هذه الدراسة الثانية التي قدّمتها مؤخراً في أحد صفوف مدرسة الأحد للبالغين بكنيسة Lake Avenue ، في مدينة بسادينا بجنوب كاليفورنيا
تأملنا في الدراسة السابقة عن مميزات عهد الناموس. وأنه كان عهداً مشروطاً ومؤقتاً، وعهد معرفة الخطيّة، وكشف مدى عجز الإنسان عن فعل الصلاح. وأنه عهد الحرف، وعهد الموت والدينونة واللعنة، وعهد الرمز أي شبه السماويات وظلّها.
سنتأمل اليوم في العهد الجديد الذي هو أيضاً عهد النعمة. وعلينا أن لا ننسى أن دراستنا تستند على العدد الذي اقتبسته من بشارة يوحنا، الأصحاح الأول، العدد 7: "لأن الناموس بموسى أٌعطي. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا."
لقد أُعلن العهد الجديد عندما اجتمع الرب يسوع المسيح مع تلاميذه عند العشاء الأخير، "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسّر وأعطى التلاميذ وقال: "خذوا كلُوا هذا هو جسدي". وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: "اشربوا منها كلُّكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا"(بشارة متّى26:26-28).
سؤال: ما هو الفرق بين كيفية إعطاء الله للناموس في العهد القديم وتقديم الرب يسوع المسيح للعهد الجديد؟
1: نجد فرقاً شاسعاً بين منظر الله في الجبل عندما أعطى الله الناموس لموسى، وبين تقديم المسيح لتلاميذه العهد الجديد.
2: هنا يعلن الرب يسوع أن هذا العهد الجديد سيكون عن طريق كسره لجسده وسفكه لدمه، من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا.
3: هذا يؤكد أن أساس العهد الجديد يتعلّق بالله وليس بالإنسان. فالله هو المبادر بعمل الفداء وما على الإنسان سوى القبول.
سنتحدث عن سبع حقائق للعهد الجديد مقابل السبع حقائق لعهد الناموس.
الحقيقة الأولى: العهد الجديد هو عهد غير مشروط
كان عهد الناموس عهدا مشروطاً بتنفيذ الإنسان لوصايا الناموس ومتطلباته. بينما العهد الجديد هو عهد نعمة
الله غير المشروط.
أ: رومية3:24-25أ: "متبرّرين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدّمه الله كفّارة بالإيمان بدمه”
ب: أفسس2: 8و9: "لأنكم بالنعمة مخلّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم هو عطيّة الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد".
ج: تيطس11:2 "لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلّصة لجميع الناس، معلّمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالميّة، ونعيش بالتعقّل والبر والتّقوى في العالم الحاضر". )رومية1:5).
يتضح لنا من كل هذه الآيات أن العهد الجديد هو عهد غير مشروط، عهد نعمة الله وعطيته المجانية، إذ يعتمد على فداء المسيح. تعني النعمة عطية مجانية تُعطى لمن لا يستحقها. والخلاص هو هبة تُعطى للإنسان الخاطئ. فخلاص الإنسان يعتمد على نعمة الله وليس على أية أعمال وصالحة عليه أن يقوم بها.
الحقيقة الثانية: العهد الجديد هو عهد أبدي
كان عهد الناموس كما لاحظنا هو عهداً مؤقتاً، بينما العهد الجديد هو عهد أبدي.
أ: عبرانيين20:13 "وإله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم، ربنا يسوع بدم العهد الأبدي."
ب: عبرانيين 11:9a – 12 "وأما المسيح، وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة… وليس بدم تيوس وعجول، بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس، فوجد فداء أبدياً.
ج: عبرانيين6:5 "كما يقول أيضاً – عن المسيح - في موضع آخر: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي
صادق. (مزمور4:110). وأيضاً عبرانيين20:6 "حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا، صائراً على رتبة ملكي صادق، رئيس كهنة إلى الأبد." (تكوين18:14-19).
كان عهد الناموس مرتبطاً بنظام الذبائح والكهنوت. لكن العهد الجديد على عكس عهد الناموس المؤقت، ارتبط بكهنوت المسيح، الذي هو كهنوت أبدي على رتبة ملكي صادق. ملكي صادق الذي كان قبل عهد الناموس. ولذلك إن المؤمنين بالمسيح ينالون الخلاص الأبدي. (عبرانيين9:5).
الحقيقة الثالثة: أن العهد الجديد هو عهد الغفران من الخطيئة
كان عهد الناموس هو عهد معرفة الخطيّة، أما العهد الجديد فهو عهد الغفران من الخطيّة.
أ: أفسس7:1 "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا، حسب غنى نعمته". (كولوسي14:1)
ب: أعمال الرسل38:2 "فقال لهم بطرس: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا الروح القدس".
ج: أعمال الرسل43:10 "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا".
إن العهد الجديد يقدّم الغفران عن الخطيّة لكل من يعترف بخطاياه ويتوب ويؤمن بالرب يسوع المسيح.
الحقيقة الرابعة: أن العهد الجديد هو عهد الانتصار على الخطيّة
كان الإنسان في عهد الناموس عاجزاً عن تطبيق وصايا وفرائض الناموس، بسبب عبوديته للخطيّة. لكن في العهد الجديد أصبحت له إمكانية الانتصار على الخطيّة.
أ: رومية1:8-4 "إذا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيّة والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة، ولأجل الخطيّة، دان الخطيّة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح".
ب: رومية11:6، 14 "كذلك أنتم أيضا احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربّنا... فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة".
ج: كولوسي12:1-13 "شاكرين الآب الذي أهّلنا لشركة ميراث القديسين في النور، الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، - أي الخطيّة - ونقلنا إلى ملكوت ابن محبّته". (رومية10:8-11).
نجد في هذه الآيات أنه أصبح بإمكان الإنسان الانتصار على الخطيّة، لأن المسيح قد حرّره من عبودية الخطيّة. وليس هذا فحسب بل نقله من سلطان الظلمة إلى ملكوت الله.
الحقيقة الخامسة: العهد الجديد هو عهد تجديد القلب من الداخل بالروح القدس
اكتشفنا أن الإنسان في عهد الناموس كان يتبع وصايا حرفيّة نُقشت له على الحجر. لكن الأمر تبدّل في العهد الجديد إذ يجدد الله قلب الإنسان التائب، ويضع وصاياه بالروح القدس في داخله.
أ: يوحنا16:14-17 "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم مُعزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم".
ب: رومية6:7 "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنّا مُمسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف." اعتبر الرسول بولس أن المؤمن قد تحرر من قيود الناموس. إذ مات عن الذي كان مُمسكاً به أي الناموس، لكي يعبد المؤمن الله، بجدة الروح لا بعتق الحرف.
ج: 1كورنثوس19:6-20 "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم؟ لأنكم قد اشتريتم بثمن، فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله".
د: أفسس19:2-21 "فلستم إذاً بعد غُرباء ونُزلا، بل رعيّة مع القديسين وأهل بيت الله، مبنيين على أساس
الرّسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركباً معاً، ينمو هيكلاً مقدساً في الرب.
الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً، مسكناً لله في الروح.
كانت العبادة في عهد الناموس عبادة جسدية تتمسّك بحرفية الناموس، أما العبادة في العهد الجديد فقد صارت عبادة روحية بواسطة الروح القدس. وليس هذا فحسب بل أصبح المؤمن هو هيكل للروح القدس الساكن فيه. وأصبحت الكنيسة هيكلاً للروح القدس.
الحقيقة السادسة: العهد الجديد هو عهد الانتصار على الموت والحياة الأبدية
كان عهد الناموس كما رأينا هو عهد الموت واللعنة والدينونة، أما العهد الجديد فهو عهد الانتصار على الموت والرجاء بالحياة الأبدية.
أ: يوحنا 24:5 "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت الى الحياة".
ب: عبرانيين 9:5 "وإذ كُمّل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي."
ج: 2كورنثوس1:5 "فإننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السموات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيد، أبديٌّ".
د: عبرانيين15:9 "ولأجل هذا هو وسيط العهد الجديد، لكي يكون المدعوون -إذ صار موتٌ لفداء التعديات
التي في العهد الأول- ينالون وعد الميراث الأبدي".
هنا نجد بوضوح انتهاء عهد الناموس عهد اللعنة والموت والدينونة، وبدء العهد الجديد، والوعد بالحياة الأبدية لكل من يؤمن.
الحقيقة السابعة: العهد الجديد هو عهد السماويات والحقيقة
كان عهد الناموس عهد أشباه الحقيقة وظل السماويات. أما العهد الجديد فهو عهد الحقيقة والسماويات نفسها.
أ: عبرانيين1:8-2 "وأما رأس الكلام فهو: أن لنا رئيس كهنة مثل هذا، قد جلس في يمين عرش العظمة في السماوات. خادماً للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا إنسان".
ب: عبرانيين6:8-7 "ولكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضاً لعهد أعظم، قد تثبّت
على مواعيد أفضل. فإنه لو كان ذلك الأوّل بلا عيب لما طُلب موضع لثان".
ج: عبرانيين23:9-24، 26ب "فكان يلزم أن أمثلة الأشياء التي في السماوات تطهّر بهذه، وأما السّماويات
عينها، فبذبائح أفضل من هذه. لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا... ولكنه الآن قد أُظهر مرة عند انقضاء الدهور ليُبطل الخطيّة بذبيحة
نفسه".
لكن السؤال الآن هو: ماذا كان مصير عهد الناموس؟
هناك ثلاثة أجوبة عن هذا السؤال:
1: لقد أعلن المسيح أنه أتى لا لينقض الناموس بل ليكمّله، أي ليتممه في حياته وفي موته الكفاري عن خطايانا. فقد أتمّ المسيح الناموس وأكمله. غلاطية13:3 "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: "ملعون كل من عُلّق على خشبة".
وفي نفس الوقت وضع المسيح لنا مقياساً روحياً أسمى من عهد الناموس ووصاياه الثقيلة. لكنه حافظ على الناموس الأدبي (أي الوصايا العشر) كأساس للمجتمعات البشرية.
2: لقد أجابنا كاتب سفر العبرانيين عن هذا السؤال الهام (سفر العبرانيين8:8، 10، 13)، عندما كتب مقتبساً نبوءة النبي إرميا: 31:31-34 قائلاً: “لأنه يقول لهم لائماً: "هوذا أيام تأتي، يقول الرب، حين أكمّل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً... لأن هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب: أجعل نواميسي في أذهانهم، وأكتبها على قلوبهم، وأنا أكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً.”.
ثم ختم كاتب سفر العبرانيين قائلاً: "فإذ قال جديداً عتّق الأول. وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال".
لقد تمّت نبوءة إرمياء في العهد الجديد، وهكذا لم يعد لعهد الناموس أي معنى أو قيمة بعد أن بدأ العهد الجديد، إذ أصبح قريباً من الاضمحلال.
أجل، إن عهد الناموس هو عهد الرمز والظلال وشبه الحقيقة، الذي كان يشير إلى العهد الجديد. العهد الجديد الذي خطّه الرب يسوع المسيح بموته الكفّاري على الصليب وقيامته الظافرة من بين الأموات. العهد الجديد الذي هو عهد الحقيقة، عهد الكمال، العهد الذي سيثبت إلى الأبد.
3- لقد قارن سفر العبرانيين بين عهد الناموس والعهد الجديد بالكلمات التالية: (سفر العبرانيين18:12، 22أ، 23أ، 24).
"لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، وإلى ضباب وظلام وزوبعة... بل قد أتيتم إلى جبل صهيون، وإلى مدينة الله الحي، أورشليم السماوية... وكنيسة أبكار مكتوبين في السماوات، وإلى وسيط العهد الجديد، يسوع، وإلى دم رش يتكلّم افضل من هابيل."
هذه مقارنة رائعة بين عهد الناموس والعهد الجديد. بهذه النقاط نختم مقارنتنا بين هذين العهدين.
للمزيد من الدراسة حول موضوع عهد الناموس والعهد الجديد، أرجو مراجعة غلاطية 21:4-31.


RSS