• عيد عنصرة تشوبه العنصرية - بقلم: بطرس منصور
عيد عنصرة تشوبه العنصرية - بقلم: بطرس منصور

تزامن عيد العنصرة هذا العام مع تفشٍ خطير لفيروس العنصرية. لا بد ان القارئ يتساءل اذا كان اختيار هذا العنوان لمجرد التشابه اللفظي ام ان هناك فعلاً علاقة بين المصطلحين؟

ان مصدر الاسم "عنصرة" هو الكلمة العبرية עצרת أي "وقفة" او "عيد" بينما مصطلح "عنصرية" مختلف وهو اسم منسوب الى عنصر وهي من يتعصب لجنس او عنصر معيّن.

في عيد العنصرة يذكر ويتذكر المسيحيون ذلك الحدث العجيب الموافق عشرة أيام بعد صعود الرب الى السماء من جبل الزيتون. فيه نزل الروح القدس على التلاميذ والمريمات واخوة الرب على شكل السنة من نار. وبعد عظة الرسول بطرس الممتلئ من الروح القدس امام الجموع في اورشليم آمن ثلاثة آلاف نفس بالرب ليكونوا اول الاعضاء في كنيسة الرب الأولى. ترى الكنيسة ذلك اليوم أنه موعد تأسيس الكنيسة على الأرض بعد صعود الرب.

هكذا تصبح الكنيسة، وهي جسد المسيح والتي يمتلئ أعضاؤها بالروح القدس، ممثلة الرب على الأرض. هي صاحبة الارسالية وحاملة المشعل. ويرى العالمُ المسيحَ من خلالها!

من الجهة الأخرى- ومع عودة الحياة الى مجاريها وبانحسار فيروس الكورونا، عاد وانتشر فيروس العنصرية في بلادنا. وتجلى ذلك في الاستهتار بحياة المواطنين وسهولة الضغط على الزناد خاصة عندما ينحصر الامر بالعرب. فقبل حوالي ثلاثة أسابيع قتل رجال أمن شاباً عربياً يدعى مصطفى يونس من عارة في مدخل مستشفى تل هشومير في رمات غان بعد ان لم يمتثل للأوامر بالتوقف، علماً انه عانى من مشاكل نفسية كما أفادت الاخبار. فأطلقوا النار عليه واردوه قتيلا. تبع ذلك الحدث المأساوي بعد ثلاثة أسابيع تقاعس خفر السواحل وقوات الانقاذ في تجنيد قوات للبحث عن الفنان ايمن صفية الذي اختفت اثاره في البحر المتوسط بعد ان طالته الأمواج والتيارات بينما كان يسبح فيه. ويعزى التقاعس لكونه عربياً. كما ان الشرطة حررت المخالفات لسيارات الصيادين العرب الذين هبّوا من كل حدب وصوب مع معدّاتهم للمعاونة في ايجاد الشاب المفقود في البحر. ولم يقف الامر عند هذا الحد فقبل يومين أطلق رجال امن النار على شاب مقدسي اعزل يدعى اياد الحلاق يعاني من التوحّد لأنه استمر بالسير حتى لما طلب منه رجال الامن التوقف في مكانه فأصابوه بطلقتين في جسمه وقتلوه.

ولكن انظار العالم انصبّت على حوادث أخرى انتشرت ما وراء البحار. ففيروس العنصرية اللعين انتشر كانتشار النار في الهشيم في أمريكا التي ترزخ تحت حمل رضوض الكورونا. اذ قتل افراد الشرطة عدة شباب سود البشرة عُزَل دون أي استفزاز او مقاومة منهم. وأشهر القتلى جورج فلويد الذي التقطت الكاميرا سهولة وقساوة قتله من أعضاء شرطة انهالوا عليه وجلسوا فوقه حتى اختنق ولم يكترثوا لصرخات الاستغاثة المطالبة بالرحمة، دون جدوى. اثار المشهد المأساوي البشع جماهير السود في كل انحاء أمريكا ليصبوا جام غضبهم بالمظاهرات العنيفة التي قام المشاركين بها بإتلاف وتكسير الممتلكات العامة وبلطف الله لم يكن زهق للأرواح.

ما هو موقف كنيسة الرب التي تأسست يوم العنصرة من هذه العنصرية التي تميّز وتجحف بحق البريئين وبسهولة غير معقولة تضع حدّاً لحياتهم-لا لأمر الا للونهم او قوميتهم وجنسهم؟! ام ان الامر لا يعنيها؟

 بادئ ذي بدء، في يوم العنصرة نفسه اجتمعت شعوب مختلفة في اورشليم وعندما تكلم التلاميذ بالالسنة بعد نزول الروح القدس، سمع هؤلاء تمجيد الله –كل بلغته. أي ان في العنصرة نفسها تساوت الجموع والشعوب.

لكن الامر يتعدى ذلك، فالمساواة ورفض العنصرية محور اساسي في كلمة الرب. فلقد خلق الله الانسان-كل انسان مهما كان لونه وعرقه وجنسه- على صورته كشبهه (تك 1: 27). لحبنا لله ولتقديرنا لصورة الله في الانسان يتوجب ان نهّب لنندد بالعنصرية التي تميّز وتجحف بحق المختلف. كما اننا جميعنا ننحدر من آدم وحواء (تك 1: 28 واعمال 17: 26) أي اننا أولاد آدم وحواء فلماذا نتناحر ونعامل بعضنا البعض بالبغضة والعنصرية المقيتة.؟! أضف الى اننا نجد كلاماً واضحاً من الرسول يعقوب يدين به التمييز والعنصرية بالقول : "ولكن ان كنتم تحابون، تفعلون خطية، موبخين من الناموس كمتعدين." (يعقوب 2: 9).  وقد كتب بولس الرسول بالروح القدس كلاماً واضحاً ليؤكد مساواتنا الواحد للآخر: "ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وانثى، لانكم جميعا واحد في المسيح يسوع" (غلاطية 3: 28) وعاد على نفس المبدأ الهام في كولوسي 3: 11 ليؤكد بما لا يقبل التأويل ان الرب لا يقبل الوجوه (اع 10: 34).

منذ الفي عام قادت الكنيسة المجتمع في انحاء المعمورة دون استثناء في محو الاميّة، في تقديم الخدمات الطبية، في المناداة بحقوق الانسان، إرساء العدل وغيرها من قيم الملكوت. لكنها وللأسف اتخذت في فترات أخرى مواقف خاطئة (اما بالصمت او للأسف حتى بدعم فعّال) للحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وكبت النساء او تبرير العبودية.

كممثلة الرب على الأرض تحمل الكنيسة مسؤولية هائلة. يرى الناس اعمالها الحسنة ويمجدون اباها الذي في السماء او يسمعون لصمتها المجلجل امام العنصرية فيرذلون اباها الذي في السماوات. حين تصمت الكنيسة صمت القبور امام العنصرية فإنها تتجاهل وصية سيدها وتخلّ برسالتها.