• هل الدفاعُ عن النفسِ مخولٌ به في الإيمانِ المسيحي؟ المحامي، مارتن كورش تمرس لولو
هل الدفاعُ عن النفسِ مخولٌ به في الإيمانِ المسيحي؟  المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

مَن منّا لا يندهشُ لازديادِ وتيرةِ الجريمةِ حولَ العالم؟ مَن منّا لا يقفُ فاغرَ الفمِ ممَّا يسمعهُ أو يشاهدهُ عبرَ الشاشاتِ الفضائيةِ أو مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، من قتلٍ وتعذيبٍ حولَ العالم؟ مَن منّا لا يبكي بكاءً مرًّا وهو يشاهدُ، من خلال نشراتِ الأخبارِ المرئيةِ والمسموعةِ حروبًأ تُشَنُّ ويذهبُ ضحيتَها المئاتُ من الأطفالِ والنساءِ وكبارِ السنِّ؟ الضحايا دائمًا هم الناسُ المسالمون هم كالأطفالِ والنساءِ والأبرياءُ. وهؤلاء لا يؤمنون بحملِ السلاحِ، أولهم نحن المسيحيون إيمانًا منّا بأن رَبَّنَا يسوعَ المسيحَ لم يقاوم اليهودَ الذين جاءَ من أجلهم، على الرغمِ من أنهم قسَّوا قلوبَهم فصلبوهُ (يوحنا 19: 18). ولا ننكرُ أن هناك أقلياتٍ لا تؤيدُ حملَ السلاحِ لأمرين: أولُهما: لأنه لا يجلبُ سوى الثأرِ - القتلِ بالقتلِ - ويفتحُ صنبورَ الدماءِ، دون أن يقوى بعدَها أحدٌ على غلقهِ. وثانيُهما كونُهم أقليةً لن تقدرَ على مقاومةِ الأكثريةِ التي بيدِها السلطةُ في بلدٍ غُيِّبَ فيه القانون.

سؤال: ما دمنا نحنُ المسيحيونَ نعيشُ في هذا العالمِ المكتض بامتناقضاتِ وأنظارنا تراقب المجيء الثاني للرَّبِّ الذي "حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ." (يوحنا 17: 12)، ألا يحقُّ لنا أن نلجأُ إلى الدفاعِ عن أنفسِنا عندما نتعرضُ للظلمِ؟ ولو بكلمةِ رفضٍ. أم نُطيعُ الظلمَ ونقبلُ بالأمرِ الواقعِ؟ أم ننصاعُ لقولِ الرَّبِّ؟ "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ،" (متى 5: 39). وفي قولِ الرَّبِّ الصوابُ الأكيدُ. لذلك ليس سيِّئًا أن نلتزمَ السلامَ والهدوءَ، أي لا نقاومُ الشرَّ بالشرِّ أبدًا "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا." (لوقا 6: 29). إنَّ الشرَّ لا يجلبُ سوى الشرِّ، بل نلتزمُ جانبَ الهدوءِ والثقةِ بيسوعَ المسيحِ، مؤمنين أنَّ الروحَ القدسَ لن يتركَنا وحيدينَ أمامَ الأشرارِ. بل حتى وإن تعرَّضْنا للظلمِ. فعلًا وقعَ الظلمُ علينا نحنُ المسيحيينَ في الشرقِ وفي دولة نيجيريا [1] ، ووقعَ العديدُ منا شهداءً ليرقدوا على رجاءِ القيامةِ مع القديسينَ والأبرارِ، لذلك ليس صوابًا أن نقاومَ، بل نلجأُ إلى الصلاةِ والصومِ كي نعبرَ زمنَ الضيقاتِ. والحادثةُ التي تبقى في الذاكرةِ هي ذبحُ الواحدِ والعشرين قبطيًّا مسيحيًّا في ليبيا. أَمَا كان بمقدورِهم أن يُنكروا إيمانَهم المسيحيَّ فينجوا من سيفِ الإرهابِ؟ نعم، لكنهم لم يفعلوا، لأنَّه "وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ..." (لوقا 2: 13)، أؤمنُ أن الروحَ القدسَ كان معهم يقودهم، يصبرهم ويقويهم، بل كانوا يرونه بعيونِهم وهو يسيرُ أمامَهم، كما كان الأمرُ مع استفانوسَ "فَقَالَ: «هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ«." (أعمال الرسل 7: 56).

أيُّها المؤمنُ "» ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ"(مرقس 10: 49)، أنَّ ما تتعرَّضُ له من ضيقاتٍ وتعدّياتٍ من أبناءِ العالمِ، فاعلمْ وأؤمن أنَّ يسوعَ يراكَ/ كِ ويحميكَ/ كِ، من الأشرارِ، وإن تألَّمتَ/ تِ أو حزنتَ/ تِ، فهو الذي سيُعزّيكَ/ كِ. إنَّ طريقَ الإيمانِ بيسوعَ المسيحِ ليس ملذّاتٍ، بل ضيقاتٍ وأوجاعًا علينا تحمُّلُها بقوّةِ الروحِ القدسِ، ونحنُ نسمعُ يسوعَ المسيحَ ينادينا."تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ." (متى 11: 28).

يا أخي/ أختي في الرَّبِّ، لقد ذاقَ يسوعُ الأوجاعَ والآلامَ وهو على الطريقِ إلى الصلبِ (مرقس 15: 21)، فالطريقُ الذي نسيرُ عليه اليومَ هو نفسُ الطريقِ الذي سبقنا عليه يسوعُ المسيحُ. نحنُ خرافُهُ، وهو راعينا الصالحُ. " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ." (يوحنا 10: 11)، إذَا خطفَ الذنبُ خروفًا من بين قطيعِ الأغنامِ، فليسَ للراعي الصالحِ إلا أن يهرعَ لنجدتِه ويعيدَهُ إلى القطيعِ، حتى لو ضحّى بحياتِه، ألمْ يُقدمْ يسوعُ المسيحُ نفسَهُ ذبيحةً؟ كي ننجو من "الْمَوْتُ الثَّانِي.«" (رؤيا 21: 8)، وننالُ الخلاصَ "مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ؟" (متى 18: 12)، إذَا كيف لو حدثَ الأمرُ مع واحدٍ من بيننا؟ أكيدٌ لن يتركَهُ يسوعُ المسيحُ وهو الذي فدانا على الصليبِ. نعم، هناك ظلمٌ وإرهابٌ أودى بحياةِ المئاتِ منا نحنُ المسيحيينَ لكن "وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ." (متى 10: 28).  

أكيدُ كان يستطيعُ يسوعُ المسيحُ في لحظةٍ أن يدعوَ جندَ السماءِ لنجدتهِ. وهو القائل: "» مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ." (يوحنا 18: 36). يا أخي/ أختي في الرَّبِّ هيا نتمثلُ بفادينا يسوعَ المسيحِ ونحن نسمعهُ بآذانِ إيماننا: "«شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟«." (أعمال الرسل 9: 4). هذه هي الوداعةُ التي علمنا إياها رَبُّنا يسوعَ المسيحِ. ليستْ الشجاعةُ أن (نردَّ الصاعَ صاعينَ.) بل أن نسامحَ ونصفحَ ونغفرَ "«يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟« قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ." (متى 18: 21- 22). بل أكثرَ من هذا يوصينا يسوعُ المسيحُ »لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ،" (لوقا 6: 27).  

حسبَ النظرةِ القانونيةِ: نعم، معظمُ القوانينِ العقابيةِ تُصرحُ لأبناءِ المجتمعِِِ بالدفاعِِِ عن النفسِ، كمبدءٍ قانوني معمولٍ به، لكن ألا يوسعُ هذا المبدأ من دائرةِ الجريمةِ؟ نعم، وقد يتعرضُ العديدُ من الأبرياءِ للقتلِ من طرفي الجريمة. لذلك ترتقي مقولةُ يسوعَ "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا." (متى 6: 12)، كي تكونَ مبدءًا أساسيًّا لوقفِ نزيفِ الجريمةِ، داعيًا إيانا نحن أتباعه كي نتحملَ وزرَ نتائجها ونغفرَ للجاني، ومقولةُ الرَّبِّ تتقوينا في ضعفاتنا ونحن نسمعها الآن "فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا." (لوقا 23: 34). وها هو الشهيدُ الأول في الإيمانِ المسيحي، استفانوس "ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: »يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ«." (أعمال الرسل 7: 6-0).

ليس خوفًا ولا جبنًا عندما نلتزِمُ نحن المسيحيين جانبَ السلامِ، ونرفضُ أسلوبَ الشرِّ بالشرِّ، (في المجالِ الأخلاقي: الله في نعمته العامةِ، يُمسكُ الناسَ عن أن يكونوا أشرارًا بالقدرِ الذي يشاؤونَ فيه.) [2] . لو حفظَ أفرادُ المجتمعِ الواحدِ وصايا وتعاليمَ يسوعَ المسيحِِ كما نفعلُ نحن المسيحيون، لعِشنا إخوةً في سلامٍ، في مجتمعٍ خالٍ من الجريمةِ والضغينةِ والكراهيةِ والعنفِ. بل لو بادرتْ وزاراتُ التربيةِ والتعليمِ في دولِ أوروبا، بادراجِِ "الإنجيل المقدس" ضمنَ المنهجِ التعليمي في المدارسِ الابتدائية، لنشأ جيلٌ بعدَ جيلٍ يعملُ بالمحبةِ والسلام "وَقَالَ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (متى 18: 3). واعلم أيها القارئ/ ئة أن الصلاة أقوى من كلِّ سلاحٍ بها نكونُ على اتصالٍ دائمٍ مع رَبِّنَا يسوعِ المسيحِ.

المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

(طالب في كلية بيت لحم للكتاب المقدس).

المصدر:

 

[2] نص الدرس "النعمة العامة" من مساق اللاهوت النظامي (2) - ربيع 2026. الصفحة 3 والسطر 41.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع