• جنازة الأخ موريس جرجس - بقلم بدر منصور – ترجمة القس غسان خلف
جنازة الأخ موريس جرجس - بقلم بدر منصور – ترجمة القس غسان خلف

ولد الأخ موريس جرجس في 20 نيسان (أبريل) 1931، وانتقل إلى صدر الرب يسوع حبيب قلبه يوم السبت في 26 آذار (مارس) 2016. وأقيمت له خدمة الجنازة يوم السبت في التاسع من نيسان (أبريل) 2016، في مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا,. وفيما يلي مقتطفات من مقالة باللغة الإنكليزية كتبها الأخ بدر منصور، ونُشرت في موقع "تعال وانظر" www.comeandsee.com/view.php?sid=1310 يُسهب فيها بوصف وقائع الجنازة بقلمه الجميل:

"أتيت من موقع يبعد ساعتين بالسيارة في يوم عاصف لأحضر جنازة موريس جرجس، رغم أني قابلته في حياتي مرتين، ولا أعرف أحداً من أفراد عائلته. فما الذي يدفعني إلى حضور جنازته؟

صرف هذا الرجل من عمره ستين سنة يخدم إنجيل يسوع المسيح بغيرة قل نظيرها. كان وعظه على المنبر ملتهباً وثاقباً يصل إلى القلوب المتحجرة. جال في خدمته انطلاقاً من لبنان في مختلف بلدان الشرق الأوسط، وبخاصة مصر. ولمّا اضطر إلى الرحيل من لبنان في عام 1978 على أثر الحرب، أقام في الولايات المتحدة يعظ في الكنائس العربية فيها، وفي كندا. وكان يزور الشرق الأوسط بين وقت وآخر في رحلات تبشيرية. ودُعي الأخ موريس بحق  "بلي غراهم الشرق الأوسط".

 

ابتدأت خدمة الجنازة بقراءة المزمور 116. قام بقراءته فتى وسيم عمره عشر سنين، اسمه Maurice Spurgeon D’Alessandro  هو حفيد الأخ موريس من ابنته الصغرى كارين، واسم أبيه Ben D’Alessandro. سكن الأخ موريس قربهم في السنوات الأخيرة من عمره في تشارلوتزفيل.

 

أول من شارك في تقديم كلمة الله في الجنازة كان القس كيث سميث. هو صديق العائلة وراعي كنيسة الجامعة المعمدانية في تشارلوزفيل، حيث كانت كارين ابنة الأخ موريس تدرس في الجامعة، وتحضر الكنيسة. قال القس سميث ما عرفت قيمة هذا الرجل كواعظ قدير إلاّ مؤخراً، وثنّى كاهن قبطي وقف يدلي بشهادته عن الأخ موريس بقوله: "كان بيننا قائم لكن لم نكن نعرفه، أو نقدره حق قدره، مع أنه كان بركة عظيمة لمصر والشرق الأوسط". ونسأل فعلاً من كان هذا الرجل؟

 

بدأ موريس جرجس حياته بتعلم فنون المصارعة، ثم تحول إلى المصارعة الروحية. هل أفادته فنون المصارعة القتالية؟ يبدو أن الرب استخدمها لجذب النفوس إليه من خلال مصارعات الأخ موريس على المنبر، فأصبحت قصص المنابر التي تحطمت تحت قبضته الحديدية خلال وعظه الملتهب أشبه بالأساطير.

 

تمحور وعظ الأخ موريس في تجواله التبشيري حول بشاعة الخطيئة، ورهبة الموت، ورعب الدينونة، وهول الجحيم. وفي نهاية كل عظة من هذه يقدم دعوة للخلاص منها بيسوع المسيح المخلص والفادي العظيم. كان لدى الأخ موريس عظة شهيرة هي "لورُحامه" ولورُحامة كانت ابنة النبي هوشع، ومعنى اسمها "لا أعود أرحم". وكان الأخ موريس تقريباً في خاتمة كل حملة تبشيرية يعظ هذه العظة ويصرخ: لورُحامه، لا أعود أرحم! كانت ركب الناس تسطك عندما يصرخ هذه الصرخة، فتلين القلوب المتقسيّة وتطلب الناس الرب بدموع.

 

يصف الأخ موريس نفسه بأنه تحوّل من يوحنا المعمدان، كما كان في شبابه، إلى يوحنا الحبيب، الواعظ الناضج، في مشيبه. عندما سمعته يعظ في سان فرانسيسكو عام 1996، كانت رسالته مليئة بجمال يسوع، عوضاً عن بشاعة الخطية. ترى من هو هذا الإنسان القادر أن يتكلم عن تداعيات الخطيئة، وفي الوقت نفسه، وببلاغة عالية، عن محبة المسيح.

 

صعد إلى المنبر متكلم آخر هو القس إسبر عجاج، راعي الكنيسة المعمدانية العربية في العاصمة الأميركية، واشنطن. تحدث عن الأخ موريس وسمعته العطرة كواعظ مبشّر مكرس لخدمة الإنجيل، والمتواضع الذي لا يطلب شيئاً لنفسه. واقتبس ما جاء في كتاب الجامعة: السمعة الحسنة خير من العطر الطيّب، ويوم الوفاة خير من يوم الولادة (جا 7: 1).

 

وآخر من شارك في الكلام، كان القس فخري يعقوب، وقد وصف نفسه بالتلميذ الأخير للأخ موريس. هو راعي الكنيسة الإنجيلية العربية في ريتشموند، في فرجينيا. قال: ذات مرة منذ سنوات كانت الكنيسة التي يرعاها تقوم بإجتماعات انتعاشية، وفي الوقت المعين لم يأت الواعظ المدعو. وفي وسط الارتباك الحاصل، ذكر أحدهم الأخ موريس كواعظ بديل رغم مرضه وشيخوخيته. ولما اتصلنا به قبِل أن يساعدنا رغم حالته. وقف الأخ موريس وألقى عظته، كان الضعف وارتعاش اليد بادياً عليه. وقدّم الأخ موريس الدعوة للخلاص في نهاية عظته، وطلب من كل راغب أن يعطي حياته للمسيح أن يقف في مكانه ليصلي من أجله. وأنا راعي الكنيسة، وكان الأخ موريس لا يعرفني، كنت أفكر أن أقف أنا بذاتي لألبي دعوته حفظاً لماء وجه هذا الواعظ الوقور الذي يكلل الشيب رأسه، فيما لو لم يقف أحد. ولكن، يا لدهشتي، عندما رأيت 27 شخصاً يقفون تلبية لدعوته في تلك الليله، ويصلون معه طالبين خلاص المسيح!

 

قال القس فخري هذا عن الأخ موريس، وأشار بيده إلى الشاشة خلفه، فإذا بها تفتح، ويظهر فيلم لدقائق يعظ العظة التي أشار القس فخري إليها. بدا الأخ موريس متماسكاً رغم سنه ويده المرتعشة، ولكن صوته كان يدخل الأعماق لأنه يصدر من قلب مقتنع بشدة بما يقول. فشعرت بروعة الآية الواردة في الرسالة إلى العبرانيين: "وبالإيمان، وإن مات، فهو لا يزال يتكلم" (عب 11: 4)

 

ما كانت جنازة الأخ موريس مأتماً للنوح، بل كانت إجتماعاً انتعاشياً. نلت بسبب الجو الروحي العميق الذي ساد المكان تعزية غامرة. اشترك بالترنيم الأخ فارس أبو فرحةـ والأخ المرنم نجيب لبيب، المحارب القديم، رفيق الأخ موريس في الكثير من النهضات في الشرق الأوسط وفي أمريكا.

 

كات الأخ موريس جرجس اللبناني في أرض غربته في أمريكا. بلغ عدد الحضور في مأتمه نحو مئتين من الأصدقاء والأحباء. ولو كان مأتم الأخ موريس في لبنان، أو في أسيوط في صعيد مصر، لتجمّع الآلاف للتعبير عن حبهم له.

 

كثيرون يشيرون إلى أن مولدهم الثاني في المسيح خدث خلال إجتماعات الأخ موريس. وأنا شخصياً جئت للإيمان بالمسيح خلال وعظه في كنيسة الناصرة المعمدانية عام 1983. وإذا سأل أحدهم، مِن الذين لا يعرفونه، مَن هو هذا الرجل؟ أجيبه: إنه أبي الروحي!"

 

ترجمة وتحرير القس غسان خلف

نشر هذا المقال في كتاب "الأخ موريس جرجس – سيرة في كتاب" من اصدار جمعية بيت ايل 2017