كثرت النقاشات والتساؤلات حول اللاهوت الفلسطيني خلال السنوات الماضية، وبشكل خاص بعد أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣. وقد انتقد وهاجم عدد من القيادات المسيحية العربية هذا اللاهوت، رافضين فكرة وجود لاهوت يمكن أن يُسمّى “فلسطينياً”. ويطرح هؤلاء تساؤلات عديدة: هل يبتدع اللاهوتيون الفلسطينيون لاهوتاً جديداً؟ أم أنهم يقدمون قراءة متجذّرة في الكتاب المقدس وملتزمة بتعاليمه؟ وكيف يمكن فهم اللاهوت الفلسطيني؟ ولماذا يُساء فهمه أحياناً؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ أولاً من توضيح مفهوم اللاهوت نفسه: ما هو اللاهوت؟ وهل يمكن أن يتشكّل لاهوت في سياق ثقافي أو تاريخي معين؟ وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى فهم طبيعة اللاهوت الفلسطيني والاعتراضات المطروحة عليه.
ما هو اللاهوت؟
يُعرَّف علم اللاهوت بصورة عامة بأنه العلم الذي يدرس الأمور المتعلقة بالله، أو البحث المنظّم في طبيعة الله وصفاته وأعماله. ويعرّفه بعض الباحثين أيضاً بأنه التحليل المنهجي لطبيعة الله وعمله في العالم. [1] تاريخياً، لم يرد مصطلح “لاهوت” في نصوص الكتاب المقدس، بل تطوّر في إطار الفكر المسيحي لدى آباء الكنيسة. ويُعدّ القديس كليمنت الإسكندري من أوائل من استخدم المصطلح للدلالة على اللاهوت المسيحي، إذ كتب في نهاية القرن الثاني الميلادي مقارنة بين اللاهوت المسيحي والأساطير الوثنية.[2] وقبل أن تتفق الكنيسة على قانونية الأسفار المقدسة في مجمع قرطاج سنة ٣٩٧م، اعتمد آباء الكنيسة على التقليد الشفوي المتناقل من الرسل، إضافة إلى المخطوطات المتاحة لديهم، في صياغة الفكر اللاهوتي المسيحي. ومنذ القرون الأولى للمسيحية، ظهرت مدارس لاهوتية متعددة تشكّلت ضمن سياقات جغرافية وثقافية مختلفة، مثل مدارس الإسكندرية وأنطاكية والرها وقرطاج وغيرها. وفي الوقت الذي اتفق فيه المسيحيون على العقيدة الأساسية للإيمان الرسولي، التي أُقرت في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، تنوّعت اجتهاداتهم في تطوير الفكر اللاهوتي. وهنا ينبغي التمييز بين العقيدة واللاهوت. فالعقيدة تمثل جوهر الإيمان الذي تشترك فيه الكنيسة، أما اللاهوت فهو الجهد الفكري الذي يبذله المؤمنون لفهم هذه العقيدة والتعبير عنها في سياقات مختلفة. يوضح الأب الدكتور رفيق خوري هذا التمييز بقوله:
العقيدة لا تتغيّر ولا تتبدّل.. ولكن الأمر مع اللاهوت يختلف. فاللاهوت هو الجهد الذي يبذله الكائن البشريّ المؤمن كي يفهم، بقواه العقلية، واستناداً إلى الكتاب المقدّس والتقليد الحيّ في الكنيسة، والعقائد التي أوحي الله بها، فيقدّمها على أنّها لا تتناقض مع العقل البشري ولو أنها تفوق إدراكه. فالعقيدة لا تتغيّر، أمّا اللاهوت تتغيّر ويتعدّد. [3]
يحدد خوري عناصر أربعة يقوم عليها اللاهوت: (١) الكتاب المقدس، (٢) التقليد الحي للكنيسة، (٣) والعقائد المسيحية الثابتة، (٤) تقديم فهم يتوافق مع المنطق البشري. ولعل من الأهمية بمكان التركيز في هذا المقال المحدد على مركزية الكتاب المقدس في الإيمان المسيحي.
الكتاب المقدس: اللاهوت والسياق
يحتل الكتاب المقدس مركزية أساسية في الإيمان المسيحي، إذ يُنظر إليه بوصفه كلمة الله الحيّة. وكما يكتب الوحي في الرسالة إلى العبرانيين: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ." (عبرانيين ٤: ١٢)
إن الكتاب المقدس، ككلمة الله الحية، تخاطبنا وتتخاطب معنا، وفي أحيان كثيرة تُصارعنا ونتصارع معها. تُشجعنا كلمة الله على معرفة مشيئته الصالحة لحياتنا الفردية، وأيضاً لعائلاتنا ومجتمعاتنا ولبلادنا وعالمنا. كما تكلمنا لتعزينا وتشجعنا، هي توبخنا وتؤدبنا لكي نسير في بر الله كل في مكان وظروف (٢ تيموثاوس ٣: ١٦)، وهي أيضاً تخاطب وتوبخ وتعزي شعوباً في سياقاتها الحضارية والسياسية والاجتماعية الخاصة. وهنا يكمن جمال وعظمة الوحي الكتابي في الإيمان المسيحي، أن كلمة الله ليست حصراً بلغة معينة أو لشعب معين، إنما تملك القدرة على مخاطبة شعوب مختلفة وأن تعبر أزمنة وثقافات، وتتأقلم في سياقات دنما المساومة على الحق الإلهي. يكتب القس الدكتور يوحنا كتناشو،
يريد الله أن يشاركنا رسالته بطريقة نفهمها، لذلك تجسّد المسيح وصار بشراً في زمكانية (زمان ومكان)، محددة، أو سياق محدد. وقد جسدت الكنيسة الإيمان للصغار والكبار بلغة مفهومة وثقافة محلية. فلا تتغير الرسالة في جوهرها ولكنها تتجسّد في الثقافات المختلفة. [4]
إن السياقية، ليست ابتكاراً بشرياً وفلسفياً، إنما في الأساس هي عمل إلهي يعبر عنه التجسد. فالله الغير محدود والسرمدي، قد تجسد (يوحنا ١، ١ تيموثاوس ٣: ١٦، غلاطية ٤: ٤، فيلبي ٢: ٨)، أي ظهر في الجسد، سيق ذاته في زمان ومكان معين حتى نتلامس معه، ويختبر هو معنا ظروفنا. وكما أن كلمة الله الأزلية، يسوع المسيح قد تجسد في سياق تاريخي وحضاري معين، فإن الكلمة المكتوبة أيضاً قد كتب في سياقات تاريخية وحضارية وحتى لغوية مختلفة ومميزة. وبما أن كل من الكلمة المتجسدة والكلمة المكتوبة يعبرون في جوهرهم عن التسيق، فإن الكلمة المكتوبة قادرة على التجسد والتسيق، أي أن تخاطب كل شعب في سياقه الخاص. ويمكن لهذه الشعوب أن تطور فهماً وفكراً لاهوتياً يعكس سياقها، وكل سياق يشكل ويكتب ويطور لاهوتاً خاصاً به يتخاطب مع واقعه وحضارته وزمانه بما يتفق مع الإعلان الإلهي وروح رسالة الإنجيل.[5] فعندما يناقش اللاهوتي المصري العلاقة الإيمان المسيحي مع التراث القبطي فهو يقوم بلاهوت مصري، وعندما يقدم اللاهوتي اللبناني موقفاً من الحرب والأحزاب السياسية مثل حزب الله وحتى المسيحية منها فهو يقدم لاهوت لبناني. وعندما يقرأ اللاهوتي السوري سفر المراثي من تجربة الحرب القاسية متسائلا أين الله من الألم فهو يقدم لاهوت سوري. في نفس الوقت اللاهوت الغربي متشبع بالسياق الغربي وطريقة التحليل الغربي وحتى الأسئلة المطروحة هناك.
تستند اللاهوتيات السياقية في أسلوب تفسيرها وفهمها لكلمة الله والإعلان الإلهي على التجربة الإنسانية. ويتفاوت التفسير بين بعض المجموعات العرقية والطبقية الاجتماعية والسياسية ويبني كل منهم نظرة لله وفهماً لإعلانه بناءً على تجاربه وخبراته. لعل أقرب الأمثلة لذلك، وأكثرها وضوحاً، هو الواقع العنصري الذي اختبره ويختبره ذوي الأصول الإفريقية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن خلال سنين الاستعباد، فسر "الأسياد البيض" ذوي الأصول الأوروبية الكتاب المقدس بأسلوب يدعم استعلائهم العرقي واستعبداهم لذوي الأصول الإفريقية، بينما قرأ وفسر المُستعبدّين، ذوي البشرة السوداء، الإعلان الإلهي على أنه يدعم تحررهم من العبودية والسطوة العنصرية. ذات الخبرة، وعلى الرغم من خصوصيتها، أيضاً عاشها شعب جنوب أفريقيا. فقد استخدم المستعمرين والمرسلين الأوروبيين الكتاب المقدس لاحتلال الأرض، سرقة مواردها، واستعباد شعبها. وبينما يمكننا التأكيد أن الاستعمار والاستعباد بعيدان كل البعد عن رسالة وجوهر إنجيل المسيح، لكن هذا الأمثلة تقدم نموذجاً عن الاختلاف في تفسير الكتاب المقدس وعدم حيادية أي قراءة للكتاب المقدس. وهنا ينبغي التوضيح، أنه لسنوات عديدة، أعتقد البعض أن قرأتهم وتفسيراتهم للكتاب المقدس هي حيادية وموضوعية. لكن إن بحثنا عن تفسير أي نص كتابي، لوجدنا عدد هائل من الكتب والتفسيرات، مما يدلل على أن الحيادية والقدرة على استخراج تفسيراً واحداً للكتاب المقدس هو ادعاء في جوهرة إشكالي. فإن كان هنالك رأياً وتفسيراً واحداً، عابراً للحضارة والزمن، إذن ما الحاجة لكل هذه الكتابات والتفسيرات والعلوم اللاهوتية. يوضح كتناشو أن الاعتقاد بوجود قراءة حيادية وموضوعية
هي فلسفة تفسيرية خالية من الصحة. وهي نمط تفسيري ينتمي إلى نظرية المعرفة Epistemology التي سادت في أوائل القرن العشرين، عندما ظن الباحثون أن الجميع يستطيع أن يصل إلى نفس النتيجة إذا استخدم نفس الوسائل. وسرعان ما اكتشفوا أن هذا التوجه يشبه قصرا مبنيا من الرمال، ينهار أمام رياح الواقع. وخلافا لهذا التوجه، أدرك علماء اللاهوت المتبصرون والرشيدون أننا لا نستطيع أن ننظر إلى النصوص المكتوبة وتفسيرها بصورة متطابقة، عندما نقرُّ بتعددية الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي والديني للمفسرين والمفسرات. فقد تشكلت اختياراتنا اللغوية وقوالبنا الفكرية بثقافاتنا وصراعاتنا، وصُقلت باختياراتنا الفردية وانتماءاتنا الكنسية. [6]
ينبغي أن نتذكر أننا جميعنا بشراً، مخلوقين في زمان ومكان معينين، محدودين في فهمنا ومعرفتنا، ونتأثر في صقل شخصياتنا وآرائنا للعالم حولنا بتربيتنا وظروف نشأتنا. تلعب هذه العوامل دوراً في تشكيل قراءتنا وفهمنا للكتاب المقدس. كما أن واقعنا وظروفنا تجعلنا نبحث في كلمة الله عن إجابات لأسئلتنا. من هذا المنطلق فإن أي لاهوت مسيحي، مكتوب بيد بشرية، هو لاهوت سياقي.
اللاهوت السياقي الفلسطيني
بعد توضيحنا مفهوم اللاهوت والسياقية التفسيرية، يمكننا الخوض في كينونة اللاهوت الفلسطيني، كلاهوت سياقي، يحاور ويتحاور مع الله وكلمة الله من الواقع الفلسطيني بكل تحدياته. هو لاهوت يجتهد في محاولة إيجاد إجابات من كلمة الله على أسئلة الإنسان الفلسطيني. يأتي ذلك إيماناً بأن كلمة الله هي كلمة حية وفعالة قادرة أن تخاطب واقعنا ونسمع فيها كلمة الله لنا اليوم وهنا. يعرف منذر اسحق اللاهوت الفلسطيني على أنه "قراءة الكتاب المقدس بعيون فلسطينية وتفسيره في السياق الفلسطيني. إنه التكلّم عن الله ومع الله من قلب أرض الله، والتفاعل مع كلمة الله في الواقع الفلسطيني شعباً ومكاناً." [7]
كما يوضح إسحق، فإن كلمة الله هي مركزية ومنطلق اللاهوت الفلسطيني. إن السياق الفلسطيني ذات حساسية خاصة، فقد تم استخدام الكتاب المقدس لتبرير احتلال الأرض عام ١٩٤٨، طرد شعبها بما في ذلك خمسون ألف مسيحي/ة، وتدمير قرى مسيحية، إغلاق ما يقارب ٣٠ كنيسة على يد الاحتلال الإسرائيلي. لسنوات طويلة استخدم العديدين الكتاب المقدس كأداة استعمار وموت للإنسان الفلسطيني، بينما يحاول اللاهوت الفلسطيني أن يؤكد على كون كلمة الله ككلمة حياة ونعمة وعدالة وحرية.
الاعتراضات على اللاهوت الفلسطيني
ومع توضيح مفهوم اللاهوت الفلسطيني وكينونته، يمكننا الانتقال للاعتراضات على اللاهوت الفلسطيني وتوضيحها، وسأقوم بتصنيفها في ثلاث فئات: (١) اعتراضات بدوافع تفسيرية، (٢) اعتراضات بدوافع أيديولوجية، (٣) اعتراضات بدوافع مادية ومعنوية.
أولاً، الاعتراضات بدوافع تفسيرية
يعتقد البعض أن هنالك قراءة تفسيرية وحيدة للكتاب المقدس، وفي غالب ما يقصدون بذلك القراءة الحرفية. ومن هذا المنطلق يرفضون احتمالية وجود قراءات تفسيرية وسياقية متنوعة للكتاب المقدس. ويرتبط هذا التوجه أيضاً في كثير من الأحيان، في خلط البعض ما بين إسرائيل الكتابية وإسرائيل المعاصرة. بل ويعتقدون أن لإسرائيل المعاصرة مكاناً مميزاً في خطة الله الخلاصية، وبشكل خاص فيما يتعلق في آخر الأيام. يتجه أصحاب الاعتراضات التفسيرية إلى نقد ورفض اللاهوت الفلسطيني كونه يناهض استخدام الكتاب المقدس لدعم للاستعمار الإسرائيلي وأثاره على الأرض والإنسان. كما يحاول مؤيدي/ات هذا التوجه قراءة التاريخ المعاصر وتوقع المستقبل من خلال قراءات حرفية للكتاب المقدس، لا قراءة الكتاب المقدس في سياقه التاريخي. بذلك يتجاهلون المنطق التفسيري الذي يتطلب أن نفهم الكتاب المقدس في سياقه التاريخي والحضاري واللغوي، فالعديد من نصوص الكتاب المقدس كتب في إطار ولغة ليفهمها العالم القديم، فيها دروس إيمانية لنا، لكن لا يمكن فهما حرفياً في زمننا المعاصر. الكتاب المقدس ليس كتاب تاريخ، ولا كتاب نبوءات سياسية عن المستقبل، بل هو إعلان تعاملات الله الخلاصية في التاريخ.
يؤكد اللاهوت الفلسطيني على مركزية المسيح في القراءات التفسيرية للكتاب المقدس، لا على أي كيان سياسي أو كتابي أخر. إن المسيح وحده، كلمة الله الأزلية والأبدية المتجسدة، هو القادر على تفسير الكلمة المكتوبة، الكتاب المقدس وبشكل خاص العهد القديم. ألم يعلم يسوع تلميذي عمواس على انه التحقيق الكامل لما في الكتب والأنبياء (أنظر لوقا ٢٤)، والرسول بولس أيضاً أن كل الوعود تحققت في المسيح (٢ كورنثوس ١: ٢٠)؟ كما يشدد اللاهوتيين/ات الفلسطينيين/ات على أن الأرض لله (لاويين ٢٥ ومزامير ٢٤)، ليست لشعب دون آخر. أما فيما يتعلق في لاهوت آخر الأيام، فيركز اللاهوت الفلسطيني على الشهادة المسيحية وامتداد ملكوت الله في عالمنا الحالي، نعيش أخلاقياته اليوم وهنا، بينما نستعد لاستكمال الملكوت الأبدي.
ثانياً، الاعتراضات بدوافع أيديولوجية
إن الاعتراضات الأيديولوجية على اللاهوت الفلسطيني هي أكثر تعقيداً وتداخلاً، فهي عادة تجمع ما بين (أ) الإيمان بالصهيونية، (ب) الاعتقاد بالتفوق العرقي، (ج) كراهية المسلم. الدوافع المبنية على الإيمان بالصهيونية، تستند على الاعتقاد بأحقية اليهود الصهاينة الحصرية في أرض فلسطين. يرى البعض في إسرائيل، كدولة استعمارية، تقدماً حضارياً يماثل الغرب وقوة سياسية تسحق مخاوفهم من الإسلام السياسي. وذلك أيضاً مرتبط بفكرة التفوق العرقي، أي الاعتقاد أن الصهيونية كمنظومة غربية، قادرة على بناء دولة نظام وقانون وحضارة، بينما يعتقد أن العرب غير قادرين على إنتاج حضارة وبناء دول تمتاز بالالتزام بالقانون. بالإضافة لذلك، يمكن ملاحظة كراهية شديدة وحقد اتجاه المسلم، إما نتيجة لتخوف عقلاني عن خبرة سابقة كما حدث في العراق وسوريا وبلاد أخرى، أو نتيجة تأثر بالإعلام الغربي الذي يصور المسلم على أنه إرهابي متعطش للدماء فقط. يعكس ذلك أيضاً أن بعض المسيحيين العرب يرون في الصهيونية مخلصاً من الإسلام السياسي ومدخلاً للحضارة والتقدم.
رفض اللاهوت الفلسطيني الأيديولوجيات الاستعمارية والتفوق العرقي، بل يشدد على المساواة والعدالة، ليس كمفهوم سياسي بحت، إنما انعكاساً للرؤية والمشيئة الإلهية للبشرية والعالم. لم يطالب، بل ويرفض، كل اللاهوتيين الفلسطينيين ما يدعى بالعدالة العنيفة والانتقامية، إنما يتمسكون ويدعون لعدالة يمكن تسميتها "افتدائية" تدعو الظالم للتوبة وتطالب المظلوم بأن يرى صورة الله في ظالمه. كما يرفض اللاهوتيين الفلسطينيين فكرة الدولة الدينية، يهودية كانت أو إسلامية. تؤكد وثيقة كايروس
الدولة الدينية، اليهودية والإسلامية، تخنق الدولة وتحصرها في حدود ضيقة وتجعلها دولة تفضل مواطناً على مواطن وتستثني وتفرق بين مواطنيها. دعوتنا لليهود والمسلمين المتدينين: لتكن الدولة لكل مواطنيها مبنية على احترام الدين، ولكن أيضاً على المساواة والعدل والحرية واحترام التعددية، وليس على السيطرة العددية أو الدينية. (وقفة حق ٢٠٠٩، نقطة ٩-٣)
بكلمات أخرى، يطالب المسيحيين الفلسطينيين بدولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الجميع وتعامل مواطنيها بتساوٍ أمام القانون، رافضين فكرة "الذمية" إسلامية أو يهودية، لأنه وللآسف كل من القانون الأساسي الإسرائيلي والدستور الفلسطيني يعرفون الدولة بصيغة دينية. في الوقت ذاته، يرفض المسيحيون الفلسطينيون أن تصبح الكراهية دافعاً لتأييد الظلم، أو أن يكون الظلم مبرراً للكراهية والعنف. يركز اللاهوت الفلسطيني على وصية الله "أن تحب قريبك كنفسك" (لاويين ١٩: ١٨، متى ٢٢: ٣٩، مرقس ١٢: ٣١). المحبة التي تشمل الإسرائيلي اليهودي، والفلسطيني والعربي المسلم.
ثالثاً، الاعتراضات بدوافع مادية ومعنوية
آما بخصوص الاعتراضات بدوافع مادية ومعنوية، فهي الأسهل في تحديدها وتوضيحها. وهي متعلقة بشكل أساسي بمنافع مادية ومعنوية تدفع الاعتراضات على اللاهوت الفلسطيني. فقد استثمرت المؤسسات الصهيونية المسيحية والأمنية الإسرائيلية في منظومات تحاول تهميش وإسكات المسيحيين الفلسطينيين. إن المدفوعين في اعتراضهم بدوافع مادية ومعنوية، لا يملكون خلافاً فكرياً مع اللاهوت الفلسطيني مدفوعاً بتفسير معين للكتاب المقدس، ولا أيديولوجية معينة، إنما خوفاً من خسارة أو طمعاً بإمتيازات يمكن الحصول عليها، يشمل ذلك استفادة مادية من مؤسسات وكنائس صهيونية مسيحية، أو دعم معنوي، إما سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً. علاوة على ذلك، يحقق البعض -خاصة في الغرب- أرباحاً مادية مجزية من استثمارات في شركات الأسلحة والتكنولوجيا الحربية المتقدمة نتيجة استمرار الاستعمار الإسرائيلي وأساليبه العنيفة القمعية بحق الفلسطينيين.
الخاتمة
في الختام، ينبغي التوضيح أن اللاهوت الفلسطيني يعبر عن فهماً أصيلاً للكتاب المقدس، يستند فيه اللاهوتيين على مركزية المسيح في التفسير، وعلى رؤية ملكوت الله في الدعوة للعدالة والمصالحة. ومن الأهمية بمكان التنويه أن اللاهوت الفلسطيني يتحاور مع مدارس لاهوتية مختلفة حول العالم، وقد تأثر من بعضها، كما تأثرت كايروس فلسطين من لاهوتيّ جنوب أفريقيا، وقد يختلف عن البعض الأخر، مثل لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية. [8] وفي داخل البيت المسيحي الفلسطيني تتنوع الآراء في بعض القضايا واللغات في التعبير، إلا أن في الجوهر، يتركز اللاهوت الفلسطيني على الوصية الأولى: أن تحب الرب إلهك وتحب قريبك كنفسك. اللاهوت الفلسطيني ليس محاولة لاختراع إيمان جديد، بل محاولة لقراءة الإيمان المسيحي في سياق أرضه الأولى وشعبه الحي، حيث يُستعاد الإنجيل بوصفه رسالة حياة وعدالة ومصالحة لجميع الشعوب.
[1] McGrath, Alister E. Historical Theology: An Introduction to the History of Christian Thought, 2nd edition West Sussex: Wiley-Blackwell, 2013. 2.
[2] Ibid.
[3] رفيق خوري، اللاهوت المحلي الفلسطيني (١٩٦٧-٢٠١٧): رؤية شاملة (القدس: منشورات اللقاء)، ٤٤.
[4] يوحنا كتناشو، أرض المسيح: صرخة فلسطينية (بيت لحم: كلية بيت لحم للكتاب المقدس)، ١٣.
[5] Bevans, Stephen. Models of Contextual Theology. Maryknoll: Orbis, 1992.
[6] كتناشو، أرض المسيح، ١٣.
[7] منذر إسحق، "مقدمة"، مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار، ٢٠١٧)، ٩.
[8] Samuel J. Kuruvilla, Radical Christianity in Palestine and Israel: Liberation and Theology in the Middle East (London: I.B. Tauris, 2013); Brian Stanley, “Good News to the Poor? Theologies of Liberation in Latin America and Palestine,” in Christianity in the Twentieth Century: A World History, The Princeton History of Christianity (Princeton University Press, 2018).


RSS