• فيلم وثائقي يحكي عن مسيرة الكاتب والصحفي عطاالله منصور 1934-2026

انتقل الصحفي والكاتب عطاالله منصور إلى الأمجاد السماوية في مطلع عام 2026، وبعد رحيله قامت عائلته بإنتاج فيلم وثائقي لا يروي فقط سيرة رجل استثنائي، بل يوثق فصلًا كاملًا من تاريخ الفلسطينيين في الداخل وتجربتهم الإنسانية والسياسية والثقافية. فمن خلال حياة عطاالله منصور، الذي كرّس قلمه للدفاع عن الحقيقة والعدالة وكرامة الإنسان، يكتشف المشاهد قصة شعب عاش النكبة والتحولات الكبرى والصراع على الهوية والانتماء. ويضم الفيلم صورًا نادرة من أرشيف الراحل الشخصي، توثق محطات مفصلية من حياته المهنية، وتمنح المشاهد نافذة حيّة على أحداث وشخصيات صنعت تاريخ تلك المرحلة. وتكمن أهمية هذا الفيلم في أنه يحفظ الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، ويقدم نموذجًا نادرًا للصحفي والمثقف الذي حمل رسالة أخلاقية ووطنية بصدق وشجاعة.

ولد عطاالله بطرس منصور في قرية الجش في شمال فلسطين عام 1934 وترعرع في كنف عائلة مستورة الحال وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، ومع عصوف رياح النكبة الفلسطينية في عام 1948 أرسله والده باحثاً عن الأمان في مدرسة داخلية للاجئين بقرية المختارة اللبنانية، لكنه ومع اقتراب الحرب من نهايتها، عاد متسللاً ليواجه مصيراً مجهولاً في وطن تحول من فلسطين الى إسرائيل، بينما أضحى غالبية رفاق دربه وأقاربه الى لاجئين خلف الحدود.

آمن عطاالله مبكراً بأن الصمود الحقيقي يكمن  في الانفتاح على الآخر والمطالبة بالحقوق المشروعة داخل هذا الكيان الجديد. وفي عام 1951، خاض تجربةً فريدة حين انضم إلى 20 شاباً عربياً للعيش والعمل في كيبوتس "شاعر هعمكيم"، حيث كانت تلك السنة نافذةً أطل منها على المجتمع اليهودي وأتقن خلالها اللغة العبرية.

وفي عام 1954، وهو في سن العشرين، خطّ رسالةً جسورة إلى دافيد بن غوريون، رئيس الحكومة الاول لاسرائيل والذي استقال في ذات العام من منصبه ورحل ليسكن في صحراء النقب. كتب عطالله متسائلاً بوعيٍ ثاقب عما إذا كان تركيزه على تطوير الجيل الشاب يشمل الشباب العرب أيضا،. وبصورة غير متوقعة، استجاب بن غوريون ودعاه للقائه في "سديه بوكير"، ورغم وطأة الحكم العسكري الذي جثم على صدور العرب حتى عام 1966، حصل عطاالله على تصريح للزيارة وفعلًا زاره وتحدث الىه مطولًا ونام في بيت الضيافة الملاصق لبيت رئيس الحكومة الاسطوري.

فتحت هذه الزيارة الاستثنائية أبواب المجد الصحفي امام عطاالله، اذ دعاه الصحفي اليساري أوري أفنيري للكتابة في مجلة "هعولام هزيه"، ليكون بذلك أول صحفي عربي يقتحم عالم الصحافة العبرية.  وعلى مدار سبعة عقود، ظل قلمه نابضاً يوثق المحطات الأساسية في إسرائيل عامة والمجتمع العربي خاصة والمنطقة بشكل عامً نصب عينيه رسالةً سامية تتمثل في كشف الحقيقة والموضوعية وخدمة المظلومين، وكان في العديد من المرات يقوم بالتصوير ايضا.

في عام 1958، دحض الصحفي عطالله رواية الجيش حول مقتل فتى في سخنين؛ حيث أثبت ميدانياً أنه قُتل غدراً في طريق عام وليس بمنطقة مناورات. وثّق عطالله مأساة الأم بصورة مؤثرة، ورغم محاولات الرقابة العسكرية حجب الحقيقة، أصرّ على النشر. أحدث التقرير ضجة برلمانية أجبرت السلطات على الاعتراف بالخطأ وتعويض العائلة.

وامتدت  مساهمة عطاالله في هعولام هزيه لاربع سنوات وتضمنت تقاريره قصص مثل ضحايا المناورات العسكرية في سخنين، معاناة المهجرين من سكان اقرث وكفر برعم، تبعيات مجزرة كفر قاسم وغيرها، كما رافق مرحلة تأسيس ومن ثم حظر حركة الأرض التي أنشأها منصور كردوش، والذي ارتبط معه بعلاقة صداقةٍ متينة رغم تباين آرائهما السياسية.

في نفس الفترة قام عطاالله بتحرير زاوية ادبية في جريدة "اليوم" وكان رفيقا للعديد من الشعراء والأدباء من الرعيل للاول ومنهم ميشيل حداد،حبيب زيدان شويري، جورج نجيب خليل، سليم خوري، عمر حمودة الزعبي، حنا ابو حنا، عصام عباسي، فاروق مواسي، محمود الدسوقي، سميح القاسم، راشد واحمد حسين, طه محمد علي، سعود الاسدي وجمال قعوار. وكان عطاالله يشعر انه بدوره في هذا العمل يساهم في تشجيع العديد من الشباب من المرحلة الثانوية ممن استمروا في مسيرتهم حتى اتخاذ مواقعهم في حلقات الادباء والكتاب في الصحف المختلفة.

وكان عطاالله من أوائل  من شجعوا الشاعر راشد حسين حيث أفرد له في مجلة «هعولام هزيه» تقريراً مسهباً امتد على صفحتين، ليصبح راشد بعدها زميلاً له في جريدة «اليوم» وصديقاً صدوقاً، حتى أنهما تشاركا رِحلةً إلى ألمانيا عام 1960.

ومن نوادرِ تلك الأيام، أنَّ فتىً طموحاً أصبح لاحقاً شاعرَ فلسطين الأول، وهو محمود درويش، قصد عطاالله في ريعان شبابه طالباً منه أن يتوسط لدى صديقه راشد حسين ليُهيئ له وظيفةً تليقُ بموهبته الفذة وتُبرز مكنوناتِ شعره، ولم يتوانَ عطاالله عن تلبية النداء.

ومن المفارقاتِ الصارخةِ التي طبعت مسيرته، أنَّ عطاالله كان محروماً من جوازِ السفرِ في بلاده حتى عام 1960 بسبب تسلله عائدًا من لبنان بعد انتهاء الحرب، وكان يحملُ حتى ذلك الحين هويةً تضعه تحت تصنيفٍ غريبٍ ومجحف يُعرف بـ 'المحتمل' (נסבל)،  ولم ينل حقَّه في المواطنة إلا عبر أروقةِ المحاكم، ليحصل أخيراً على جواز سفره بالتجنس.

وفي عام 1958، شهدت مدينة الناصرة حدثاً محورياً في تاريخ الأقلية العربية، لم يكن عطاالله مجرد شاهد عيان، بل كان الموثق الذي رصد بعدسته وقلمه نبض تلك المظاهرات، ونقل تفاصيلها الجريئة في تقريرٍ أحدث دوياً واسعاً في الأوساط السياسية. كان لهذا التألق الصحفي أثرٌ حاسم في مسيرته؛ إذ لفت أنظار النخبة الإعلامية، مما شرّع أمامه أبواب كبرى الصحف العبرية. وبدعوة من جرشون شوكن صاحب جريدة هآرتس، انتقل عطاالله من الصحافة الشبابية المتمثلة في 'هعولام هزيه' ليتوج هامة العمل الصحفي كمحررٍ لشؤون الأقليات في جريدة هأرتس وهي أهم منبر إعلامي في اسرائيل آنذاك.

ولم تقف طموحات عطاالله عند حدود الخبر الصحفي، بل اقتحم ميدان الأدب بجرأةِ الرائد؛ ففي عام 1962، أهدى المكتبة العربية رواية "وبقيت سميرة"، ومع صدورها، شنت صحيفة 'معاريف العبرية الأوسع انتشاراً آنذاك هجوماً عدائياً صارخاً على صدر صفحتها الأولى، متهمةً إياه بالتحريض، إلا أنَّ هذا الصخب لم يثنِ عزيمته، بل زاد من إصراره وفي عام 1965، أحدث زلزالاً ثقافياً جديداً بنشر روايته في ضوء جديد (באור חדש)، التي سطرها باللغة العبرية، ليغدو بذلك أول كاتبٍ غير يهودي يكتب روايةً بهذه اللغة في العصر الحديث. وقد لاقت الرواية أصداءً ايجابية، وفرضت حضوراً أدبياً استثنائياً، أثبت من خلاله أنَّ لغةَ الآخر يمكن أن تكون جسراً للحق.

ومع ذلك، ظل عمل عطا الله في صحيفة هآرتس الميدان الأرحب لرصد هموم الناس وانتزاع حقوقهم؛ ففي عام 1962، نجح مقاله الاستقصائي حول التمييز ضد مزارعي التبغ العرب في إجبار الحكومة على صرف تعويضات مجزية لهم. كان عطا الله يرى في الصحافة رسالة سامية، واصفاً إياها بأنها "سيف في خدمة المظلومين" وقوة قادرة على تغيير الواقع المعيشي للمستضعفين.

كما كان حاضراً لتغطية أحداث بارزة، كزيارة المغني فرانك سيناترا للناصرة عام 1962، ومتابعة مشروع بناء باسيليكا كنيسة البشارة للاتين في الناصرة لعدة سنوات في الستينيات، وايضا زيارة المفكر الفرنسي جان بول سارتر عام 1967. وكتب عن قضايا ملحة مثل إيصال خدمات الماء والكهرباء إلى البلدات العربية، والمساهمة في عقد رايات الصلح، كما حدث في كفر كنا عام 1967.

عاش عطا الله في حي العمال العرب الشعبي، الذي بادر لبنائه الراهب الفرنسي بول غوتييه مع مطران الروم الكاثوليك جورجيوس حكيم لإيواء المهجرين داخل وطنهم. وقد نشأت بين الصحفي والراهب علاقة صداقة وطيدة؛ إذ كان غوتييه يسكن في مغارة قريبة زهداً وتقشفاً، وكان يستخدم أحياناً جهاز الهاتف الخاص بعطا الله، وهو الجهاز الوحيد في الحارة بحكم مهنته الصحفية، في زمنٍ ندرت فيه الهواتف، وكان خط هاتف عطا الله مشتركاً مع المستشفى الفرنسي.

في عام 1967، ومع احتلال الضفة الغربية، عرف جوتييه أن الجيش الإسرائيلي بدأ بتهجير أهل مدينة قلقيلية وعلى الفور، حمل الخبر إلى عطاالله الذي حاول بدوره نشره لكن الرقابة العسكرية لم تسمح بذلك وهنا وفي خطوة جريئة تم تسريب الخبر إلى الصحافة الأجنبية، مما أحدث ضجةً دوليةً أربكت قيادة الجيش، وأجبرت حكومة إسرائيل على التراجع عن مخطط التهجير، ليعود اهل قلقيلية الى بيوتهم.

شكلت نكسة 1967 تحولاً في مسيرة عطاالله، حيث انتقل للسكن في القدس الشرقية وحارة وادي الجوز بالتحديد مراسلاً لجريدة "هآرتس". هناك، انخرط في أوساط النخبة السياسية والثقافية في القدس وبيت لحم ونابلس والخليل، وبنى شبكة علاقات واسعة ضمت شخصيات بارزة مثل أنور نسيبة، وأنور الخطيب، وفدوى طوقان، ليكون عيناً تنقل واقع الفلسطينيين تحت الاحتلال للقارئ الإسرائيلي.

وفي غمرةِ تلك السنواتِ العاصفة، كان قلمُ عطاالله وعدستُه يسبقانِ الحدث، حيث سطر العديد من الانفراداتِ الصحفية التي عبرت الحدود لتتصدر وكالات الأنباء العالمية. ففي عام 1968، كان هو أول من نقل الخبرَ الصادم إلى والد سرحان سرحان في قرية الطيبة، مُنبئاً إياه بنبأ القبض على ابنه في الولايات المتحدة بتهمة اغتيال المرشح الرئاسي روبرت كينيدي.

وفي صيف عام 1969، وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم جنبات المسجد الأقصى المبارك بفعل يدٍ لمتطرفٍ أسترالي، كان عطاالله أول من اقتحم غبار الحريق ليصور الفاجعة ويوثق الجريمة ولتنشر الصور التي التقطتها في جرائد حول العالم ، وتحت النار واكب معركة الكرامة عام 1970، كما وشهد الجنازة الرمزية المهيبة التي سارها أهل القدس حزناً على رحيل الرئيس المصري  جمال عبد الناصر.

ولم يكن عطاالله صحفياً يرصد الخبر فحسب، بل كان ابناً باراً لمجتمعه، يحمل همومه وتطلعاته؛ فخلال سنوات إقامته في القدس، آلمه تزايد وتيرة هجرة المسيحيين نحو الغرب، وفي عام 1971، كان له مساهمةٌ في بلورة توصياتِ بحثٍ معمق أجراه رؤساء الكنائس الكاثوليكية حول الوجود المسيحي في الأرض المقدسة. والذي أسفر عن إنشاء جامعة بيت لحم، وإطلاق مشاريع إسكان طموحة للأزواج الشابة تثبيتاً لهم في أرض الآباء والأجداد، فضلاً عن تطوير وتوسيع الخدمات السياحية والفندقية لاستقبال الحجاج المسيحيين في القدس.

وعلى الرغم من أن مسيرة عطاالله التعليمية توقفت قسراً عند أعتاب الصف السابع، إلا انه في عام 1971 انفتحت أمامه آفاقٌ جديدة عبر منحةٍ من السفارة البريطانية، ليحزم أمتعته ويرحل مع عائلته نحو جامعة اكسفورد العريقة.

هناك، في رحاب كلية 'رسكين' وضمن برنامجٍ أكاديميٍّ مكثف، انكبَّ على الدراسة والبحث لمدة سنتين، ليتوج هذه الرحلة بكتابة أطروحة البكالوريوس تحت إشراف العلامة الشهير ألبرت حوراني؛ حيث غاص في تحليل تعقيدات النظام السياسي اللبناني. وفي بريطانيا، وُلد باكورة كتبه باللغة الإنجليزية تحت عنوان بانتظار الفجر (Waiting for the Dawn)، الذي نُشر عام 1975 ، ليكون صوته قد وصل إلى القارئ الغربي.

في عام 1973 عاد عطاالله إلى الناصرة، ليتولى مهام مراسل جريدة هآرتس في الجليل؛ شاملا تقارير من المجتمعين العربي واليهودي على حدٍّ سواء، ولكن استقراره في العمل الصحفي الروتيني لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما اندلعت حرب أكتوبر في العام ذاته، لتضعه مرةً أخرى في قلب العاصفة ليكون من أوائل الذين وطأت أقدامهم مناطق الأحداث في شمال البلاد لتغطية وقائع الحرب.

ظلَّ عطاالله سنوات طويلة في طليعةِ الصحفيين الذين واكبوا المنعطفات الكبرى في تاريخ الجماهير العربية والبلاد خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ ومنها صعود 'الجبهة' لرئاسة بلدية الناصرة عام 1975، هبّة يوم الأرض الخالد عام 1976، وافتتاح ما عُرف بـ 'الجدار الطيب' على الحدود اللبنانية واستمر في متابعة معاناة المهجرين من سكان اقرث وكفر برعم، والذين أُخرجوا من ديارهم بناءً على وعود رسمية بالعودة خلال أيام، ليدخلوا في دوامة من المماطلة القانونية والسياسية التي حرمتهم من حقهم في أراضيهم رغم صدور قرارات قضائية لصالحهم.

في عام 1977، وعقب حادث تحطم المروحية الذي أودى بحياة الملكة علياء في الأردن، نجح عطا الله في دخول الأردن ضمن وفد المعزين من عرب الداخل، وقام إثر ذلك بكتابة عدة تقارير في صحيفة هآرتس أثارت اهتماماً كبيراً داخل إسرائيل.

في عام 1978، وبينما كانت رياح السلام تهبُّ على المنطقة، كان عطاالله من أوائل الصحفيين الذين شدوا الرحال إلى مصر الكنانة. وهناك، تجلت شخصيته المستقلة في مواجهةٍ جريئة مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك 'عيزر وايزمان'، الذي استشاط غضباً من تقاريرعطاالله النقدية، يقابلها موقفٌ طريفٌ مع وزير الخارجية المصري بطرس بطرس غالي الذي ذُهل من تكلم عطاالله معه باللغة العربية، ليصدمه بعدها بأنه هو الآخر يحمل اسم 'بطرس' مرتين؛ فهو 'ابن بطرس' و'أبو بطرس'،. وفي أزقة القاهرة، تطوع عطاالله لترجمة حديث ضابطٍ مصري كان يرجو بلهفةٍ من وزير الدفاع 'موشي ديان' العدول عن زيارة سوق خان الخليلي، نظراً لما تشكله تلك المنطقة المكتظة من تحدياتٍ أمنية جسيمة.

في عام 1982 ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، شدَّ عطاالله الرحالَ مراراً نحو 'بلاد الأرز'؛ وهناك، خاض تجربةً صحفيةً وإنسانيةً فريدة، حيث التقى بصناع القرار من السياسيين اللبنانيين، وفي الوقت ذاته، عانق أقاربه الذين ألقى بهم شتات عام 1948 وكان عطاالله يكتبُ للصحافة الإسرائيلية من منظارٍ يكاد يكون مستحيلاً؛ فهو المسيحيُّ والفلسطينيُّ والإسرائيليُّ في نفس الوقت. إلا أنَّ هذه الرحلة المهنية في لبنان وصلت إلى محطتها الأخيرة الحزينة حين سمع عن فظاعة مجزرة صبرا وشاتيلا؛ تلك الجريمة التي هزت كيانه وأدمت قلبه، ليُبلغ صحيفة هآرتس بقرارٍه بعدم العودة الى لبنان مرة اخرى.

وفي تلك الحقبة، غدا عطاالله المرجعَ الأولَ في كل ما يتعلق بشؤون العرب في الداخل وقضاياهم العادلة؛ فكان مقصداً دائماً للمراسلين الأجانب وطار بكلمته إلى المنابر العالمية، فدبّج المقالات في كبرى المجلات الدولية، وحلّ ضيفاً مُحاضراً في المحافل الخارجية، وفي عام 1985 اختير ليكون صحفياً مُحاضراً في جامعة 'ديوك' (Duke)  المرموقة بالولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن عطا الله مجرد صحفي، بل حارساً للحقيقة؛ ففي عام 1961 تصدى لتصريحات «لوبراني» التي سعت لتهميش العرب وفي عام 1975، قاد معركةً صحفية كبرى ضد «وثيقة كنيغ» سيئة الصيت، التي كشفت عن مخططات سلطوية لتفتيت المجتمع العربي عبر مصادرة الأراضي، والتضييق الاقتصادي، وتشجيع الهجرة القسرية. واصل عطا الله مواجهاته ضد عنصرية الوزير «جدعون بات» عام 1977، وملاحقة عصابة «مينع» في نتسيرت عيليت عام 1978، وصولاً إلى انتقاد فتاوى الحاخام «جاد نافون» عام 1980. أما في صيف 1981، قام فضح تقاعس الشرطة وتواطؤها في حماية بلدة كفرياسيف من اعتداءٍ مسلحٍ دامٍ، حوّل البلدة إلى ساحة دمار وقتل وسط غيابٍ لأجهزة الأمن عن القيام بواجبها.

كان استقلال عطالله المهني ضريبةً دفعها في مواجهاتٍ شملت مختلف الأطياف؛ فكتابته للحقيقة جعلته عرضةً لصداماتٍ بلغت حدَّ الاعتداء الجسدي عليه من قِبل رئيس بلدية الناصرة آنذاك. كما لم يسلم من نيران الهجوم في صحافة الحزب الشيوعي، والحركة الإسلامية الشمالية، وحزب 'مبام'، حيث حاول كل طرفٍ تطويع قلمه أو كسر شوكته.

إلا أنَّ عطاالله لم يكترث لهذه الانتقادات، وتوجه إلى القضاء عندما تحول النقد الى تحريضٍ سافرواستردَّ حقه كاملاً في كل مرة. ومع مرور السنوات، أدرك الكثير من منتقديه غزارة رؤيته وصدق نبوءته، فجاءته الاعتذارات تلميحاً أو تصريحا ممن عرفوا أخيراً أنَّ عطاالله كان محقاً، وأنَّ بوصلته لم تكن يوماً إلا لمصلحة الحقيقة والإنسان.

وفي عام 1983، خطَّ عطاالله فصلا جديداً في تاريخ الإعلام العربي، حين كان احد المبادرين لتأسيس جريدة الصنارة في الناصرة، وهي اول جريدةٍ عربيةٍ تجاريةٍ مستقلة في البلاد؛ وخلال مسيرته في 'الصنارة' عمل محررًا لها  وأجرى لقاءاتٍ صحفيةً عديدة، منها اول لقاء مع الشيخ عبد الله نمر درويش، الرئيس المؤسس للحركة الاسلامية في اسرائيل، لكن الموقف الذي خلّده التاريخ هو لقاؤه برفقة زميله لطفي مشعور برئيس الحكومة يتسحاق شامير؛ فبينما كان شامير يتذرع برفضه مفاوضة منظمة التحرير الفلسطينية واصفاً إياهم بالمخربين، باغته عطا الله بمواجهةٍ عرّت ازدواجية معاييره؛ إذ ذكّره بماضيه الشخصي في قيادة العمليات السرية قبل عام 1948، وتحديداً إرسال الشاحنات المفخخة لتنفجر في أسواق يافا وحيفا. هذه المقارنة الذكية جعلت الأخير يرتد صامتاً ومذهولاً ويتعثر في الجواب. التقى عطالله ايضا مع الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر وترجم خطابه للعربية في بيت عضو الكنيست عبد الوهاب دراوشة.

استمر عطاالله في عطائه المهني في صحيفة هآرتس حتى عام 1992، لينتقل بعدها للكتابة في جريدة 'عل همشمار' حتى عام 1995 وفي عام 1997، طوى صفحة عمله في جريدة 'الصنارة'، ليحصر إطلالته الصحفية في زاوية أسبوعية بجريدة 'القدس' المقدسية.

في عام 1992  اصدر بالتعاون مع زميله 'عوزي بنزيمان' كتاباً بعنوان نزلاء هامشيون דיירי משנה؛ وهو بحثٌ يعدُّ الأول من نوعه الذي يُشرح بالأرقام والوثائق سياسة التمييز الممنهج بحق المواطنين العرب في اسرائيل. وفي عام 2004، أهدى المكتبة العربية سيرته الذاتية المؤثرة حفنة تراب لزنابق الحقل، وأتبعها في العام ذاته بدراسةٍ وافية بالإنجليزية بعنوان كنائس الباب الضيق Narrow Gate Churches ، حلل فيها واقع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط.

وفي سنواته الأخيرة، ظل قلمه نابضاً؛ فأصدر في عام 2013  نسخة محدثة من مذكراته بالإنجليزية بعنوان لا زلت بانتظار الفجر Still Waiting for the Dawn، ليكتب يعدها كتاب خطاب ما قبل الغروب عام 2014 .

في عام 2023، توجت جامعة تل أبيب مسيرة عطاالله بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية وجاء في قرار مجلس أمناء الجامعة أن هذا التكريم يُمنح له "تقديراً لـمساهمته الجبارة في الحوار المدني والثقافي والديمقراطي في إسرائيل طيلة سبعين عاماً، ككاتبٍ وصحفيٍّ يحظى ببالغ التقدير، ولعمله الدؤوب في بناء الجسور بين المجتمعين العربي واليهودي". كما أشاد عريف الحفل في كلمته بالسمات الشخصية والمهنية التي رافقت مسيرة عطاالله، مؤكداً أن هذه الشهادة تُمنح له أيضاً احتفاءً بـأخلاقه الرفيعة، واستقامته المهنية الصلبة، وإتقانه المميّز والفريد للغة العبرية؛ وهي خصال اتصفت بها مسيرته المهنية.

على الصعيد الشخصي، ارتبط عطاالله في عام1964  بالمربية الفاضلة إيفلين غريب، وشكّلا معاً أسرةً ملؤها المحبة، حيث رزقهما الله بـ بطرس وبدر وسمر.  ومنذ عام 2003، تجلت أسمى معاني الوفاء في شخصه، إذ كرس حياته لرعاية زوجته والوقوف إلى جانبها في رحلة مرضها، حتى وافتها المنية في عام 2010 ، عاد بعدها إلى رحاب القراءة والكتابة، مشيداً بيتاً صغيراً في مسقط رأسه في قرية الجش ليزورها بين الحين والاخر ويستمتع بسكينة الطبيعة. وتمتع في اخر سنواته بقضاء الوقت مع عائلات ابناه وبنته وأحفاده السبعة عطاالله، لمى، عدي، فرح، مي، رامي، سامي. وقد أنعم الله عليه بأن شهد ولادة بطرس، ابن حفيده الأول.

وفي مطلع عام 2026، وقبل أيامٍ قليلة من بلوغه الثانية والتسعين، انتقل عطالله الى الامجاد السماوية، ليوارى ثرى قريته الجش التي أحبها. وكأنه كان يودع الدنيا حين كتب في مذكراته مستحضراً عصارة تجربته:

ويكفيني الان بعد القيام بأداء واجبي نحو احبتي  واداء الامانة، كما أملاها  علّي ضميري  لعائلتي وأهلي ابناء وطني,ان أتحّول يوم يريد لي ذلك خالقي الى حفنة من تراب وطن كرّمني الله يوم  اراد لي  ان اولد فوق ثراه، وان اسير في الازقة التي سبقني وسار عليها مخلصي . ويسعدني ان نهايتي ستكون حفنة من ترابه  فيه تغذي احدى زنابق الحقل التي لا تغزل ولا تنسج وسليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها ليقدمها احد أحفادي او حفيداتي عربونا لحب طاهر وحقيقي.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع