• رحلة الإرساليات الإنجيلية وتحديات الوجود في الأراضي المقدسة - منذر زبانه
رحلة الإرساليات الإنجيلية وتحديات الوجود في الأراضي المقدسة  - منذر زبانه

المقدمة والسياق التاريخي

    أصبحت فلسطين في القرن التاسع عشر ساحةً للتنافس الدولي، إذ لم يكن الاهتمام الأوروبي بالقدس ذا طابع ديني بحت، بل ارتبط ارتباطًا وثيقًا بما عُرف بـ«المسألة الشرقية». وفي هذا السياق، اعتمدت الدولة العثمانية نظام المِلّة، الذي أتاح للطوائف المسيحية قدرًا من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها الدينية والاجتماعية. كما أُبرمت معاهدات الامتيازات بين الدولة العثمانية من جهة، وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية من جهة أخرى، بهدف توفير الحماية للطوائف المسيحية الشرقية. ونتيجةً لهذا النظام، دخلت الإرساليات الإنجيلية (البروتستانتية) إلى فلسطين، الأمر الذي مكّن القوى الأوروبية الكبرى من حماية رعاياها ومؤسساتها داخل أراضي الإمبراطورية العثمانية. وقد استفادت الإرساليات من نظام "الامتيازات الأجنبية"، وهي معاهدات منحت الرعايا الأجانب ومؤسساتهم حصانة قانونية وامتيازات ضريبية. أدى هذا النظام إلى ربط كل طائفة دينية بقوة عظمى؛ فبينما كانت فرنسا تحمي الكاثوليك وروسيا تحمي الأرثوذكس، وجدت بريطانيا في البروتستانتية وسيلة لتثبيت نفوذها. هذا الارتباط بين "الصليب والعلم" جعل الإرساليات تعمل بمثابة "قنصليات دينية" توفر للمسيحيين المحليين حماية دولية ومكانة قانونية متميزة

(دياب، 2009، ص 100-104) ـ لم تكن هذه الارساليات تخدم فقط كبعثات؛ بل كانت "أذرع ثقافية" لبلدانها الراعية مثل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، مما أعطى المبشرين المسيحيين دعم القوى الغربية. التاريخ يظهر أن الارساليات استفادت من الفراغ الخدمي الذي خلقته البنية الإدارية العثمانية الفارغة. بالنسبة للمستعمرات، أنشأوا مدارس ومستشفيات؛ لم تكن هذه مجرد أدوات للخدمة، بل أيضًا لخدمة خلق نخبة محلية مصبوبة بالقيم الغربية. وجودهم عطل النمط التقليدي للمجتمع المسيحي وبدأت الارساليات بممارسة ما أصبح يعرف بـ "التبشير المضاد"، حيث جذبوا أتباع الكنائس الشرقية القديمة (الأرثوذكسية والكاثوليكية) الذين تحولوا إلى المؤسسات الإنجيلية للحصول على التعليم والفرص الاجتماعية التي كانت غائبة في كنائسهم الأم. الأرض المقدسة في فلسطين القديمة هي ملتقى الطوائف المسيحية الشرقية القديمة (الأرثوذكسية والكاثوليكية) منذ نشأتها. شهدت فلسطين وصول الارساليات الإنجيلية البروتستانتية في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين مع مشروع تأثير ديني وثقافي واجتماعي. أدت هذه الارساليات إلى تغييرات ملحوظة في المجتمع الفلسطيني (من خلال التعليم والصحة وترجمة الكتاب المقدس أو إنشاء طائفة بروتستانتية جديدة). حتى أنها ساعدت في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني. لكن تأثيرها لم يكن مباشرًا وكان له أبعاد إيجابية وسلبية خاصة فيما يتعلق بالكنائس التقليدية والتغيرات السياسية في المنطقة. وتجادل هذه الدراسة بأن الارساليات دفعت الأنشطة الاجتماعية الحديثة إلى حد غير مسبوق وفي نفس الوقت كانت جزءًا مما يعادل التفكك (أو زعزعة الاستقرار) للكنيسة التقليدية والمجتمع نفسه. هذه المشاكل غير المحللة لا تزال تتردد في المسيحية الفلسطينية الحالية، التي تبقى في قلب الصراعات اللاهوتية والسياسية.

الارساليات الانجيلية والمشرق العربي

   يعدّ الحضور الانجيليّ اليوم جزءًا لا يتجزأ من مكونات الحضور المسيحي في المشرق، لا بل من مكونات المجتمعات العربية ككل. ويشمل تأثير هذا الحضور جميع مجالات الحياة، الكنسية والتربوية والثقافية والفكريّة والأكاديمية والخدماتية والصحيّة والسياسية. وخرّجت الحركة الانجيليّة في المشرق العديد من القادة المجتمعين المؤثرين، وكما لعبت دورًا رئيسيًّا في نهضة القومية العربية والتي نشأت بين طلاب المؤسسات التربوية الانجيليّة. وعلى الصعيد الكنسيّ، لعبت الكنائس الانجيليّة في المشرق دورًا هامًا في تعزيز الروح المسكونية وتأسيس مجلس كنائس الشرق الاوسط، والذي يضم تحت لوائه ثلاث عشر كنيسة إنجيليّة (والتي تشكل غالبية أعضاء رابطة الكنائس الانجيليّة في الشرق الاوسط). لم يصل الإصلاح البروتستانتي بتنوعاته المختلفة إلى الشرق الأدنى إلاّ في عام 1819. كان المرسلان البروتستانتيّان بليني فيسك وليفي بارسونس أوّل من وصلا الشرق الأدنى بدعم من American Board of Commissioners for Foreign Missions (ABCFM) or the American board)، وهي إرسالية مشيخيّة (Presbyterian) . وصل فيسك وبارسونس إلى القدس أوّلا، ولكن قبل وصولهما إلى القدس، مرّا بجزيرة مالطة التي كان فيها المرسل جويت، وهو من الإرسالية الآنجليكانية البريطانية، يعكف على طباعة الكتب والمنشورات باللغة العربية منذ عام 1815. وفي عام 1826، كانت هنالك ثلاث محطات للتبشير لهذه الإرسالية في كلٍّ من القدس وبيروت ومالطا. وانصبّ عملهم الرئيسي على جبال لبنان، وأصبحوا يسمّون بالإنجيليين. لم يكن هدف هذه الإرساليّات في البداية تأسيس طوائف جديدة، بل حث المسيحيين من الكنائس الشرقية على قبول الولادة الجديدة والعمل معًا للوصول إلى المسلمين واليهود ببشارة الإنجيل . أي أن الحضور الانجيليّ في المشرق بدأ في القرن التاسع عشر، من خلال الارساليات المختلفة التي قدمت إلى مصر وبلاد الشام، وكانت أقدم الإرساليات المنظمة إلى الشرق في فلسطين (منصور، 2017). واليوم يمكننا أن نتكلم عن أربع كنائس أو عائلات إنجيليّة بروتستانتية في المشرق. العائلة الاولى والاكبر هي المشيخية المصلحة، والتي تعرف في كلّ من مصر وسورية ولبنان بالكنيسة الانجيليّة. الكنيسة الثانية هي الكنيسة الآسقفية والمرتبطة بالكنيسة الانغليكانية، ولها خدمات وكنائس في دول عدّة. أما الكنيسة الثالثة فهي الكنيسة الانجيليّة اللوثرية في الاردن والاراضي المقدسة، ومركزها هو القدس. والجدير ذكره بأن الكنيستين الاسقفية واللوثرية في فلسطين لهما تاريخ مشترك، إذ كانت البعثة الاولى إلى فلسطين مشتركة بين الانجليز (الانجليكان) والالمان (اللوثريين)، وبعد تأسيس الكنيسة في القدس كان هناك مطرانٌ واحد مشترك، قبل أن يتفق الطرفان على العمل بشكل مستقل عن الاخر. واليوم يوجد مطرانين في القدس، واحد للكنيسة الاسقفية، وآخر اللوثرية . تشكل العائلات الثلاثة المذكورة أعلاه رابطة هي رابطة الكنائس الانجيليّة في الشرق الاوسط، والتي تضم تحت لوائها ست عشر كنيسة. العائلة الرابعة هي الكنائس الانجيليّة الحرّة، وتعرف أيضا بكنائس المتجدّدين وهي تسمي نفسها "الكنائس الانجيليّة"، ومنها المعمدانية والخمسينية والناصرية والاتحاد وجماعات الله والاخوة وغيرها. يرتبط تاريخ هذه الكنائس بكنائس غربيّة إنجيليّة محافظة، وإن كانت اليوم مستقلة من ناحية الادارة والتنظيم وأحيانًا حتى التمويل. ويوجد في الدول المختلفة مجامع تجمع بين هذه الكنائس لتنسيق العمل بينها (اسحق، 2021، ص 34-36).

الحياة الحديثة: مساهمة الارسالية الانجيلية  في النهضة الاجتماعية والثقافية

   حدد الانجيليون بذكاء الفراغ "الخدمي" الذي تركته الإدارة العثمانية السلبية؛ أخذوا اهتمامًا تعليميًا فيه. تأسيس المدارس والمستشفيات والعيادات لم يكن مجرد عمل خيري، بل كان وسيلة ذكية لبناء "دبلوماسية ثقافية" نحو تأثير وثقة وإنشاء نخبة محلية بتأثيرات غربية. مع هذه الخدمات الضرورية، تمكنوا من التغلغل بعمق في المجتمع الفلسطيني، المسيحي والمسلم على حد سواء، وخلق مسارات للتغيير العميق، والأكثر بروزًا هي التعليم. كانوا يقدمون نموذجًا تعليميًا معاصرًا يختلف بشكل لافت عن النموذج الديني التقليدي "الكتّاب". قدمت مدارسهم برنامجًا تعليميًا صارمًا يمزج بين العلوم والرياضيات وتعلم اللغات الأجنبية، ولجيل كامل كان نافذة على المجتمع الأوسع. لم تخرج هذه المدارس متبعين للمذهب البروتستانتي فحسب، بل خرجت "نخبة مثقفة" قادت الحراك الوطني الفلسطيني لاحقاً. وكان من أبرز إنجازات هذه الارساليات هو الريادة في تعليم الفتيات. ففي مجتمع كان يتسم بالأبوية والتحفظ، افتتحت الإرساليات مدارس مثل مدرسة "طاليثا قومي" (1851) في القدس ثم بيت جالا. وكانت المدارس التبشيرية من بين أولى المؤسسات التي تقبل الفتيات، حيث دربوهن، على وجه الخصوص، لمهن مثل التدريس والتمريض.  مما مكن المرأة الفلسطينية من دخول سوق العمل المهني كمعلمة وممرضة، وأعطى دفعة قوية للحركة النسوية الفلسطينية. وعلى الصعيد المهني والتقني، بنى الانجيليون معهد شنلر الذي يعنى بالأيتام والفقراء فيقدم لهم التربية والتعليم المهني والأكاديمي. وركزت مدارس مثل مدرسة "صهيون" التي تأسست عام 1847 في القدس، على تدريس العلوم واللغات الأجنبية والرياضيات (دياب، 2009، ص 122-124) ـ

 في هذه العملية، لم يمنح هذا النساء فقط مهارات للتقدم المهني؛ بل رفع بشكل ملحوظ مكانتهن داخل النظام الأبوي. تحولت هؤلاء النساء إلى نوع من المثقفات والمهنيات والموظفات اللواتي شكلن الفاعلين الرئيسيين في الحركة الوطنية والثقافية في فلسطين في ذلك الوقت. وكانت المدارس التبشيرية، "مصدرًا حيويًا للتعليم الحديث الذي ساهم في تشكيل الوعي الوطني والاجتماعي" من جانب النخبة الفلسطينية. التنمية الصحية والثقافية إلى جانب التعليم، أنشأت الارساليات بنية تحتية طبية حديثة في بلد يكاد لا يحتوي على مرافق صحية عامة (منصور، 2017).

في ظل غياب المستشفيات الحكومية العثمانية، كانت المستشفيات الإرسالية (مثل المستشفى الإنجليزي في الناصرة والمستشفى المعمداني في غزة) هي الملاذ الوحيد. ساهمت هذه المرافق في كسر الحواجز الطائفية؛ حيث خدم الأطباء الأجانب المسلم والمسيحي على حد سواء، مما خلق نوعاً من "التعايش الخدمي" الذي عزز اللحمة الوطنية. وقد كانت هذه المستشفيات رموزًا لتطور العلاج حيث كانت تمارس أشكال العلاج الغربية وتدريب الموظفين المحليين.

كانت الارساليات أيضًا ذات دور فعال في "النهضة العربية" في بلاد الشام. لأنها ساهمت ليس فقط ثقافيًا بل أعطت أيضًا إطارًا فكريًا يمكن للنخبة الجديدة، من المدارس إلى الأوساط الأكاديمية، استخدامه في بناء ونشر أجندة وطنية. تجسد هذا في الأداتين الأدبيتين الرئيسيتين في ذلك الوقت: ترجمة فان دايك-سميث للكتاب المقدس إلى العربية، التي تمت في منتصف القرن التاسع عشر مع الارساليات الأمريكية في بيروت، والتي أصبحت عملًا لغويًا ذا أهمية متعالية ساعد في توحيد وبناء اللغة العربية الأدبية الحديثة. نعم، إن ترجمة "فان دايك" للكتاب المقدس بمساعدة علماء عرب مثل بطرس البستاني، أدت لصياغة لغة عربية "بيضاء" رصينة ومفهومة، هي التي استخدمت لاحقاً في الصحافة الفلسطينية المبكرة، مما خلق فضاءً عاماً للنقاش السياسي. كما ومكنت المطابع الحديثة من نشر واسع النطاق في شكل كتب ومجلات وصحف (دياب، 2009، ص 295-318) ـ ساهم هذا في تطوير الرأي العام، وفي فضاء عام جديد بعيدًا عن السلطات العثمانية والكنسية التقليدية. ومع ذلك، دفعت هذه التقدمات الهائلة في تحديث المجتمع الفلسطيني ثمنًا، لا سيما بالنسبة للمجتمع المسيحي التقليدي الذي اهتز لأول مرة في التاريخ بسببها.

 

ثمن التقدم: تفكك خريطة الكنيسة التقليدية

   لم يكن هدف هذه الإرساليّات في البداية تأسيس طوائف جديدة، بل حث المسيحيين من الكنائس الشرقية على قبول الولادة الجديدة والعمل معًا للوصول إلى المسلمين واليهود ببشارة الإنجيل(منصور، 2017).   في حين أنها كانت بعيدة عن أن تكون ضارة، فإن الأنشطة التبشيرية قد غيرت بالفعل هيكل الكنيسة بالكامل ككل. ولم يكن الأمر مقتصرًا على المسيحيين من الخارج الذين استهدفهم هؤلاء المبشرون، بل شمل أيضًا المسيحيين الأرثوذكس اليونانيين والكاثوليك اللاتين في الشرق (الكنائس الشرقية). وانتقد النقاد هذا الأمر بوصفه "مضادًا للتبشير" واعتبروه تهديدًا للهرمية الكنسية التقليدية، مما يزرع الانقسام داخل المجتمع المحلي. لقد استهدفت الإرساليات مسيحيين من الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت تُدار بذهنية يونانية بعيدة عن الرعية العربية. تميزت الارساليات بنموذج كنسي مختلف عن النموذج الشرقي التقليدي، إذ شددت على مركزية الكتاب المقدس والعلاقة الشخصية مع المسيح . وقدمت "الإنجيل بالعربية" وسمحت للعلمانيين بالمشاركة في القرار، مقابل التركيز الشرقي على الاسرار والسلطة الكهنوتية والتقليد الكنسي.  فكان التحول للبروتستانتية "احتجاجاً اجتماعياً" ضد الهيمنة الأجنبية داخل الكنيسة الأم.

ويضيف كتناشو أن المصطلح الإنجيلي في الشرق الأوسط قد اكتسى بصبغة اجتماعية سياسية حيث عانى الانجيليون في عدة دول شرق أوسطية من عدم اعتراف الدولة بهم رسميا مما وضع قيودا على ممارسة الزواج وقضايا مدنية أخرى. وعلى سبيل المثال سعت المجامع الانجيلية الكنسية في فلسطين والأردن وإسرائيل الى الحصول على اعتراف الدولة لكي يتسنى لها تقديم الخدمات الرسمية لأعضائها (الزواج، الميراث الخ). وبسبب غياب الاعتراف الحكومي وقلة الموارد البشرية والمالية عند الكنائس في القرن العشرين، فقدت الكنائس الانجيلية جزءا من وزنها الاجتماعي. وقد ساهم التوتر بين الكنائس التقليدية والكنائس الانجيلية في تهميش الكنائس الانجيلية وزيادة التوتر المسيحي- سرقة المسيحي و"سرقة الخراف" من حظائر الكنائس التاريخية. وهكذا وصف الكثيرون الانجيليين ب"المتجددين" وصار هذا المصطلح يوازي مرضا اجتماعيا وخطرا يجب تجنبه (كتناشوـ 2021)،

كما وجذب ظهور مجموعات جديدة مسيحيين محليين جدد، ولم يكن دافعهم للانضمام إلى الهيئات التبشيرية بالضرورة دينيًا (غالبًا لم يكن ذلك نابعًا من إيمان ديني عميق)، بل كان يمكن أن يكون مرتبطًا بالرغبة في تعليم أطفالهم بشكل أفضل، أو توفير الرعاية الطبية، أو تأسيس مكانة اجتماعية واقتصادية غير متاحة لهم في الكنائس المحلية. وهكذا شكلت الطوائف البروتستانتية الجديدة جزءًا من الفسيفساء المحلية، مثل الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) التي تأسست بمساعدة بريطانية، وأصبحت جاذبة للمثقفين العرب. وركزت الكنائس اللوثرية التي أسستها الارساليات الألمانية في القدس وبيت لحم وبيت جالا على المؤسسات التعليمية والاجتماعية القوية. وجاءت الارساليات الأمريكية، خاصة المعمدانية والمشيخية، لاحقًا إلى أماكن مثل غزة، حيث بنوا مستشفى المعمداني. وأدى التحول إلى البروتستانتية إلى البحث عن مجموعة متعلمة جديدة لدور أوسع في الحياة الكنسية، حيث أن هذا البديل كان يتحدى الهرمية الصارمة التي كانت سائدة في معظم التقاليد الدينية في تلك الحقبة. ولا تعتبر هذه العملية تحول جماعي، بل نقطة اختيار من نخبة متعلمة تهدف إلى التعليم الحديث الذي لم يكن متاحًا بسهولة للكنائس الشرقية في ذلك الوقت. وهذه هي النخبة نفسها التي ساعدت البعثات في إنشائها (منصور، 2017).

لا ننكر أن الكنائس الانجيلية بنيت بأعضاء أتوا من الطوائف المسيحية الأخرى، غير أنه لا يخفى على أحد أن هذا لم يأتي بالضرر على هذه الكنائس المسيحية المشرقية، بل العكس تماما، بقدر ما أعطت هذه الكنائس عناصر للكنائس الانجيلية بقدر ما اغتنت بقبول التحدي وإجراء الإصلاحات الضرورية، الأمر الذي أعطى هذه الكنائس قفزة نوعية الى الامام على جميع الأصعدة. فنرى أن استجابة الكنائس الشرقية صدمت انتشار البروتستانتية البطريركيات التقليدية، معتبرة إياها تهديدًا وجوديًا. وكان ردهم مزدوجًا: من ناحية، اتخذوا موقف المعارضة بإدانة الارساليات ومنع المؤمنين من حضور الكنائس الجديدة؛ ومن ناحية أخرى، دفعتهم الضغوط التنافسية إلى التحرر من الجمود وبدء تغييرات داخلية. ولكي تحافظ البطريركيات على رعاياها من الهجرة نحو الطوائف الجديدة، بدأت البطريركيات الأرثوذكسية اليونانية والكاثوليكية اللاتينية في تحديث مدارسها ومؤسساتها لعدم فقدان مجتمعاتها، إعطاء مساحة أكبر للغة العربية في الصلوات وتحسين الرعاية الاجتماعية للمؤمنين.  وهكذا، تحولت المنافسة الطائفية إلى محرك لتحديث المجتمع المسيحي ككل (دياب، 2009، ص 295-318) ـ

 

التحول من التغريب إلى الهوية الفلسطينية

   لم تبقَ الكنائس البروتستانتية في فلسطين "جيوباً غربية" للأبد؛ بل خضعت لعملية توطين عميقة، حيث بدأت القيادات العربية المحلية بالسيطرة على القرار الإداري والمالي واللاهوتي. واليوم، أصبحت جزءًا لا غنى عنه من النسيج الوطني الفلسطيني حيث يقرؤون الإنجيل من منظور واقعهم تحت الاحتلال، وهو ما منح هذه الكنائس شرعية وطنية أصيلة.  

إن عصر الكنيسة البروتستانتية الفلسطينية يعد من أكبر التغييرات التي شهدتها المجتمعات البروتستانتية بشكل عام كانت من اعتبارها "جيوبًا غربية" إلى أن تصبح كيانات مستقلة في السياسة الكنسية العربية الفلسطينية. وشمل هذا الطريق مطالب متزايدة بأن تكون مستقلة ماليًا وإداريًا عن الارساليات الغربية، وكذلك قادة ومشاركين متزايدين في الحركات الوطنية الفلسطينية. أدى هذا في النهاية إلى تشكيل لاهوت التحرير الفلسطيني في هذه الكنائس: داخل الأسقفية واللوثرية. يربط هذا اللاهوت رسالة الإنجيل بحملة العدالة الاجتماعية والمقاومة السلمية للاحتلال وللفقراء والمضطهدين. ويعتبر الإيمان ليس مجرد عمل روحي خاص، بل يتضمن إيمانًا ملموسًا بتحرير الشعب الفلسطيني. كما ويقوم هذا اللاهوت على إعادة تفسير مفاهيم مثل "الأرض الموعودة"، "شعب الله المختار"، و"الخروج". بدلاً من فهمها كصك ملكية سياسي، يتم فهمها كرموز للعدالة والتحرر الإنساني الشامل. المسيح في هذا اللاهوت هو "الفلسطيني الأول" الذي عانى من الظلم الإمبراطوري الروماني، وبالتالي فإن الكنيسة مدعوة للوقوف مع المظلوم ضد "الإمبراطورية" الحديثة. ولكن مع تبلور هذه الهوية الوطنية جنبًا إلى جنب مع الإنجيلية الغربية الجديدة، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن البروتستانت الفلسطينيين اضطروا لمواجهة تناقض وصدام أيديولوجي عميقين مقابل الصهيونية المسيحية. وهذا هو التحدي الأكبر للبروتستانتية الفلسطينية. وسرعان ما أصبحت ساحة معركة لاهوتية وسياسية مشحونة حول إرث الارساليات بعد إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948، وخاصة بعد حرب 1967. ووجدت الكنائس الإنجيلية نفسها في مرمى النيران بين عالمين لهذا النوع من الإيمان والسياسة، في فلسطين. وهناك قطبان متناقضان في إيمانهما داخل العالم الإنجيلي، وهو بين الإنجيلية الوطنية الفلسطينية التي تمثلها الكنائس التاريخية (الأسقفية، اللوثرية، من بين مجموعات المعمدانيين والمشيخيين المحليين الأخرى). وهم يؤمنون بأن يصبحوا جزءًا أساسيًا من المجتمع الفلسطيني، من خلال كونهم لاهوت تحرير، ورفض الاستعمار والاحتلال، من خلال النضال من أجل العدالة وحقوق الإنسان للفلسطينيين.  وبين الصهيونية المسيحية التي تعد ظاهرة غربية، خاصة الإنجيلية في الولايات المتحدة وهي أيديولوجيا سياسية بغطاء ديني، حيث تؤمن بأن قيام إسرائيل هو "تحقيق للنبوءات". أي تقرأ نبوءات العهد القديم حرفيًا باعتبار أن إنشاء ودعم دولة إسرائيل هو وسيلة لخطة أخروية تتكشف قبل عودة المسيح.  لقد ظهر لاهوت التحرر الفلسطيني كاستجابة لاهوتية فريدة للواقع السياسي والاجتماعي في الأراضي المقدسة، مستلهمًا من حركات لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، لكنه متجذر في السياق الفلسطيني. ويتمحور هذا اللاهوت حول قراءة الكتاب المقدس من منظور المظلومين، والسعي إلى إيجاد معنى للإيمان في خضم الصراع والظلم، حيث يُنظر إلى الكتاب المقدس على أنه سجل لتدخل الله في التاريخ لتحرير المظلومين، من قصة الخروج إلى رسالة المسيح. ويؤكد هذا اللاهوت أن الخلاص لا يقتصر على الجانب الروحي الفردي، بل يشمل التحرر من كل أشكال الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. كما يقدم نقدًا لاهوتيًا جذريًا للاحتلال والسياسات التمييزية، مؤكدًا تعارضها مع إرادة الله للعدل والسلام. كما ويشدد على أن المحبة الحقيقية تتطلب العمل من أجل العدالة، وأن الصمت على الظلم هو شكل من أشكال المشاركة فيه، ويؤكد أن المسيحيين الفلسطينيين هم جزء أصيل من الهوية الفلسطينية، وتجربتهم النضالية هي جزء من شهادتهم المسيحية. يمكن القول بأن الرؤية اللاهوتية التحررية الفلسطينية، خرجت من رحم المعاناة التي عاشها الفلسطينيون وهذه الرؤية تقدم تفسيرا صحيحا لنصوص الكتاب المقدس ضمن السياق الفلسطيني وتتعرض هذه الرؤية للعديد من التحديات التي أكبرها هو التحدي للمسيحية الصهيونية (البريك، 2022). ويركّز يوسف خوري على أبعاد العدالة الاجتماعية والسياسية في الإيمان المسيحي، ودور الكنيسة في الدعوة إلى التغيير، حيث يقدم تحليلات لاهوتية وأخلاقية تعزز من الدور النبوي للكنيسة الفلسطينية. ويشكل نقد لاهوت الصهيونية  المسيحية محورًا رئيسيًا في هذا التيار اللاهوتي، إذ يعتبره لاهوت التحرير مغلوطًا أخلاقيًا ولاهوتيًا، لأنه يتجاهل معاناة الفلسطينيين ويتعارض مع المحبة المسيحية. كما ويضيف في مقاله "أي انجيل؟" أن الكنيسة الفلسطينية تسعى إلى استعادة المعنى الأصلي للإنجيل باعتباره بشارة تحرر لا أداة استعمار (Khoury,2024).

كما ويجادل كتناشو أن ما زاد الطين بلة في ضوء انتشار الصهيونية المسيحية وتأثيرها على عدد كبير من الكنائس الانجيلية في الولايات المتحدة أن المصطلح "انجيلي" تلوث بأيدولوجية سياسية ولاهوتية تفتقر الى العدالة الكتابية والرحمة الربانية، وتهمش مركزية المسيح بسبب تركيزها عل النبوات المزعومة التي ترتبط بمستقبل اليهود ودولة إسرائيل. وحاول البعض التخلص من المصطلح "انجيلي" بسبب تصاعد الضغوطات الاجتماعية والسياسية والكنسية الا ان المصطلح ما زال حيا يرزق وما زال يظلل بخيمته على ربوع الانجيليين بالشرق الأوسط (كتناشو،2021) ـ   

ويرى المسيحيون الفلسطينيون تأثير الصهيونية المسيحية كخطر جدي: "تبشير ضار"، نوع من الخطاب اللاهوتي الذي يهدد ليس فقط حقوقهم الوطنية بل وجودهم ذاته على أراضيهم، لاهوت يقوض رسالة العدالة والرحمة في جوهر الإنجيل. التوتر العميق والانقسام في المجتمع الإنجيلي العالمي لا يخلقه سوى الدعم السياسي والمالي الهائل الذي تقدمه هذه الدوائر لإسرائيل. وبينما يرى الإنجيلي الأمريكي أن دعم إسرائيل هو واجب ديني لتعجيل مجيء المسيح، يرى الإنجيلي الفلسطيني أن هذا الدعم يمول تهجيره واقتلاعه. وتصف "وثيقة كايروس فلسطين" (2009) الاحتلال بأنه "خطيئة ضد الله والإنسان"، وتدعو المسيحيين في العالم إلى التوبة عن دعم الظلم. الوثيقة استخدمت لغة "المحبة المقاوِمة"، مما جعلها من أهم الوثائق الكنسية في القرن الحادي والعشرين. وتحذّر الوثيقة من القراءة الأصولية للكتاب المقدّس، التي تُحوّل كلمة الله إلى "حجر صلب" يُستخدم كأداة لنزع حقوق الإنسان وتجريده من كرامته. تقول: "إن تجميد كلمة الله وتحويلها إلى حرف ميت هو خطأ فادح... فالحرف الميت يُستخدم كسلاح ضدنا، لينكر علينا حقنا في وطننا (كايروس، 2009، ص 6-8) ـ

وعلى النقيض من هذا الصراع الأيديولوجي، تواجه المجتمع البروتستانتي، مثل جميع أعضاء المجتمع المسيحي الفلسطيني مشاكل وجودية ملحة أخرى، مثل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي واسع النطاق، خاصة الزيادة في الهجرة بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، والانقسامات الجغرافية بين المسيحيين في الضفة الغربية، القدس، إسرائيل، وقطاع غزة الفلسطينيين. الإرساليات قديماً ساهمت في تعليم النخبة، ولكن هذه النخبة نفسها كانت الأكثر قدرة على الهجرة إلى الغرب طلباً للأمان. اليوم، تواجه الكنائس البروتستانتية تحدي "البقاء النوعي"؛ أي الحفاظ على المؤسسات (مدارس ومستشفيات) لخدمة المجتمع الفلسطيني ككل، وضمان عدم تحول الأرض المقدسة إلى "متاحف دينية" خالية من "الحجارة الحية" (المؤمنين المحليين). وبالرغم من التغييرات الكبيرة التي طرأت على بلادنا في القرن العشرين والتي ساهمت في هبوط نسبة المسيحيين من 10% من سكان فلسطين التاريخية في عام 1921 الى اقل من 2% في عام 2016، وبالرغم من ان الكنائس البروتستانتية المختلفة تمثل أقلية صغيرة بين المسيحيين، الا ان هذه الكنائس ما زالت تساهم في نشر رسالة الانجيل من خلال تركيزها على الكتاب المقدس، ومن خلال تواصلها مع المجتمع وتقديم خدمات تربوية وصحيّة واجتماعية (منصور، 2017).

الخاتمة: تراث متجسد ومتعارض

   في ختام هذه الدراسة، يتضح أن إرث الإرساليات الإنجيلية في فلسطين يتجاوز كونه مجرد نشاط تبشيري عابر، ليكون جزءاً بنيوياً من تاريخ فلسطين الحديث. لقد كانت هذه الإرساليات "جسراً" عبرت من خلاله قيم الحداثة الغربية إلى الشرق، ولكن هذا الجسر كان محفوفاً بالتعقيدات السياسية الدولية. لا يمكن إنكار أن الإرساليات الإنجيلية كانت "المحرك الصامت" للنهضة التعليمية والصحية في فلسطين. جلبت الارساليات التحديث الذي تشتد الحاجة إليه للخدمات التعليمية والصحية، ولعبت دورًا في رفع مكانة المرأة وتعليم نخبة اجتماعية، وهي القالب الرئيسي في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني.  

فمن خلال مدارس ومستشفيات الناصرة وغزة، خلقت هذه الارساليات نخبة فلسطينية متعلمة كانت هي العمود الفقري للحركة الوطنية والثقافية. ومع ذلك، فإن هذا التقدم جاء على حساب الوحدة الكنسية التقليدية، حيث أدى "التبشير المضاد" إلى تفتيت الرعية الشرقية وخلق طوائف جديدة كانت في بداياتها مرتبطة عضوياً بالقوى الاستعمارية.

لقد خدمت الارساليات، بهذه الطريقة، كنوع من "العامل المحفز" الذي أيقظ الكنائس الشرقية من سباتها الطويل تحت الحكم العثماني، لكن ثمن هذا اليقظة كان باهظًا وطبيعة المجتمع والكنيسة خضعت لتغيير جذري نتيجة لذلك. بشكل متناقض، تم إنشاء الكنائس البروتستانتية العربية من هذه التعقيدات لتصبح مفتاحًا للهوية الفلسطينية، اليوم تجلس في طليعة المطالبة بالعدالة والسلام وإنهاء الاحتلال - غالبًا في خلاف مع شركائها الإنجيليين في الغرب، الذين اتبعوا أيديولوجية مختلفة تمامًا. هذا الماضي، بكل تناقضاته، يستمر في توجيه الحاضر، مع تداعيات للمستقبل.

كما أن التحول الأبرز التي رصدته هذه الدراسة هو "انعتاق" الكنائس البروتستانتية الفلسطينية من وصاية الإرساليات الأم. لقد نجح المسيحيون الإنجيليون الفلسطينيون في تحويل "لاهوت الوافد" إلى "لاهوت وطني"، وهو ما تجلى في أبهى صوره عبر "لاهوت التحرير الفلسطيني". هذا اللاهوت أثبت أن الإيمان المسيحي في فلسطين ليس "حالة روحانية منعزلة"، بل هو "فعل مقاومة" ضد الظلم، ورفض لتوظيف الكتاب المقدس لتبرير الاحتلال كما تفعل الصهيونية المسيحية.

تواجه الكنائس الإنجيلية في فلسطين اليوم، كبقية الطوائف، خطر "النزيف الديموغرافي". إن الهجرة التي طالت النخب المتعلمة، وهي النخب التي ساهمت الإرساليات في تكوينها، تضع الكنيسة أمام تحدٍ وجودي: كيف تحافظ على كونها "ملحاً للأرض" في ظل تناقص الأعداد؟ التوصية الأساسية التي يخرج بها البحث هي ضرورة تعزيز "المسكونية الوطنية" (تعاون كافة الطوائف) والتركيز على الدور المؤسساتي التنموي الذي يربط الفلسطيني بأرضه، بعيداً عن الانقسامات اللاهوتية التقليدية.

في الختام نلمس أن الإرساليات الإنجيلية، التي بدأت كـ "أذرع ثقافية" لدول أجنبية، انتهت بأن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية. وقد ساهمت في صياغة وعي النخبة. لكنها اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالاستمرار في لعب دورها كجسر بين فلسطين والعالم، لتصحيح المفاهيم اللاهوتية المشوهة والدفاع عن الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة.

قائمة المراجع

الكتب:

 * إسحق، م. (2021). الإنجيليون تاريخًا ولاهوتًا: نظرة معاصرة. (بيت لحم: كلية الكتاب المقدس وكلية الناصرة الإنجيلية).

 * دياب، ع. (2009). مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها. (لبنان: دار منهل الحياة).

 * كتناشو، ح. (2021). الإيمان الإنجيلي والحضارة العربية. (لبنان: دار منهل الحياة)،

الأبحاث والرسائل العلمية:

 * البريك، م. ش. (2022). تأثير الرؤية اللاهوتية الفلسطينية على موقف الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة من الصراع العربي الإسرائيلي (رسالة ماجستير). (جامعة النجاح الوطنية، نابلس).

 * Khoury, Y. K. (2024). Which Gospel? The Militarization of Sacred Texts in Israel’s Genocide in Gaza. International Journal of Public Theology, 18, 488–508.

المصادر الإلكترونية والوثائق:

*كايروس فلسطين. (2009). وقفة حق – وثيقة كايروس فلسطين.

*منصور، ب. (2017). الإصلاح الإنجيلي والفرصة التي أهدرت في الشرق الأدنى.

موقع تعال وانظرhttps://www.comeandsee.com/ar/post/2825115.

*منصور، ب. (2017). بدايات الإصلاح الإنجيلي في فلسطين.

 موقع تعال وانظرhttps://www.comeandsee.com/ar/post/2828094.

______________________________________________________________________________

ملاحظة: كتبت هذه الدراسة ضمن مساق، الكنيسة في فلسطين والمشرق العربي، مع القس د. عازر عجاج

كلية الناصرة الانجيلية وكلية بيت لحم للكتاب المقدس، كانون الثاني 2026.

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع