في زمنٍ تتكاثر فيه صور الظلم، وتعلو فيه أصوات الحرب، وتتزاحم فيه مشاهد الألم والدمار، نقف حائرين أمام سؤال عميق: هل العدالة كما نراها نحن هي نفسها العدالة كما يراها الله؟ وهل يمكن أن نفهم قلب الله وسط هذا الخراب، حيث يبدو أحيانًا أن الظلم ينتصر، وأن المظلوم يُترك وحده؟
نحن، كبشر، نميل إلى ربط العدالة بالقصاص الفوري، وبردّ الظلم بمثله. نبحث عن نهاية سريعة وواضحة يكون فيها الخير غالبًا والشر مهزومًا. لكن الله يرى أبعد من اللحظة، وأعمق من الحدث. يقول الكتاب المقدس: "لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (إشعياء 55: 8). إن عدالة الله ليست مجرد ردّ فعل، بل هي جزء من طبيعته. هو عادل لأنه محبة، ومحبة لأنه عادل. عدالته لا تنفصل عن رحمته، ولا رحمته عن قداسته.
ورغم ذلك، في ظل الحروب، والاحتلال، ومشاهد القهر اليومية، قد يبدو أن الله صامت. لكن الكتاب المقدس يؤكد العكس:
"رَأَيْتُ رَأْيًا مَذَلَّةَ شَعْبِي... وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ... فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ" (خروج 3: 7-8). الله ليس بعيدًا عن معاناة الإنسان، بل هو الإله الذي يرى ويسمع وينزل. كل دمعة تُسكب، كل صرخة تُرفع، وكل ظلم يُمارس، محفوظ في قلب الله.
"الرَّبُّ صَانِعُ عَدْلٍ وَقَضَاءٍ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ" (مزمور 103: 6). هذا يعني أن الظلم، وإن بدا منتصرًا مؤقتًا، ليس الكلمة الأخيرة في قصة الله.
الله لا يبرر الظلم، ولا يتساهل معه. الكتاب واضح: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَشْرَعُونَ شَرَائِعَ ظَالِمَةً" (إشعياء 10: 1)، و"الرَّبُّ يَمْقُتُ مُحِبَّ الظُّلْمِ" (مزمور 11: 5).
لكن في الوقت نفسه، الله لا يتحرك بدافع الانتقام الأعمى، بل بدافع الحق والرحمة معًا. هو يدين الظلم، لكنه يفتح باب التوبة حتى للظالم. وهنا تتجلى أعمق صورة لعدالة الله في الصليب، حيث التقت العدالة بالرحمة، والحق بالغفران.
على الصليب، في أكثر لحظات الظلم قسوة، كان الرب يسوع يتألم تحت حكم جائر، بينما إلى جانبه لصٌّ محكوم عليه بحسب مقاييس البشر. هذا اللص، في لحظة إدراك عميقة، التفت إلى يسوع وقال: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لوقا 23: 42).
هنا تكمن كلمة المفتاح: "ملكوتك". لقد اعترف اللص بيسوع ملكًا، رغم أنه كان معلقًا على الصليب. لم يقدم أعمالًا، ولم يدفع ثمنًا، ولم يملك فرصة للإصلاح، لكنه آمن.
فكانت إجابة المسيح مدهشة، ومليئة بالنعمة: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لوقا 23: 43).
في هذا المشهد، نرى قلب الله بوضوح، عدالة لا تُهمل الخطية، لكنها لا تغلق باب الرحمة. محبة لا تبرر الشر، لكنها تغفر للتائب. هذا هو إنجيل المسيح: غفران مجاني، لكنه ليس رخيصًا، بل دُفع ثمنه على الصليب.
حتى في وسط الألم، أعلن يسوع روح الغفران، إذ قال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لوقا 23: 34).
أي عدالة هذه التي تغفر وهي تتألم؟ أي محبة هذه التي تحتضن حتى في لحظة الظلم؟
إن تأنّي الله ليس ضعفًا، بل رحمة: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ... وَلَكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" (2 بطرس 3: 9). لكن هذا لا يعني أن العدالة لن تأتي، بل أنها ستأتي في وقتها الكامل: "لِيَ النَّقْمَةُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (رومية 12: 19).
في واقعنا اليوم، وسط الحروب، والدمار، ومشاهد القهر المتكررة، قد نشعر أن الله غائب. لكن الإيمان المسيحي يعلن حقيقة مختلفة: الله ليس فقط يرى الألم، بل دخل إلى الألم. "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ" (مزمور 34: 18).
المسيح لم يشرح الألم فقط، بل عاشه. لم يتكلم عن الظلم فقط، بل احتمله. لذلك، هو يفهمنا من الداخل. وهذا يعطينا رجاءً عميقًا: الله ليس متفرجًا، بل حاضرًا.
ونحن، في هذا العالم المكسور، مدعوون أن نعيش هذا التوازن الصعب، أن نرفض الظلم بوضوح، لكن دون أن نسمح للكراهية أن تسكن قلوبنا. "قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ... أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ" (ميخا 6: 8).
أن نصنع الحق، أي أن نقف مع المظلوم. وأن نحب الرحمة، أي أن نحمل قلب المسيح، قلبًا يعرف أن يغفر.
في عالمٍ يصرخ للعدالة، يأتينا صوت الصليب ليقول: العدالة الحقيقية لا تُفصل عن الغفران، والمحبة لا تُفصل عن الحق.
وفي وسط كل هذا الألم، يبقى وعد الله قائمًا: "هُوَذَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا" (رؤيا 21: 5).
ربما لا نرى العدالة كاملة الآن، لكننا نؤمن أن الله لم يقل كلمته الأخيرة بعد. وعلى الصليب، حيث بدا كل شيء منتهيًا، بدأ كل شيء من جديد.


RSS