• هل أثبت نظام الاستقلالية الكنسية المطلقة فشله؟! بقلم: بطرس منصور
هل أثبت نظام الاستقلالية الكنسية المطلقة فشله؟!  بقلم: بطرس منصور

يسود في أغلب الكنائس الإنجيلية الحرة في بلادنا والخارج نظام استقلالية الكنيسة المحلية المطلق. ان أساس اعتماد هذا النظام هو في سفر أعمال الرسل أي في تاريخ الكنيسة الأولى التي شهدت قرارات مستقلة لكل كنيسة محلية وأخرى. الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والبروتستانتية (من الخط الوسطي) تدّعي ان مشيئة الله للكنيسة هي في نظام كنسي مختلف في العهد الجديد (مثلاً هرمية في النظام او مرجعيات عليا أو وجود اجسام تُشرف على عمل الكنيسة المحلية). وطبعاً لكل واحد منهم إيجابيات وسلبيات بحسب السياق التاريخي والجغرافي والعلاقة مع السلطة في الدولة ونوعية المؤمنين والقيادة في الكنائس وغيرها.

المبدأ من وراء هذه الاستقلالية هو ان الله يكلم الجماعة في الكنيسة المحلية ككل وبهذا تكون هي سيدة قرارها بنفسها. أعضاؤها هم المقررون معا بإيحاء وارشاد الرب للجماعة.  لا يتحكم بها لا مطران ولا بطريرك ولا مجلس ولا مجمع ولا طائفة ولا سينودوس، ولكن الله هو الذي يقودها. انها الكنيسة المحلية المكونة من جماعة المؤمنين في مكان جغرافي محدد، وهي التي ائتمنها الرب على اسمه وخدمته. وما الروابط او المجامع التي تشترك الكنيسة في عضويتها وبالتالي في فعالياتها مع كنائس أخرى فما هي الا اطر طوعية للشركة والتعاون، يمكن الانضمام لها ويمكن تركها متى يحلو الامر للكنيسة المحلية. باختصار – لا تخضع الكنيسة المحلية كجماعة للمساءلة إداريا وماليا وروحيا أمام الكنائس الأخرى.

 

لن اخوض هنا بالسؤال حول مدى تطابق هذا النظام كمبدأ مع النموذج الذي قدمه الرب لتنظيم ومرجعية الكنيسة (إذا افترضنا انه أصلا اعطى نموذجاً لذلك). ولكني سأتطرق هنا للنتائج الوخيمة له في بلادنا، مما قد يوحي انه ليس النموذج المتفرد والوحيد الذي أراده الرب لكنيسته. واتساءل إذا أمكن ان نستخلص من النتيجة السلبية لانعدام هذه المرجعية في بلادنا انها كما يبدو ليست طريقة الرب ومشيئته لكنائس بلادنا او على الأقل انه نموذج يستوجب اجراء تعديلات عليه؟

في هذه العجالة سأشير باقتضاب الى جوانب في سيرورة الكنائس الانجيلية الحرة في بلادنا والتي تؤكد وللأسف الهشاشة الهيكلية الحالية وكون المرجعية شعاراً نرفعه ولكنه غير حقيقي. انه مبدأ نؤمن به ما دام ينطبق على الآخر. ونسرع لإلقاء وزره بعيداً عنا في اللحظة الذي نُطالب بكبح جماحنا.

 ان اغلب الكنائس الانجيلية في بلادنا ليست ذات بنيوية متينة وهي تحوي بضع عشرات قليلة من الأعضاء. الكنائس الكبيرة يراوح عدد أعضاءها المئة شخص. كما ان جزءاً من الكنائس لا تعتمد دستورًا لترتيب عملها. وإذا اعتمدته، ففي كثير من الأحيان لا تطبقه او تطبقه بشكل انتقائي، كما وأنها تفتقر للآليات لمعالجة أي خرق في الدستور او أي انحراف في العقيدة او في الحياة الشخصية لأعضاء الكنيسة وقادتها (من رعاة وقسوس وشيوخ وشمامسة وغيرها).

يزيد الطين بلة ان كنائسنا لا تعتمد في دساتيرها مرجعية متفق عليها في حالات الخلافات او الانقسامات او الانحرافات فيصبح الملاذ الوحيد هو قانون الجمعيات وما يقدمه من حلول! بهذا ندوس كلمات الرب حين تكلم على لسان بولس الرسول لتخجيل الكنيسة عن الامر في اصحاح 6 من رسالة كورنثوس الأولى برمته: ايتجاسر منكم أحد له دعوى على اخر ان يحاكم عند الظالمين، وليس عند القديسين؟ (1 كور 6: 1).

عامل آخر هو طبيعة بلادنا كبلد يتمتع بحرية العبادة وسهولة المبادرة لكنيسة جديدة فيه. كما ان كون بلادنا محط انظار كنائس الغرب والشرق الأقصى والأموال المتدفقة منهم الينا – كلها تسهل رفض مبدأ المرجعية. أضف لذلك انه ولحداثة عمرها فان كنائسنا الانجيلية لا تتمتع بإرث انجيلي طويل الامد ومستمر يمكن الاستفادة منه لحياتنا الكنسية. فنفتقر بالتالي لخبرات وأسبقيات مفيدة لحياة كنسية غنية ومثمرة. ولا يمكن أيضا اهمال تأثر كنائسنا بالتوقير الشرقي التقليدي المبالغ فيه لرجل الدين وهذا أيضا لا يساهم في قبول المرجعية.

تتضافر كل هذه العوامل لتجعل مرجعية كنائسنا (متمثلة برعاتها او شيوخها او المتنفذين فيها) ركيكة للغاية.

هذه المرجعية الآيلة للسقوط تقود للأسف لحالات كنسية فردية محزنة. انها حالات مخجلة تسبب الأسى وكسر شهادة الانجيليين وتشويه صورتهم- والأنكى من ذلك- سببت عثرة للناس تمنعهم من الالتفات اصلاً للرسالة العظيمة التي ننادي بها.

ان النظام الحالي من المرجعية الداخلية شبه المعدومة وحتى المرجعية الخارجية المهزوزة- يستوجب فحص الذات ودراسة الموضوع بانفتاح وشفافية لأجل وضع خطة لتغييره لكي نحمي كنائسنا واسمنا، والاهم- اسم الرب الذي دعينا عليه.

فهل من مجمع او هيئة او شخصيات انجيلية تقف في الثغر؟ هل من شجعان يأخذون الامر بجدية ويطالبون بالتغيير؟