادة الإرسالية ذاتها؛ فالكنيسة في الجليل والقدس وحيفا ليست كنيسة مُستورَدة، بل هي الكنيسة الأم التي لم تغادر قط الأرض التي سمعت فيها أول مرة: "لماذا تطلبون الحي بين الأموات؟" (لوقا 24: 5). ومن هنا فإن صمود هذه الجماعات ليس مجرد فعل سياسي أو ثقافي، بل هو في حد ذاته شهادة لاهوتية، شهادة على أن القيامة لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل حقيقة حية تتجسد في شعب لا يزال يسكن الأرض التي شهدت هذا الحدث.
ولعل الصمود الذي يختاره المسيحيون حين يختارونه، إذ بنوا سياجًا حديديًا حول الكنيسة في حيفا، ورفضوا التهجير الهادئ في القدس، وأعادوا موكب الميلاد في الناصرة للمرة الأربعين، هو في جوهره إعلان بأن شهود القيامة لم يرحلوا، وأن الأرض المقدسة لن تخلو من أبناء تلك القيامة ما داموا يختارون البقاء. وعلى الكنيسة العالمية أن تدرك أن صمت هؤلاء الشهود أو رحيلهم لن يكون خسارة ديموغرافية وحسب، بل سيكون انقطاعًا في سلسلة الشهادة المتواصلة منذ يوم الخمسين الأول في أورشليم.
مُلحق
اضطهاد اليهود المؤمنين بالمسيح (Messianic Jews) ومضايقتهم
تُظهر تقارير وزارة الخارجية الأمريكية للحرية الدينية أن التبشير مسموح به قانونيًا في إسرائيل من حيث المبدأ، لكن الضغوط الفعلية تنشأ من ثلاثة مستويات يجب عدم خلطها. الأول إداري: قانون العودة يستثني من تحوّل إلى ديانة أخرى، بما فيها اليهودية المسيحية (المسيانية)، فترفض وزارة الداخلية طلبات هجرته. الثاني مجتمعي: تحرش منظمات هامشية كـ"ياد لآحيم" و"لهافا" بالتخويف والتخريب ومحاصرة أماكن العبادة، موثّق قضائيًا لكن دون تفويض رسمي من الدولة. الثالث تشريعي: محاولات فاشلة لتجريم التبشير، كمشروع قانون تقدّم به عضوا كنيست يهوديان متشددان عام 2023 ثم أوقفه رئيس الوزراء.
- في بداية العام 2023 اقترح عضوا كنيست من حزب يهدوت هتوراة اليهودي المتديّن (موشيه غافني ويعقوب آشر) قانونًا يُجرّم التبشير بالإنجيل بعقوبة السجن، وقد أوقف القانون رئيس الحكومة نتنياهو شخصيًا. [24]
- وهذه مصادر أخرى تتحدث عن الاضطهاد والمضايقات التي يعاني منها اليهود المؤمنون بالمسيح:
Findings of New Research on the Messianic Movement in Israel: https://www.oneforisrael.org/findings-of-new-research-on-the-messianic-movement-in-israel/
2022 Report on International Religious Freedom: Israel, West Bank and Gaza, Israel: https://www.ecoi.net/en/document/2091898.html
الحواشي
[1]تتطرق هذه المقالة إلى المسيحيين الذين يعيشون في حدود دولة إسرائيل وشرقي القدس. وتتحدث عن المسيحيين العرب والأجانب في البلاد. من الجدير بالذكر أن هذه المقالة لا تتطرق إلى اليهود المؤمنين بالمسيح الذين هم أيضًا تعرضوا ويتعرضون لاضطهادات وتنكيل من مجموعات يهودية متطرفة، وقد أوردنا الملحق مصادر توثق هذا الأمر.
[2] هذا رابط التقرير التلفزيوني على القناة الـ13:
"משחיתים ועושים סלפי": מסע בירושלים בעקבות האלימות כלפי אנשי דת נוצרים | חדשות 13 (13tv.co.il)
[3] שני נערים יהודים ירקו על איש דת נוצרי בירושלים، زرنا الموقع في تاريخ 4.2.2026 في الرابط:
https://www.kan.org.il/content/kan-news/local/697500/. هناك الكثير من هذه الأخبار التي تشمل البصق والشتائم والتنكيل، نجد آخرها في صحيفة "إسرائيل اليوم" (ישראל היום) في الرابط الآتي من تاريخ 30.12.2025 وقد زرنا الموقع في تاريخ 4.2.2026:
https://www.israelhayom.co.il/travel/tourism-news/article/19340266..
[4] المقصود بتسريب عقار هو إبرام صفقة بطرق مشبوهة لجهات غير مسيحية حيث يُباع العقار بطريقة رسمية لكن دون موافقة واعية من المسؤولين عن العقار، في هذه الحالة الكنيسة الأرثوذكسية، ودون إجراء أي نقاش مع الرعية المحلية للكنيسة حول شرعية بيع عقار تابع للكنيسة.
[5] قضية فندق الامبريال، وقد زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026: https://web.archive.org/web/20240605193506/https://insanonline.net/134818
[6] في الرابط الآتي تلخيص مفصل للقضية: https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657313 وقد زرنا الموقع في تاريخ 4.2.2026.
[7] للمزيد من المعلومات والتفاصيل عن هذه القضية اقرأوا المقالات في الروابط الآتية: https://abouna.org/content/مجلس-رؤساء-الكنائس-الكاثوليكية-يناقش-ملف-ضريبة-الأرنونا-في-القدس. https://www.wafa.ps/pages/details/98504 . وقد زرنا هذه المواقع في تاريخ 2.8.2026.
[8] الخبر في موقع عرب 48 الذي يوثق هذا الحدث وقد زرنا هذا الموقع في تاريخ 2.8.2026:
[9] العربي الجديد (2023) تقرير يوثق بيان الكنائس ورفضها لتقييدات الشرطة الإسرائيلية: https://www.alaraby.co.uk/politics/كنائس-القدس-سنقوم-بطقوس-سبت-النور-رغم-تقييدات-الاحتلال-الإسرائيلي. موقع عرب 48 (2023): تقرير يغطي الرفض السياسي والمجتمعي لمحاولات تنغيص وتحديد أعداد المصلين: https://www.arab48.com/محليات/سياسة/2023/04/13/التجمع-تقييد-الصلاة-في-كنيسة-القيامة-تصعيد-خطير-آخر-وشعبنا-لن-يرضخ-له. وقد زرنا هذه المواقع في تاريخ 2.8.2026.
[10] مؤسسة الدراسات الفلسطينية (2023): ترجمة وتوثيق بيان مجلس الكنائس العالمي الذي هاجم المنع: https://mukhtaraat.palestine-studies.org/ar/node/32322. صحيفة الاتحاد (2023): تغطية محلية مفصلة لمنع آلاف المصلين من الوصول للجبل رغم وجود تنسيق مسبق: https://alittihad44.com/الجماهير-العربية/الشرطة-تمنع-آلاف-المسيحيين-من-الوصول-لكنيسة-في-جبل-طابور-للاحتفال-بعيد-التجلي. وقد زرنا هذه المواقع في تاريخ 2.8.2026.
[11] من الجدير بالذكر أن الطائفة الإنجيلية طائفة معترف بها في السلطة الفلسطينية منذ العام 2019: انظروا الخبر في موقع دنيا الوطن: https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2019/12/19/1300720.html.
[12] موقع منظمة عدالة، تحليل قانون القومية: https://www.adalah.org/en/content/view/9569 وقد زرنا هذا الموقع بتاريخ 2.8.2026.
[13] مركز روسينج، استطلاع المسيحيين العرب، كانون الأول 2024: https://rossingcenter.org/survey-of-palestinian-arab-christians-in-israel-and-east-jerusalem-2/. زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026.
[14] للاطلاع على نص بيان مجمع الأساقفة اضغطوا على الرابط الآتي: https://www.hcc.ps/archives/49932، وقد زرناه في تاريخ 2.8.2026. وفي الرابط الآتي أيضًا: https://www.terrasanta.net/tsx/assets/pdf/StatementStateNationEN.pdf.
[15] مؤسسة عدالة: https://www.adalah.org/en/content/view/9569، زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026. وفي الرابط الآتي نجد ملخص مؤسسة عدالة للقرار: https://www.adalah.org/uploads/uploads/Translation_of_Summary_of_JNSL_Judgment.pdf.
[16] منظمة عدالة: https://www.adalah.org/en/content/view/10191 . تايمز أوف إسرائيل، 8 كانون الأول 2020، زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026 . https://www.timesofisrael.com/justice-ministry-slams-judges-use-of-nation-state-law-to-deny-arabs-rights/
[17] استطلاع مركز روسينج، كانون الأول 2024، وقد زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026:
https://rossingcenter.org/survey-of-palestinian-arab-christians-in-israel-and-east-jerusalem-2/
[18] بيانات سلطة الابتكار الإسرائيلية، تايمز أوف إسرائيل، وقد زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026:
https://www.timesofisrael.com/israel-earmarks-nis-21-6-million-to-boost-arab-employment-in-high-tech
[19] مرصد الديمقراطية الإسرائيلية يضع مقدمة للكتاب Combating Discrimination against Arabs in the Israeli Workforce في الرابط الآتي: https://en.idi.org.il/publications/6759، وقد زرنا الرابط في تاريخ 2.8.2026.
وتقرير مراقب الدولة السابق في الرابط الآتي وقد زرناه في تاريخ 2.8.2026:
https://www.timesofisrael.com/state-of-arabs-employment-is-grim-alarming-shapira-says
[20] منظمة عدالة، بيانات يوم الأرض: https://www.adalah.org/en/content/view/8507 . هيومن رايتس ووتش، أيار 2020: https://www.hrw.org/news/2020/05/12/israel-discriminatory-land-policies-hem-palestinians. وقد زرنا الرابطين في تاريخ 2.8.2026.
[21] عن تقرير المقرر الخاص للأمم المتحددة انظروا الخبر في موقع "عدالة"، تشرين الأول 2021، وقد زرنا الرابط في تاريخ 2.8.2026: https://www.adalah.org/en/content/view/10554
[22] هذا الاستطلاع يتحدث عن الأسباب المتعددة لهجرة المسيحيين من البلاد، وقد زرنا الموقع في تاريخ 2.8.2026:
Survey of Palestinian/Arab Christians in Israel and East Jerusalem: https://rossingcenter.org/survey-of-palestinian-arab-christians-in-israel-and-east-jerusalem-2/
[23] حتى في أحلك فترات الاضطهاد، كالعصر المملوكي، لم تشهد الأرض المقدسة غيابًا تامًا للوجود المسيحي المحلي. وللاطلاع على دراسة علمية عن استمرار الجماعات المسيحية، ومنها الجماعة الأرثوذكسية الرومية (الملكية) في القدس، تحت الحكم المملوكي، انظر المقالة في الموقع الآتي، زرنا هذا الموقع في تاريخ 8.10.2026:
Johannes Pahlitzsch, "Mediators Between East and West: Christians Under Mamluk Rule," Mamlūk Studies Review 9, no. 2 (2005), https://doi.org/10.6082/M19P2ZS5.
[24] https://allisraelnews.com/harassment-by-far-right-ultra-orthodox-against-messianic-jews-and-christians-on-full-display-this-month. زرنا هذا الموقع في تاريخ 8.10.2026


RSS