• في هذه الأوضاع العسيرة، هل انت مسجونٌ أم طليق؟ عصام نسيب عودة
في هذه الأوضاع العسيرة، هل انت مسجونٌ أم طليق؟ عصام نسيب عودة

نحن نعيش أياما ليست بسهلة لا بل وغير طبيعية.

هذه الأوضاع العسيرة بدأت بالذات منذ جائحة الكوبيد (فيروس كورونا) مع مطلع عام 2020، وامتدت لغاية يومنا هذا من سيء لأسوأ، وحدّث ولا حرج... فتارة الصراعات بين الشعبين العربي واليهودي، وتارة أخرى آفة العنف والجريمة في مجتمعنا العربي، والتي تتزايد في التسارع بشكل مُرعب من سنة لأخرى، ثم الحروب وصفارات الإنذار والصواريخ التي تصلنا وتلك الاعتراضية، التي لا تقل خطرا ورعبا عن الصواريخ العادية، ناهيك عن الطائرات المسيّرة وغيرها من أسلحة فتاكة ذات الأصوات الزائرة، فإذا لم تُصب بأحد منها، لا سمح الله، فهناك ضجة صفارات الإنذار والانفجارات التي تضرب القلب والفكر والنفس، وتسبب الأرق والرعب وربما انهيار الأعصاب.

 

وسط كل ذلك، وما لا يقل صعوبة وتأزما عما ذكرنا، فهناك "الحبس المنزلي" وما يقارب انعدام حرية الحركة والتنقل، إن كان للوالدين أو الأولاد، إضافة للتعلّم عن بعد والتداعيات لذلك، كذا تأذّي الأشغال والمصالح والخسارات المادية التي تنجم عن كل هذا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تفاقم غلاء المعيشة، وبالتالي ضرب لقمة العيش، ناهيك عن الالتزامات المالية الشهرية التي لا تعرف الانتظار أو التأجيل!!!

 

في خضم صعوبة وتأزّم المشاهد المذكورة، نرى أنفسنا في حيرة وربما يأس، تساؤلات كثيرة تتبادر لأذهاننا، وقد نبدأ بالتأفّف والتذمر والشكوى حيال هذه الضائقات، الواحدة تلو الأخرى، ولسان حالنا يقول: "لغاية متى وإلى أين" ... "أما لهذا الليل من آخر؟؟!!"

 

الأمر الذي يزيد الوضع صعوبة وعُسرا هو عندما تحل الأعياد والمناسبات السعيدة، مثل عيد الأم أو عيد الفصح التي نحن في صددها هذه الأيام وغيرها، فتجد نفسك قابعا بين حيطان أربع لا حول لك ولا قوة!!!

 

لقد سبق سيدنا وفادينا يسوع المسيح وأنذرنا قائلا: "كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا 16: 33).  

 

نقرأ عن بطرس الرسول، عندما مد هيرودس يديه ليسيء إلى الكنيسة، كيف سجّه في السجن بعد أن قتل يعقوب بالسيف، وكانت تصير من الكنيسة صلاة بلجاجة إلى الله لأجل بطرس، فاستجاب الرب وأرسل ملاكه ليخترق أربعة أرابع من العسكر، أي على الأقل ستة عشر عسكريا، الذين وُضعوا لحراسة بطرس.

 

الجدير بالتأكيد أن بطرس كان نائما وسط كل هذا الضيق والخطر الذي هدّد حياته بالموت، لا بل وغطّ في نومٍ عميق، فعندما أتاه الملاك ليوقظه بعد أن ضرب جنبه، ظنّ بطرس أنه يحلم أو ينظر رؤيا، دلالة على النوم العميق (أعمال الرسل 12: 1-10)، كيف لا وقد وضع اتكاله الكامل على الرب، وهو الذي قال بكلمته: "ويعطي حبيبه نوما" (مزمور 127: 2)، وكذلك "بسلامة أضطجع بل أيضا أنام، لأنك أنت يا رب منفردا في طمأنينة تسكّنني" (مزمور 4: 8).

 

نقرأ أيضا عن بولس وسيلا، كيف كانا يسبحان الله ويصليان بينما هما في السجن مكبّلان بالأصفاد وأرجلهما بالمقطرة (أعمال الرسل 16: 25). 

 

من أين هذا السلام وتلك الطمأنينة والقوة لهؤلاء الأبطال؟! إنها قوة روح الله القدوس التي سكنت فيهم وملأتهم وعملت منهم أبطال إيمان لا يهابون الصعاب أو المخاطر وحتى الموت.

 

وبالنسبة لنا، لم نصل بعد إلى تلك الظروف التي وصلها هؤلاء التلاميذ، ومع ذلك نشعر، بالذات في فترة الحرب هذه، أننا في حبس بيتي، محدودون في الحركة أو التنقل، ناهيك عن الأزمة المادية التي قد تصيب هذه العائلة أو تلك والتي تزيد الأمر تفاقما وتعقيدا.

 

نعم، ليس الأمر بالسهل، ولا نقدر أن ننكر صعوبة الظروف المذكورة وغيرها، ومع كل ذلك، وفي هذه الأحوال بالذات، لنرفع عيوننا إلى الرب، من حيث يأتي عوننا، فهو صانع السموات والأرض، وهو الذي وعد بحماية أولاده وكل من يلتجئ إليه ويسلمه حياته، فحتى إن تواجدنا في هذا "الحبس"، فما هو إلا حبس جسدي فقط، بينما ينبغي أن ندرك أن الروح حرة وطليقة في المسيح، لا تحُدّها حيطان أو جدران أو صواريخ أو كل آلات الحرب، فهو الذي قال: "إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا" (يوحنا 8: 36)، ويقول الرسول بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس 3: 17 "واما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية".

 

عندما أُعلن الرب يسوع ملكا وسيدا وربا على حياتي فسأنال الحرية في المسيح، وليس ذلك فقط، بل سيسود سلام الرب وفرحه وتعزياته في قلبي وحياتي، مهما كانت حالتي أو وضعي على الأرض، لأني بمجرد قبلته ربا ومخلصا هذا يشكّل شهادة وفاة للخطية وللإنسان العتيق، هي هي التي تقيّد الانسان وتطرحه في سجن القيود والحزن واليأس.  

 

ولكل من توّج المسيح ربا على حياته نقول: الرب وعد أنه هو معنا، كما يقول في سفر أرميا 30: 11: "لأني انا معك يقول الرب لأخلصك"، والنبي أشعياء يؤكّد: "إذا اجتزت في المياه فانا معك وفي الانهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تُلدع واللهيب لا يحرقك" (أش 43: 2)، فكيف نخاف ما دام الله معنا، وإن كان الله معنا فمن علينا (رومية 8: 31)، وهو الذي وعد قبيل صعوده للسماء قائلا: "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 20).

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع