• المسيح قام - القس د. حنا كتناشو
المسيح قام - القس د. حنا كتناشو

نقف اليوم أمام أعمق جملة في المسيحية. فهي جوهر الإيمان ونبضه وتستحق منا وقفة تأمل خشوعية. (1) هي عبارة خلاصية (Soteriological) تجسد ذروة التدبير الإلهي وتجلّي قمة النعمة والقدرة. فمنذ لحظة السقوط المريرة تطلعت عيون البشر نحو "نسل المرأة" الذي سيسحق رأس الحية (تكوين 3: 15)، ونسل إبراهيم الذي ستتبارك به جميع الأمم (تكوين 22: 18)، وغصن داود الذي سيقيم ملكوتا لا يزول (2 صموئيل 7: 12-14). إنه ابن الإنسان الآتي ليجدد الخليقة ويؤنسن الإنسان ويجعله بشراً يستبطن معرفة الله (دانيال 7: 13-14؛ متى 19: 28).

لقد تعددت الأوصاف والرموز، لكن الوحي استقر على لقب "المسيح" مع ال التعريف. هو المعيّن والمختار والمصطفى والممسوح من الله لإتمام الفداء. فلا أحد في السماء، ولا على الأرض، ولا تحت الأرض استحق أن يفك ختوم السفر الإلهي إلا هو (رؤيا 5: 3-5). وحده المسيح كسر قيد الخطيئة، وأنهى سلطان الظلمة، ليصنع عالما جديدا.  والطريق هو الصليب (1 كورنثوس 1: 18). الطريق إلى الانتصار على الموت هو الموت إذا داس الموت بالموت.

(2) "المسيح قام" ليست مجرد جملة لاهوتية، أو عبارة ليتورجية نرددها في الأعياد والطقوس الدينية، بل هي خبرة وجدانية وغذاء روحي يومي. هي الجملة التي تطرد الشياطين وتشدد ركب المنهزمين وترفع برؤوس المكتئبين. هي أفضل تعزية في الجنازات. هي الإعلان المدوّي أن الخطيئة قد هُزمت وأن المرضَ قد خسر المعركة وأن الموت اِنقهر وأن دنس العالم قد فشل أمام قداسة القبر الفارغ. "المسيح قام" هي رجاء اليائسين وفرح الباكين. هي النور الذي يشرق على عتمة الشعب الجالس في الظلمة (إشعياء 9: 2)، والسلام الحقيقي الذي تلهث خلفه أرواحنا. هي رسالتنا لأهل غزة والضفة ولكل العالم. هي لحظة الارتماء في حضن الآب بعد فراق طويل. "المسيح قام" هي الغرفة الآمنة وحصننا المنيع أمام عجز البشرية. "المسيح قام" قصة خلاصي وخلاصك والضمان الأبدي لهذا الخلاص. "المسيح قام" هي رسالة تذكّرنا أن يسوع حيٌّ في وفيك ولأنه حيٌّ فسنحيا. يسوع حيّ فيّ فمع المسيح صُلبتُ فأحيا لا أنا، بل هو يحيا فيّ (غلاطية 2: 20). هو الآن ودائما ينبوع النعمة والمحبة والرحمة والقداسة في كل واحد فينا. هو محيّ الكنيسة. بدونه نحن أموات وبه نحن أحياء لا نموت بل نتغير إلى صورته (1 كورنثوس 15: 51-52؛ 2 كورنثوس 3: 18). 

(3) "المسيح قام" هي حقيقة تاريخية موثقة بيقين الدماء. نحن لا نتحدث عن ميثولوجيا أو حلم جميل أو فلم خيالي، بل عن حدث زَلزَل أركانَ التَّاريخِ وتغلغلَ في نسيجه. وُلد المسيح في بيت لحم ونشأ في الناصرة وصُلب في أورشليم في القرن الأول على عهد بيلاطس البنطي زمن الإمبراطورية الرومانية (لوقا 3: 1-2). لسنا أمام دراما سينمائية أو أسطورة قديمة بل أمام هزيمة الموت لأن المسيح قام.  بعد ثلاثة أيام من صلبه وقتله ودفنه ظهر لتلاميذه مرة تلو الأخرى وظهر لأكثر من 500 شخص (1 كورنثوس 15 6). وانتشر اسمه في بلاد كثيرة. وباسمه صنع تلاميذه معجزات لا حصر لها مؤكدين أنه ظهر لهم وأنه قام حتى ولو غلوهم بالزيت وحرقوهم بالنار ورموهم في ميادين الأسود. لقد تمسكوا بالمسيح الحي حتى الرمق الأخير. لم يتخلوا عن الحقيقة التاريخية: المسيح قام. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن مئات الأشخاص الذين عرفوه شهدوا أنه قام حتى ولو خسروا رقابهم ومنهم من فقدها بسبب هذا الأمر.

(4) "المسيح قام" هي صرخة اسخاتولوجية تمتد إلى أبد الآبدين. فهي الوعد الصادق أنه تأتي ساعة يقوم فيها جميع الذين في القبور عندما يسمعون صوته (يوحنا 5: 28-29). هي إعلان قدوم مملكة الله داخل ممالك البؤس والفساد. لقد تجرعت البشرية مرارة الحروب وقسوة الأوبئة وفجائع الموت والإبادة والاحتلال والعنصرية لكن الانحدار توقف والموت خسر شوكته وانكسرت قوته (1 كورنثوس 15: 54-55). "المسيح قام" صرخة مقاومة ضد كل أنواع الشر، صرخة صمود ضد كل أنواع الموت، صرخة نبوية ضد كل من يسلب الحياة. فبما أن الرأس قد قام سيقوم الجسد. وبما أن المسيح قد انتصر فنحن به أعظم من منتصرين. ونرتل قائلين: لست يا موتُ بشيءٍ، منك لا نخشى وعيداً، إنما يسوعُ حيٌّ، فعلينا لن تسود. ليس الموت هو النقطة التي تنتهي عندها الجملة. هو مجرد فاصلة والكلمة الأخيرة هي المسيح لأن المسيح قام. المسيح هو البداية والنهاية. ونحن الآن كمسافرين على متن رحلة سماوية متجهة نحو الأبدية وربّان الطائرة هو المسيح الذي قام وغلب الموت. وستهبط طائرة حياتنا حيث لا يوجد حزن ولا بكاء ولا وجع ولا موت ولا ليل ولا صواريخ ولا شياطين ولا كذابين (رؤيا 21: 4). "المسيح قام" هي التقاء حلم البشرية التائهة بتدبير الله المحب، هي تدشين لملكوت النور والسلام. صار المسيح باكورة عالم جديد. وهذا العالم موجود الآن وينتشر من خلالك وخلالي.

(5) "المسيح قام" هي في جوهرها جملة إرسالية. فالقيامة لم تكن ختاما مجيداً لقصة الآلام، بل كانت الانطلاقةَ الكبرى لانتشار ملكوت الله في كل المسكونة. لا يريد اللهُ معجبين بمعجزة القيامة بل سفراء لمملكة القيامة، أناسا يحملون شعلة نور القيامة. فحياته التي غلبت الموت تنير الآن حياة كل واحد منا. محبته تبددُ عتمةَ الكراهية والعنصرية. لذا اسمعوا صوته يناديكم: اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا للخليقة كلها . . . أخبروهم أن المسيح قام (مرقس 16: 15). هذا هو الحل الإلهي لخطايا البشر.

وأخيراً، تهدينا قيامة السيح هدايا لا تثمن بثمن. وهي أثمن من الذهب. الهدية الأولى هي سلام يبدد الرعب. يقدمها المسيح للخائفين القابعين خلف أبواب مغلّقة، يقدمها لمن شلّ التهديد حركتهم، ويخترق المسيح الجدران المحصنة ليقول: سلام لكم (يوحنا 20: 19). فيحوّل الخوف والقلق والارتجاف إلى فرح اللقاء بالرب. يتحوّل زمن الصواريخ إلى زمن للترنيم وتتحول ساعات الخوف إلى وقفات للتأمل وقراءة الكلمة والصلوات لأننا حينها لا يأسر الخطر كياننا بل نُسبى بجمال الرب.

الهدية الثانية هي سلام الإرسالية. لا يكتفي المسيح بطمأنتنا بل يكرر قوله: سلام لكم. هو سلام نأخذه لكي نعطيه وننقل به قوة القيامة إلى عالم مكسور. وهنا أوجه دعوة لكل قلب: خصص حياتك لخدمة هذا الرب الحي، فليس شرفٌ أسمى من أن تكون خادما للمسيح.

الهدية الثالثة هي نفخة الحياة الجديدة. وهي أعظم هدايا العيد. يا لها من هدية عظيمة في عيد القيامة إذ ينفخ ويقول: اقبلوا الروح وانشروا العدل والغفران (يوحنا 20: 22-23). المسيح قام فاقبلوا هداياه وكونوا أنتم هديته للعالم.

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع