أبونا السَّماويُّ الذي هو أصلُ النَّقاءِ والخيرِ والمحبَّةِ، وهو محبٌّ لجنسِنا البشريِّ، كيفَ لا وهو خالقُنا، وهو الذي أوصانا في (سفر الخروج 20)، بل حذَّرنَا قائلًا: "اِبْتَعِدْ عَنْ كَلاَمِ الْكَذِبِ،" (سفر الخروج 23: 7). لكنَّ الذي يعيشُ حسبَ الجسدِ تراهُ يمارسُ معظمَ الأساليبِ السيِّئةِ ومنها الكذبُ الذي صارَ يعيشهُ كأنَّهُ نمطُ حياةٍ لديهِ، بل صارَ إضافةً إلى كذبِهِ في يقظتِهِ! وما لم يقدرْ أن يحقِّقَهُ في حياتِهِ، تراهُ يستيقظُ من نومِهِ ويبدأُ ويروي حلمًا لم يرَهُ! حيثُ يجعلُ من نفسِهِ قد قامَ بعملٍ خارقٍ، وفي ختامِ روايتِهِ للحلمِ يقولُ:» لا أعرفُ لماذا يغارُ مَنْ يسمعُني وأنا أروي حلمي عند طل صباحٍ! أكيدٌ سيتحقَّقُ الحلمُ وحينئذٍ سيرفعُ كلُّ حاسديَّ قبَّعاتِهِم لي! ألمْ يكنِ الوصولُ إلى الفضاءِ مجرَّدَ حلمٍ؟«.
نأسفُ حينا نشاهدُ ونسمعُ من بينِنا مَنْ أصبحَ يكذبُ ويُصدِّقُ كذبتَهُ! وإذا حدثَ وسألهُ أحدُ سامعيهِ، تراهُ يتحجَّجُ قائلًا: » يا رجلُ إنَّها كذبةٌ بيضاءُ«. حينئذٍ عليكَ/كِ أن تجيبَهُ ناصحًا إيَّاهُ من الكتابِ المقدَّسِ: "أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللهِ.«" (أعمال الرسل 5: 4).
سؤالٌ: هل تختلفُ الأساليبُ السيِّئةُ من مجتمعٍ إلى آخرَ؟ نعمْ، فعلًا تختلفُ هذهِ الأساليبُ التي ترتبطُ بعضها بالعاداتِ والتقاليدِ. بل تختلفُ الكنيسةُ عن العالمِ، بل يختلفُ المؤمنونَ عن غيرِ المؤمنينَ. لذلكَ نجدُ بعضَ الممارساتِ سيئةً في مجتمعٍ ولا نجدُها كذلك في مجتمعٍ آخرَ. فالكذبُ في مجتمعاتِنا الشرقيَّةِ أسلوبٌ معتمدٌ من قبلِ العديدِ من الناسِ خاصَّةَ الكبارِ! هؤلاءِ الذين تعلَّموا الكذبَ منذُ صغرِهِم سواءٌ في البيتِ أو في المدرسةِ. فالأبُ والأمُّ يكذبانِ أمامَ مسامعِ أولادِهِما، والمعلِّمُ يكذبُ أمامَ التلاميذِ، لذلكَ ينشأُ الطفلُ وهو يتعلَّمُ ممارسةَ الخطيئةِ منذُ نعومةِ أظافِرِهِ. كيفَ لا وهو يرى قدوتَهُ في البيتِ والمدرسةِ يمارسانِ الكذبَ. أجدُ أنَّ للدولةِ وبالذاتِ لوزارةِ التربيةِ والتعليمِ دورًا فعَّالًا في بناءِ الفردِ سويًّا منذُ المراحلِ الدراسيَّةِ الأولى، وإلحاقِ طواقم التعليمِ بدوراتٍ مكثَّفةٍ يتعلَّمونَ فيها ممارسةَ أساليبَ اجتماعيَّةٍ تربويَّةٍ صحيحةٍ حتى لو كانتْ مُناهِضةً للعاداتِ والتقاليدِ، حتى يكونوا على مقدرةِ تربيةِ وتعليمِ التلاميذِ. دونَ أن نُغيبَ دورَ العوائلِ وأهالي التلاميذِ في تربيةِ أولادِهم، جَنبًا إلى جنبِ طواقمِ التربيةِ والتعليمِ، وفقَ برامجَ تُعلِّمُهُم رفضَ كلِّ الأساليبِ السيِّئةِ كالكذبِ والخداعِ والنميمةِ والسبِّ والشتمِ... إلخ. حتى ينشأَ التلاميذُ جيلًا سويًّا يسيرُ على جادَّةِ الصوابِ جيلًا بعدَ آخرَ. ونحنُ كمسيحيِّينَ مؤمنينَ وأعضاءً في الكنيسةِ التي رأسُها يسوعُ المسيحُ، نعلمُ عِلمَ اليقينِ، تقعُ على عاتقِ الكهنةِ مسؤوليةُ (التأديبِ الكنسيِّ: هو استعادةُ المؤمنِ الذي ضلَّ. استعادةُ الخاطئِ إلى السلوكِ الصحيحِ والمصالحةُ بين المؤمنينَ واللهِ.) [1]، حيثُ نجدُ في خدمةِ القساوسةِ وخدَّامِ الكنيسةِ الدورَ الفعَّالَ في التعليمِ المستندِ على تعاليمِ الكتابِ المقدَّسِ، وعلى أقوالِ يسوعَ المسيحِ وأمثالِهِ ووصاياهِ. بهذا سينمو الأولادُ في جوٍّ تعمُّهُ الأخلاقُ المسيحيةِ فيها يغدقُ الروح القدس بمواهبه عليهم "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ،" (غلاطية 5: 22). لا يقتصرُ الدورُ التربويِّ للكنيسةِ في بناءِ أعضائِها فحسبُ، بل يتسعُ دورُها من خلالِ أبنائِها، فتظهرُ نتائجُهُ في المجتمعِ، لا محالةَ، هي نتائجُ فعَّالةٌ في بناءِ الفردِ. فيتواكبُ دورُها مع دورِ مؤسساتِ الدولةِ في بناءِ أفرادِ المجتمعِ. بهذا سيكونُ المسيحيُّ المؤمنُ قدوةً في المجتمعِ، كيفَ لا وقد سمحَ للهِ أن يُحقِّقَ فيهِ مقاصدَهُ، مُؤمنًا أن الذي يُحبُّه الله يُؤدبهُ "أَدِّبْنِي يَا رَبُّ وَلكِنْ بِالْحَقِّ، لَا بِغَضَبِكَ لِئَلاَّ تُفْنِيَنِي." (سفر إرميا 10: 24). اللهُ الآبُ الذي يُريدُنا أن نعيشَ أبرارًا (مشابهينَ صورةَ ابنِهِ يسوعَ المسيحِ.) [2] "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ." (سفر التكوين 1: 27). هيا كلَّ أبٍ وأمٍّ وكلَّ وليِّ أمرٍ وكونوا عندَ حسنِ ظنِّ فلذاتِ أكبادِكم متحمِّلينَ مسؤوليَّةَ بناءِ شخصيَّاتِهِم وفقَ أساليبَ تربويَّةٍ مسيحيَّةٍ مستنبطةٍ من تعاليمِ المعلِّمِ الأعظمِ، يسوعِ المسيحِ، خاليةٍ من كلِّ الأساليبِ السيِّئةِ مثلَ الكذبِ – رجاءً يا كلَّ أبٍ ويا أمٍّ كُفَّا عن ممارسةِ الكذبِ، كي تكونا قدوةً مسيحيَّةً حسنةً أمامَ فلذاتِ أكبادِكُما، فيتكاملُ دوركُما مع دورِ الكنيسةِ في بناءِ جيلٍ مؤمنٍ بالرَّبِّ يسوعِ المسيحِ الذي يحبُّ الأطفالَ. "وَقَالَ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (متى 18: 3).
نصيحةٌ: لكي تكفَّ عن الكذبِ وتتحاشاه، لطفًا، لا تتعجَّلْ في الإجابة، بل تريَّثْ لتمنحَ نفسكَ/كِ فرصةً كافيةً لفهم السؤال، وراجِعْ إجابتكَ/كِ مرّاتٍ عدّةً قبل أن تُدلي/ بها؛ حينئذٍ لن تلجأَ إلى الكذب، لأنكَ/كِ ستُجيبُ بحكمةٍ. "اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِسًا لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ." (سفر المزامير 141: 3)، أدعوكَ/كِ كي تراجع/تراجعي (إنجيلَ متّى 21: 23-27) حتى تتعلَّمْ/تتعلَّمي من يسوعِ المسيحِ كيفيَّةَ الإجابةِ دونَ أن تضعَ نفسَكَ/كِ في شِرْكِ الكذبِ.
المحامي، مارتن كورش تمرس لولو
[1] مستنبط من نص "سلطة الكنيسة" ص 7 مساق اللاهوت النظامي ج2 ريع 2026
[2] مستنبط من أحد نصوص مساق "اللاهوت النظامي ج1 خريف 2025"


RSS