• أفكار في الانتخابات من المنظار كتابي - بقلم: بطرس منصور
أفكار في الانتخابات من المنظار كتابي - بقلم: بطرس منصور

أهمية الموضوع

موضوع المؤمن والسياسة يشغلني وكتبت على هامشه وشاركت عنه في ندوات من 35 عام عالاقل ولكن اول مرة اشاركه بالذات عن الانتخابات وفي عظة في كنيسة وبالأخص يومين قبل يوم الانتخابات.

هذه عظة اشعر باني سأشاركها كالبهلوان الذي يسير على حبل في السيرك، ولكني احسست انه يتوجب القيام بذلك. ساقدم المبادئ العامة التي قد تكون مفيدة في ضوء كلمة الله ونوره. لن ادعو طبعا للتصويت لحزب ما لكن سنضع المبادئ الكتابية والتطبيق العام عليها.

لن ندخل في متاهات الأحزاب المتنافسة ونتناقش الاجندة عندها وسياساتها وشخصياتها اذ لكل منا رأي.

الوعظ هو دراسة كلمة الله وتفسير معناها اخذًا بعين الاعتبار معاني ما فيها وتفسير آياتها على ضوء سياقها الصحيح بحسب روح الانجيل وبعدها يتم تطبيقها على موضوع معين في سياق حياتنا اليوم. من هنا فان الفهم يختلف بين شخص وآخر لفهم المعنى الأصلي وأيضا يختلف فهم سياق حياتنا كمسيحيين عرب فلسطينيين في إسرائيل. لذا فان فهم الآيات بالسياق وبروح الانجيل والواقع قد يكون متباينا او منقوصا وهكذا يكون الاستنتاج مختلف بين شخص وآخر.

لكننا نتكل على الروح القدس لارشادنا وهو ويقودنا بواسطة كلمته.

بكل الأحوال – اعتقد ان ثقافتنا الكنسية يتوجب ان تكون منفتحة لطرح مواضيع شائكة وذات انفتاح للقبول واستماع البعض للآخر حتى في مواضيع حساسة مثل الانتخابات..

ان رغبتنا هي ان نسعى لنفكر معا ونسعى معا لارضائه في أمور الحياة الشائكة. فلقد قال لنا الرب: "عيشوا كما يحق لانجيل المسيح"

ضعنا نضع الأمور في نصابها الصحيح من حيث المبادئ الكتابية التي تحكمنا حين ندرس هذا الامر نظرا لحساسيته:

نعيش لكي نرضيه: عيشوا كما يحق لانجيل المسيح (فيلبي 1: 27)

بينما نعيش في العالم يتوجب ان نتعلم كيف نعيش بحسب فكر الله ومبادئه... نتحدث عن موسيقى الروك وتأثير منصات التواصل الاجتماعي والهوية الجنسية والاجهاض او القتل بدافع الرحمة وتأثير المال وغيره، مثلها ايضًا يتوجب ان نتحدث عن مواضيع تختص بالسياسة. فالسياسة تتعلق بتنظيم حياتنا الاقتصادية والعلاقاتية العامة وسياسة الدولة مع جيرانها ومع الفقراء وبين المجموعات القومية وغيرها.

آيات موجهة للموضوع من ضمن أخرى:

"واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم اليها وصلّوا لاجلها الى الرب لانه بسلامها يكون لكم سلام".(ارميا 29: 7)

"فاطلب اول كل شيء، ان تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لاجل جميع الناس، لاجل الملوك وجميع الذين هم في منصب، لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار" (1 تيم 2: 1)

" امتحنوا كل شيء. تمسكوا بالحسن" (1 تس 5: 21)

هل صحيح ان نصوّت أصلا؟

 الذين لا يصوتون هم عدة فئات:

  1. لاسباب "روحانية "- لسان حالهم يقول "لا نريد ان نتلطخ بالعالم. لنا وطن سماوي". جوابنا هو: ولكن الرب لم يأخذك اليه مباشرة بعدما آمنت و لديك مواطنة أرضية وواجبات تجاها، مثلما عندك مواطنة سماوية. انها روح تقوقع وانسحاب من العالم وبهذه الحال يضعف تأثيرنا الي طلبه الرب منا.

انهم يقولون "اننا لا نتدخل بالسياسة" ولكن جوابنا هو ان عدم التدخل هو موقف مؤيد للوضع القائم وتحييد النفس من اتخاذ القرار. اليس من الافضل انك انت وعندك روح الرب وكلمته وقيم الملكوت ان تبدي رأيك وتساعد مجتمعك ان يكون اقرب لما يريده الرب من ان يقرر ذلك آخرون

2. اعتبارات عدم الاعتراف بالدولة والمؤسسة – انه موقف يحتوي إشكالية لأن المتمسك بها يسكن ويسافر بالجواز الاسرائيلي ويشترك بمناحي حياة عديدة كثيرة لها علاقة بمؤسسة الدولة.

3. موقف اللا مبالاة – لا يليق بالمؤمن. فنحن جديّون بايماننا وبأمور حياتنا.

4. موقف آني بسبب يأس من الأحزاب او من تصرفات قادتها ولكن هل انت متأكد ان البديل سيكون افضل؟

ساتطرق للامتناع او المقاطعة:

هناك موقفين متشابهين ولكنهم يأتون من منبع مختلف كثيرا: الامتناع عن التصويت... المقاطعة.

بالحالتين: النتيجة واحدة وهي اختزال هذا الصوت. ترك الآخرين ان يقرروا. أي انه دعم للموقف العام المتكون من أحزاب من كل الدولة والنتيجة التي تظهر عندهم.

 

بعدما قررت التصويت:

اما اذا قررت انه واجبي ان اصوّت فيطرح السؤال ما هي اعتبارات اختيار الحزب؟ وعادة الاعتبارات تكون  1-الشخصيات 2- اداءها 3- ايديولوجيتها وفكرها 4- إمكانيتها التأثير- وتختلط هذه باعتبار إمكانية النجاح وعبور نسبة الحسم حتى ربما اتنازل عن حزب معين واصوّت لحزب آخر اقل احتمالا لعبور نسبة الحسم، ولكنه ليس الأقرب فكريا.

ان هذه الاعتبارات هي خليط وكل مواطن يجد التوازن بينها بحسب فهمه وتكوين شخصيته. فهناك مثلا من يضع التشديد على الفكر وآخرون على نموذج حياة الشخصيات المرشحة وغيرها.

الصوت هو مورد وامانة اعطاك إياه الله. ماذا تعمل به؟ يقول الكتاب "من يعرف ان يعمل حسنا ولا يعمل فذلك خطية له" (يعقوب 4: 17).

العالم ساقط ولا توجد قائمة فائقة الصلاح  ولكن هناك تفاوت بالخير الذي قد يأتي من هذا الحزب او ذاك مع العلم ان بعض الأحزاب سيكون الخير منها شبه معدوم.

كما ان واجبك هو العمل في ملكوت الله. واجبك ان تساهم في قيم الملكوت. هل واجبنا ان نترك العنصرية والحرب الاهلية والظلم تشتعل في بلادنا؟ هل هذا مفيد لملكوت الرب وكنيسته؟ هل هذا قلب الله؟ كما ان واجبك ان تغيّر الثقافة العامة في البلد لتكون اكثر شبها وتقبلا لرسالة الانجيل.

يريدك الله ان تكون وكيل للخير. هل نشك ان الله يطلب منا ان نعمل الخير:

لان هكذا هي مشيئة الله: ان تفعلوا الخير فتسكتوا جهالة الناس الاغبياء (1 بطرس 2: 15)

ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لانه بذبائح مثل هذه يسر الله. (عبرانيين 13: 16)

أحيانا نعمل الخير بيدنا (تساعد شخص مسن ان يقطع الشارع) او أحيانا تقدم الأموال لشخص ليعمل الخير... بكلمات اخرى انت تستخدم مواردك لاجل غيرك او "تقنع"  او "تمون" على شخص  ان يعمل خير (المورد هو علاقتك مع الشخص الذي تمون عليه)... وبذات الطريقة- تقدر ان تستخدم صوتك لاجل خير البلد وسلامها عن طريق اختيار ممثلين لك يسعون للخير

فكر المرشحين

احد الاعتبارات في اختيار الحزب الذي سادعمه هو برنامجه وفكره. انها تتوحد في مبدأ واحد ومنه نشتق عدة مجالات التي يتوجب النظر اليها حين ادرس الفكر:

لنفهم مغزاها نعود لوصية الرب "تحب قريبك كنفسك" (متى 22: 39) وهي احدى العامودين لكل ايماننا. الأولى هي "تحب الرب الهك...". هذه طبعا أساسية ولكن لا يقلل من قيمة الثانية اذ يقول "والثانية مثلها". اعتقد ان الثانية (محبة القريب) لا محالة مرتبطة بالاولى (محبة الله). 1 يو 4:  20 ان قال احد:«اني احب الله» وابغض اخاه، فهو كاذب. لان من لا يحب اخاه الذي ابصره، كيف يقدر ان يحب الله الذي لم يبصره؟

سافهم محبة القريب حين افهم محبة نفسي ومن المفروض ان يكون ذلك سهلًا لأنه يخصني شخصيًا كما يخص كل واحد. ولقد أوضح الرب بما لا يقبل التأويل من هو "القريب" بتقديمه لمثل "السامري الصالح" (لوقا 10: 25-37). في هذا المثل – يقوم سامري بالاعتناء بيهودي هاجمه اللصوص ورموه على قارعة الطريق ملطخًا بدمائه في الوقت الذي استعرّت العداوة اللدودة بين شعبيهما. بكلمات أخرى- واجب المسيحي ان يحب الجميع وهذا يشمل "العدو".

ولكن كيف "تحب نفسك" لكي نقدر ان نشبّه محبتنا للآخرين بها، كما يطلب الرب؟ ان محبتنا لأنفسنا تتجلى باهتماماتنا بحاجاتنا وسعينا لمصلحتنا حتى لو غضبنا من أنفسنا لهفوات او سقطات اخطأنا بها. اننا لا نيأس من أنفسنا بل نمنحها فرصة أخرى.

بكلمات أخرى- اذا شئت ان اخضع لهذه الوصية الرئيسية وان اصوّت بحسبها، فعليّ ان احب أبناء شعبي والشعب اللآخر في البلد،  وابغي خيرهم. لكن ما هو ذلك الخير؟ هل هو تدليلهم واغراقهم بالأموال مثلاً او منحهم تصريحًا للاستباحة او لفعل ما شاءوا؟ ام هو تغذية ما يرفع معنوياتهم وتملقهم؟ ان هذا لربما يفرحهم لكنه ليس في مصلحتهم. ما هو معيار ذلك الخير؟

ان معيارنا لمعرفة مصلحة الانسان هو حالة الانسان الأول عند خلقه، اذ الله خلق الإنسان على صورته كشبهه (تك 1: 27). يتوجب ان نبحث عن من يسعى لكي يقدم الانسان في بلدنا (كل انسان) كصاحب كرامة واحترام وحقوق- هذا هو القصد الأساسي للخلق. ان الخير المطلوب منك لكي تمنح غيرك العيش الكريم هو ان تعيد لقريبك صورة الله التي فيه.

من المهم اننا لا نفكر فقط بشكل فردي ولكن أيضا جماعي. فهناك حقوق للشعوب فانا اريد ان ترجع صورة الله في حياة شعبي والشعب اليهودي والفلسطينيين في الضفة، وكل من لنا علاقة معه في هذه البلاد. كما ان هناك مجموعات أخرى لها حقوق مثل العمال او الفقراء وغيرها لكن سآتي هنا بذكرها فيما هنا كحقوق فردية.

وكيف نفصّل هذه المحبة للقريب؟ لقد قسمتها ما بين الحقوق التي تمنح حرية وبين الحقوق في حماية من اذى او انتهاك. يذكر انهما وجهان لنفس الحقوق ولكن التقسيم قد يساعدنا على فهمها.

هناك حريات أخرى- اقتصادية وبيئية لم اذكرها هنا. مثل حق التعلّم او حق التنظم كنقابة وغيرها.

يتوجب ان نفحص من ينادي بهذه القيم وليس كشعارات فقط، ولكن فحص تاريخ الأشخاص والأحزاب في المواقف المختلفة.

1- حقوق الانسان في حريته:

انه الحق للفرد ان يتكلم ويكتب ويعبر ويعبد الله ويبشّر ويعيش بكرامة دون قمع وان يسافر.

الحرية الدينية بالذات مهمة لنا كانجيليين . من يريد تقييد حريتنا (وعملية حرية أي شخص للعبادة بحسب دينه)- لا يصلح ان نصوّت له.

لقد تعامل الرب بالرحمة مع الأقل حظًا وطلب ان نتعامل معهم بذات الطريقة أي ان نقدم لهم الحقوق الأساسية:

"روح الرب علي لانه مسحني لابشر المساكين ارسلني لاشفي المنكسري القلوب لانادي للماسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية" (لوقا 4: 18)

 قد اخبرك ايها الانسان ما هو صالح.وماذا يطلبه منك الرب الا ان تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع الهك (ميخا 6: 8)

2- حقوق الانسان في حمايته:

حقوق الانسان في خصوصيته...حماية جسده ( وهذا امر هام اذ نتكلم عن القتل في مجتمعنا)

حماية الجسد ( وعلاقتها بالإجهاض)

 

3- المساواة: نحتاج أحزاب بعيدة عن الاستعلاء العرقي ..."ليس يهودي ولا يوناني... ليس عبد ولا حر.. لا غني وفقير... لا قهر ولا اضطهاد".

حتى في العهد القديم وفي الشريعة الموسوية يتحدث عن المساواة:

" حكم واحد يكون لكم.الغريب يكون كالوطني.اني انا الرب الهكم" (لاوين 24: 22)

"ولا تظلموا الارملة ولا اليتيم ولا الغريب ولا الفقير ولا يفكر احد منكم شرا على اخيه في قلبكم". (زكريا 7: 10)

أي حزب يكرس التفرقة بشكل مباشر او غير مباشر- بين العربي واليهودي ، بين الرجل والمرأة، بين الفقير والغني – مرفوض.

 

للتلخيص-  يتوجب ان نصوّت ونستغل الأمانة التي أعطيت لنا ونبحث عن الحزب الذي هو اقرب ما يمكن لمنح المحبة للقريب كالنفس والذي يسعى بمبادئه عالاقل ليرجع صورة الله بالإنسان بان يمنحه الكرامة الإنسانية الأساسية.

ان كل اهل بلادنا ومن تحت سيطرتها في الضفة وغزة يستحقون هذه الكرامة.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع