• عندما يُغلق الطريق: الرجاء الذي يجد طريقًا - د. خلوب قعوار
عندما يُغلق الطريق: الرجاء الذي يجد طريقًا - د. خلوب قعوار

يربط الإنسان الرجاء في كثير من الأحيان بنتائج محددة: أن يُشفى مريض، أو تُستعاد علاقة مكسورة، أو تنفتح فرصة، أو تنجح خدمة، أو ينتهي صراع، أو يتحقق العدل. وما دام الطريق إلى ما نرجوه واضحًا، يبدو الرجاء ممكنًا. لكن السؤال الأصعب يظهر عندما يُغلق الطريق: ماذا نفعل عندما لا تتحقق النتيجة التي انتظرناها، أو تفشل المحاولات، أو لا يعود أمامنا الطريق الذي ظننا أننا سنسلكه؟

يقدم عالم النفس الأمريكي تشارلز سنايدر تصورًا مفيدًا للرجاء. فالرجاء، بحسب نظريته، ليس مجرد شعور إيجابي، ولا الاعتقاد بأن كل شيء سيكون بخير، بل هو تفكير موجَّه نحو هدف يقوم على عنصرين أساسيين: المسارات (Pathways)، أي القدرة على إيجاد طرق تقود نحو الهدف، والفاعلية (Agency)، أي الدافعية والشعور بالقدرة على السير في تلك الطرق والاستمرار فيها (Snyder et al., 2000; Snyder, 2002).

بعبارة أبسط، يحتاج الرجاء إلى ثلاثة أمور: هدف نسعى إليه، وطريق يمكن أن يقودنا نحوه، ودافعية تجعلنا نسير فيه. وتكمن قوة هذه الفكرة في أن إغلاق طريق لا يعني بالضرورة انتهاء الهدف. فالإنسان صاحب الرجاء لا يقول فورًا: "فشل هذا الطريق، إذًا انتهى كل شيء"، بل يسأل: "هل يوجد طريق آخر؟"

عندما لا يكون هناك طريق واحد فقط

كثيرًا ما نربط رجاءنا بمسار واحد فقط. نقول في داخلنا: إذا حدث الشفاء، فالله استجاب. إذا نجحت الخطة، فالله معنا. إذا عادت العلاقة، فهناك رجاء. وإذا لم يحدث ذلك، نشعر وكأن الرجاء نفسه قد انهار.

لكن نظرية سنايدر تذكّرنا بتمييز مهم: الطريق المسدود ليس بالضرورة نهاية الرجاء. فقد نحتاج إلى البحث عن طريق آخر، أو إلى إعادة النظر في الهدف نفسه، أو إلى تقسيم الهدف الكبير إلى خطوات أصغر. فبدلًا من السؤال: "كيف أحل كل هذه المشكلة؟" يمكن أن نسأل: "ما الخطوة التالية التي أستطيع القيام بها؟"

وهذه الفكرة مهمة في الحياة المسيحية أيضًا. فكثير من الأهداف الروحية تبدو كبيرة: أن أغفر، أن أتصالح، أن أحب، أن أثق بالله، أن أقاوم الشر دون أن أتحول أنا نفسي إلى إنسان يكره.

لكننا لا نعيش هذه القيم دفعة واحدة. فقد يبدأ الغفران بالامتناع عن الانتقام، وتبدأ المصالحة بالاستعداد للاستماع، وتبدأ المحبة برفض تشويه صورة الآخر، ويبدأ الرجاء بالقيام من جديد بعد الخيبة. لسنا بحاجة دائمًا إلى رؤية خريطة الطريق كلها؛ أحيانًا يكفي أن نعرف ما الخطوة التالية التي يدعونا الله إليها.

لكن الرجاء المسيحي أعمق من ذلك...

مع أهمية نظرية سنايدر، لا يمكن أن نساوي بينها وبين الرجاء المسيحي. فالرجاء عند سنايدر يرتبط بقدرة الإنسان على تحديد هدف، وإيجاد طرق نحوه، وامتلاك الدافعية للسير فيها. أما الرجاء المسيحي فيبدأ من مكان أعمق. فالهدف في الرجاء المسيحي لا يبدأ بما أريد أنا أن أحققه، بل بما يريده الله وما يدعوني إلى المشاركة فيه. والغاية الكبرى ليست بناء المستقبل الذي أريده لنفسي، بل المشاركة في ملكوت الله: في عمله من أجل المحبة والحق والعدل والمصالحة والحياة. وفي ضوء هذه الغاية نفحص أهدافنا الشخصية، ونتمسك ببعضها، ونغيّر بعضها، وقد نتخلى عن بعضها الآخر.

لذلك لا يكون السؤال فقط: ما المستقبل الذي أريده؟ بل: ما الذي يريده الله، وكيف أشارك في عمل ملكوته في الظروف التي أعيشها؟ وفي مَن أضع رجائي؟

يقول صاحب المزمور" ارتجي الله" (مزمور 42: 5). لا يقول: ارتجِ قدرتك على إيجاد الحل، ولا ارتجِ أن الظروف ستتغير كما تريد، بل: ارتجِ الله. وهنا يظهر الفرق الجوهري. قد يرغب الإنسان في نتيجة معينة ويصلي من أجلها بإخلاص، لكن الإيمان لا يعني ضمان النتيجة التي نريدها.

بولس نفسه صلى ثلاث مرات لكي تفارقه "الشوكة في الجسد"، لكن ما طلبه لم يحدث. وكان جواب الرب له: "تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل"  (2 كورنثوس 12: 9). لم يُفتح الطريق الذي أراده بولس، لكن الرجاء لم يمت. لم تتغير ظروفه كما طلب، بل تغيّر فهمه لما يستطيع الله أن يفعله في وسط هذه الظروف.

ولهذا فإن السؤال المسيحي لا يكون فقط: كيف أصل إلى ما أريد؟ بل أيضًا: يا رب، إلى ماذا تدعوني في هذا الظرف؟ كيف أعيش دعوة الله وأشارك في ملكوته حتى عندما لا يتحقق ما أريد؟

من إيجاد الطريق إلى تمييز الطريق

هنا يمكن أن نعيد قراءة مفهوم المسارات عند سنايدر في ضوء الإيمان المسيحي. فإذا كانت الغاية الكبرى هي المشاركة في ملكوت الله، فلا يمكن فصل الطريق الذي نسلكه عن طبيعة هذا الملكوت. فليس كل طريق يوصلنا إلى ما نريده طريقًا ينبغي أن نسلكه. قد يصل الإنسان إلى النفوذ من خلال التلاعب، وإلى الأمان من خلال إقصاء الآخر، وإلى السلام من خلال إسكات المظلوم، وقد يحقق هدفه بالانتقام.

لذلك لا يكفي أن نسأل: "هل يوجد طريق آخر؟" بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل هذا الطريق ينسجم مع ملكوت الله؟ هل يعكس محبة الله والقريب؟ هل يحفظ الحق والعدالة؟ هل يصنع السلام دون أن يتجاهل الظلم؟ هل يجعلني أكثر شبهًا بالمسيح، أم يجعلني نسخة من الشر الذي أقاومه؟

وهكذا لا يعود مفهوم "المسارات" في القراءة المسيحية مجرد البحث عن طرق ناجحة لتحقيق أهدافنا، بل البحث عن السبل التي نستطيع من خلالها أن نشارك بأمانة في عمل ملكوت الله، حتى عندما تتغير أهدافنا وظروفنا.

نرى شيئًا من ذلك في أعمال الرسل 16. فقد حاول بولس ورفاقه الذهاب في اتجاهات معينة، لكن الأبواب أُغلقت أمامهم، ثم انفتح أمامهم اتجاه جديد نحو مقدونية. لم تكن دعوتهم قد انتهت لأن طريقًا أُغلق؛ بل احتاجوا إلى أن يميزوا اتجاهًا جديدًا للدعوة نفسها.

الرجاء ليس انتظارًا سلبيًا

أما العنصر الثاني عند سنايدر، الفاعلية، فيذكرنا بأن الرجاء الحقيقي يتحرك. فالرجاء المسيحي ليس انتظارًا سلبيًا لكي يقوم الله بكل شيء بينما نبقى نحن بلا فعل. يقول بولس: "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة" (فيلبي 2: 13). الله يعمل فينا، ولذلك نعمل.

لكن هذا يختلف عن القول: "كل شيء يعتمد عليّ" . فالفاعلية المسيحية لا تعني: أنا قادر على صنع المستقبل الذي أريده. بل تعني: بنعمة الله أستطيع أن أفعل ما هو مطلوب مني اليوم.

قد تكون هذه الخطوة أن أطلب مساعدة، أو أن أقول الحقيقة، أو أن أعتذر، أو أن أبدأ علاجًا، أو أن أرفض الانتقام، أو أن أصلي من جديد، أو ببساطة أن أستمر يومًا آخر.

الرجاء المسيحي لا يمنحنا السيطرة على النتيجة، لكنه يمنحنا سببًا للاستمرار في العمل حتى عندما لا نملك النتيجة.

ماذا عندما لا يوجد طريق آخر؟

هنا نصل إلى الحد الذي تظهر عنده المسافة بوضوح بين نظرية نفسية للرجاء والرجاء المسيحي.

ماذا عندما لا يكون هناك "مسار ب"؟ ماذا عندما يموت الشخص الذي صلينا من أجل شفائه؟ أو تنتهي العلاقة ولا يمكن استعادتها؟ أو يصبح المرض غير قابل للشفاء؟ أو يقع ظلم لا يمكن محو آثاره؟ أو يصبح المستقبل الذي أردناه مستحيلًا فعلًا؟

ليست كل مشكلة قابلة للحل بالإبداع أو بإيجاد مسار بديل. وأحيانًا لا يكون المطلوب إيجاد طريق جديد إلى الهدف القديم، بل قبول أن ذلك الهدف لم يعد ممكنًا، والبحث عن معنى واتجاه جديدين للحياة.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الغاية الكبرى قد انتهت. فقد يُغلق الطريق إلى هدف شخصي، بينما تبقى الدعوة إلى ملكوت الله مفتوحة أمامنا بصورة أخرى. قد لا أستطيع تغيير الظرف، لكنني ما زلت أستطيع أن أحب. قد لا أستطيع استعادة ما فقدته، لكنني ما زلت أستطيع أن أختار الحق. قد لا يتحقق العدل الذي انتظرته في الصورة التي تمنيتها، لكنني ما زلت مدعوًا إلى مقاومة الظلم دون أن أصبح أسيرًا للكراهية.

وهنا يصبح التمييز بين "الهدف" و"الغاية" مهمًا. قد تتغير أهدافنا، وقد يفشل بعضها، وقد يصبح بعضها مستحيلًا، لكن الغاية المسيحية الأوسع تبقى: أن نحيا كأناس ملكوت الله ونشارك في عمله في العالم.

وهنا يصبح الرجاء المسيحي مختلفًا بصورة حاسمة. فقد يفقد المؤمن الطريق الذي كان ينتظره، لكنه لا يفقد بالضرورة أساس رجائه ولا دعوته.

ولهذا يستطيع بولس أن يقول إن الضيقة تنشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً (رومية 5: 3–5). والرجاء هنا لا يأتي لأن الضيقة اختفت، بل ينمو في داخلها. فالرجاء المسيحي ليس دائمًا أن أرى كيف ستُحل المشكلة. أحيانًا هو أن أثق بالله مع أنني لا أرى حلًا لها.

وربما لا توجد صورة أوضح لهذا النوع من الرجاء من قصة الصليب والقيامة. في الطريق إلى عمواس قال التلميذان عن يسوع: ونحن كنا نرجو... (لوقا 24: 21). جملة قصيرة تحمل انهيار عالم كامل: كنا نرجو. لقد أصبح الرجاء في صيغة الماضي.

كان لديهما تصور لمستقبل معين، وكان لديهما طريق يتوقعان أن يأتي هذا المستقبل من خلاله. ثم جاء الصليب. مات يسوع ودُفن، وبدا أن كل الطرق أُغلقت.

لكن القيامة لم تكن مجرد العثور على طريق آخر نحو الخطة القديمة. لقد كشفت أن ما يستطيع الله أن يصنعه أكبر من المستقبل الذي كان التلميذان قادرين على تصوره.

وهنا نصل إلى ما يتجاوز نظرية سنايدر: الإنسان يستطيع أن يبحث عن طريق آخر عندما يُغلق طريقه؛ أما الرجاء المسيحي فيؤمن بأن إمكانات الله لا تنتهي عند حدود ما يستطيع الإنسان رؤيته أو تخطيطه.

وهذا لا يعني أن كل خسارة في حياتنا ستنعكس بصورة إعجازية، أو أن كل مريض سيشفى، أو أن كل علاقة ستعود، أو أن كل طريق مغلق سيفتح كما نريد. القيامة لا تعدنا بذلك. لكنها تعلن أن الموت والفشل والظلم لا يملكون الكلمة الأخيرة.

ولهذا جعل يورغن مولتمان الرجاء محورًا أساسيًا في فهم الحياة المسيحية. فالرجاء عنده يستند إلى وعد الله وإلى المستقبل الذي يفتحه وعد القيامة أمام الإنسان والعالم. ولذلك لا يدفع الرجاء المؤمن إلى الهروب من الواقع، بل إلى العيش والعمل في الحاضر على ضوء ما وعد الله به من حياة وتجديد وعدل (Moltmann, 2021).

ويربط ن. ت. رايت بدوره الرجاء بقيامة المسيح وبالخليقة الجديدة، بحيث تصبح أعمال المحبة والرحمة والعدالة في الحاضر ليست محاولات عبثية لإصلاح عالم محكوم بالفشل، بل مشاركة في عمل الله وإشارات إلى تجديد الخليقة الذي بدأ في قيامة المسيح (Wright, 2010).

عندما يُغلق الطريق

يمكننا إذًا أن نتعلم من سنايدر أن نسأل:

ما هو الهدف الذي أسعى إليه؟
ما هي الطرق الممكنة للوصول إليه؟
وما هي الخطوة التالية التي أستطيع القيام بها؟

لكن عندما نضع هذه النظرية في إطار الرجاء المسيحي، يتغير ترتيب الأسئلة نفسه. فالسؤال الأول لا يعود: "ما الهدف الذي أريده؟"، بل:

ما الذي يبنيه الله، وكيف يدعوني إلى المشاركة في ملكوته؟
ما الهدف الذي ينبغي أن أسعى إليه في ضوء هذه الغاية؟
ما الطرق التي تنسجم مع قيم هذا الملكوت؟
وما الخطوة التي أستطيع أن أقوم بها الآن بنعمة الله؟

بهذا المعنى، لا يبدأ الرجاء المسيحي من "مشروعي" ثم يطلب من الله أن ينجحه، بل يبدأ من ملكوت الله ويسأل: أين مكاني في عمل الله؟

وهذا لا يلغي أهدافنا الشخصية. فنحن نصلي من أجل الشفاء، والمصالحة، ونجاح الخدمة، وانتهاء الصراع، وتحقيق العدل. لكننا لا نجعل أي نتيجة من هذه النتائج هي الأساس النهائي لرجائنا. فهي أهداف حقيقية ومشروعة، لكنها تقع داخل غاية أكبر منها: أن يأتي ملكوت الله وأن تتم مشيئته "كما في السماء كذلك على الأرض" (متى 6: 10).

قد نحتاج أحيانًا إلى التخلي عن الهدف نفسه وإعادة اكتشاف ما يدعونا الله إليه. لكننا لا نضع ثقتنا النهائية في قدرتنا على إيجاد الطريق. وهنا ربما يكمن الفرق الأعمق بين الرجاء بوصفه قدرة نفسية والرجاء بوصفه إيمانًا. في نظرية سنايدر، يبدأ الرجاء بهدف أسعى أنا إلى تحقيقه، ثم أبحث عن المسارات والدافعية التي تساعدني على الوصول إليه. أما في الرجاء المسيحي، فأبدأ بملكوت الله غايةً كبرى، ثم أسأل: ما الهدف الذي يدعوني الله إليه؟ وما الطريق الذي ينسجم مع ملكوته؟ وما الخطوة التي أستطيع القيام بها بنعمته؟

قد يتغير هدفي،
وقد يُغلق الطريق الذي اخترته،
وقد أفقد مستقبلًا كنت أرجوه،
لكن دعوتي إلى المشاركة في ملكوت الله لا تنتهي بانتهاء ذلك الطريق.

الرجاء المسيحي لا ينكر الطريق المغلق، ولا يعد بأن كل باب سيفتح كما نريد. لكنه يرفض أن يجعل الطريق المغلق نهاية القصة.

لقد عرف الإيمان المسيحي قبرًا مغلقًا وحجرًا موضوعًا على بابه.

ثم جاءت القيامة.

 

المراجع

 

Moltmann, J. (2021). Theology of hope: for the 21st century. Scm Press.

Snyder, C. R. (2002). Hope theory: Rainbows in the mind. Psychological Inquiry, 13(4), 249–275.

Snyder, C. R., Ilardi, S. S., Cheavens, J., Michael, S. T., Yamhure, L., & Sympson, S. (2000). The role of hope in cognitive-behavior therapies. Cognitive Therapy and Research, 24(6), 747–762.

Wright, N. T. (2010). Surprised by hope: Rethinking heaven, the resurrection, and the mission of the church. Zondervan.

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع