• الكنيسةُ ما بينَ الوطنِ والمهجرِ - المحامي، مارتن كورش تمرس لولو
الكنيسةُ ما بينَ الوطنِ والمهجرِ - المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

عائلتانِ: إحداهما في الوطنِ، تصرُّ على البقاءِ، تمسكُ بأظافرِها وأسنانِها بجذورِ الأرضِ، غيرَ تاركةٍ الأساسَ في تربتِه، متمنّيةً الاستقرارَ، وهي تنظرُ بعينِ الأملِ إلى السلامِ وسطَ دخانِ البنادقِ وسيوفِ الذبحِ.  والثانيةُ قد خرجتْ بكلِّ أفرادِها إلى المهجرِ، باحثةً عن الاستقرارِ الذي فقدتْه في الوطنِ، لعلَّها تجدُه في بلدِ المهجرِ الذي سيتحوّلُ إلى وطنٍ ثانٍ. لتظلَّ عينُ القسيسِ دامعةً كعينِ الراعي الصالحِ "فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ." (متى 26: 31)، خلفها، لأنه عارفٌ مخاطرَ طريقِ المهجرِ الذي صارَ سالكًا من قِبلِ معظمِ المضطهدينَ المسيحيينَ في الشرقِ.

كلُّنا نعلمُ أنّ العديدَ من العوائلِ خرجتْ ولم تعدْ؛ منها من علِقَتْ في دولِ الجوارِ، ومنها من لا تزالُ واقفةً في طابورٍ طويلٍ أمامَ بابِ ممثليةِ الأممِ المتحدةِ، ومنها التي قدّمَتْ طلبَ الهجرةِ إلى سفارةٍ دولةٍ أجنبيةٍ ثم عادتْ إلى مأواها وجلسَ أفرادُها والواحدُ منهم يضربُ الأخماسَ في الأسداسِ. تارةً ينظرُ بعينِ الأسفِ إلى ماضيه، وتارةً أخرى ينظرُ إلى المستقبلِ بعينٍ كأنّها أُصيبتْ بالماءَ الأبيضِ من كثرةِ البكاءِ. بينما دماءُ نزيفِ النزوحِ من الوطنِ يجريِ، بينما القسيسُ حائرٌ وهو يشاهدُ كلَّ يومٍ عائلةً جديدةً تخرجُ سائرةً على طريق الهجرةِ. كأن سهامُ هجرة لم تصبْ إلا أعضاء الكنيسة. العائلةُ التي تخرجُ بأفرادِها من الوطنِ مودعةً مثيلاتها في الكنيسةِ، لا يعني البتةِ خروجها من الوطنِ نهايةً لمعاناتها بل مواجهتها معاناةً جديدةً قد لا تقوى على حلها إلا بالاستعانةِ بمعونةِ وإرشادِ الرَّبِّ "أعلمك وأرشدك." خاصّةً، والعائلةُ دخلتْ بأفرادِها إلى بلدٍ ثانٍ، هو بلدٌ جارٌ أو دولةٌ عربيةٌ شقيقةٌ، في هذا البلدِ تلتقي العائلةُ بمثيلاتِها التي هي الأخرى قد هاجرتْ من الوطنِ لأسبابٍ تختلفُ عن الأسبابِ التي أجبرتْ أيةَ عائلةٍ أخرى. وقد أصبحتْ نسبةُ نفوسِها في ازديادٍ مضطردٍ؛ كيف لا، ونزيفُ التهجيرِ القسريِّ يجري، إضافةً إلى النزوحِ والهجرةِ.

في لقاءٍ جانبيٍّ مع د. سرود، عضوِ البرلمانِ، أكَّدَ نسبةَ خروجِ ثلاثِ عائلاتٍ مسيحيَّةٍ كلَّ يومٍ من العراقِ. لتسلكَ طريقَ اللجوءِ، وهذا يعني ازديادَ نسبتِهم في بلدانِ المهجرِ، حتى ما عادَ بإمكانِ راعٍ واحدٍ أن يرعاها. لذلك ينبغي على الكنيسةِ ألّا تقفَ مكتوفةَ الأيدي أمامَ هذا الانتقالِ الجماعيِّ غيرِ المنظَّمِ، بل أن تقومَ باحتوائِه من أجلِ تنظيمِه، ما دامتِ العديدُ من الأنفسِ قد اختارتْ طريقَ الهجرةِ، وما دامَ قد تمَّ اتخاذُ قرارِ الهجرةِ، فعلى الكنيسةِ بوجودِ راعيها أن تُراقِبَ مراحلَ الانتقالِ من أجلِ وضعِ الحلولِ اللازمةِ:

المرحلةُ الأولى: من الوطنِ إلى دولةٍ من دولِ الجوارِ:

تجدُ العائلةُ نفسَها في هذه المرحلةِ مُرغمةً على التكيّفِ الوقتيِّ مع عاداتِ بلدِ الجوارِ، وهي تنتظرُ الحلَّ لكي تنجوَ بأفرادِها عبرَ مسالكِ التهريبِ غيرِ المشروعِ، وقد تتعرّضُ حياةُ أفرادِها إلى الخطورةِ. عِلمًا بأنَّ هذه المرحلةَ تتميّزُ بتلازمٍ كبيرٍ بين العوائلِ المُهجَّرةِ من جهةٍ، وبينَها وبينَ الكنيسةِ من جهةٍ أخرى، ناهيكَ عن الظروفِ النفسيّةِ والماديّةِ التي تمرُّ بها هذه العوائلُ، دونَ أن يغيبَ واجبُ الصلاةِ والصومِ.

المرحلةُ الثانيةُ: دولةُ المهجرِ؛ مرحلةٌ يغلبُ عليها طابعُ نسيانِ الوطنِ، والتغيّبِ عن الكنيسةِ، ومشاعرُ الاغترابِ عن الوطنِ الأمِّ، وبدايةُ الذوبانِ، ممّا يؤدّي إلى ضياعِ الجيلِ الثاني والثالثِ، وبدايةِ انفصامِ العلاقةِ بين الفردِ واللهِ.

مرحلةٌ خطيرةٌ تخوضُ غمارَها العائلةُ، وقد نسيتْ صلاتَها، وتركتْ صومَها، وغابتْ عن كنيستِها، وبدأ أفرادُها بتعلّمِ عاداتٍ وأخلاقٍ وممارساتٍ جديدةٍ، منها الصالحُ ومنها الطالحُ، كإجراءاتِ انفصالِ الزوجينَ أمامَ المحاكمِ، وتفكّكِ أفرادِ العائلةِ بين أزقّةِ المهجرِ. حتى إذا أصبحَ جسدُ العائلةِ منزوعًا من مقوّماتِه الأساسيّةِ، فحينئذٍ لا يسعُنا إلا أن نقولَ: {»هيا أيُّها القسيسُ، لا يدعْ لك جفنٌ يغمضُ إلا وقد طرتَ بأجنحةِ الترابطِ بين كنيسةِ الوطنِ وكنيسةِ المهجرِ، واستطعتَ أن تُرشدَ رعيتَكَ إلى كنيسةِ المهجرِ "أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ. " (سفر المزامير 32: 8). هيا أيُّها الراعي، وتذكّرْ أيامَ كانَتْ كلُّ عائلةٍ معكَ في الوطنِ. أمّا اليومَ فقد صرتَ تبكيهم، ولم تنسَهم في صلاتِكَ، تسألُ عنهم وتتتبّعُ أخبارَهم. هيا، اعملْ على تسليمِهم إلى راعي كنيسةِ بلدِ المهجرِ، ليقومَ بمعرفةِ عناوينِهم، وتتتبّعِ أخبارِهم، ومراسلتِهم، وزيارتِهم، ومعرفةِ احتياجاتِهم، ومساعدتِهم قدرَ الإمكانِ، ودعوتِهم للحضورِ إلى الكنيسةِ والمشاركةِ في مراسيمِ القدّاسِ الإلهيِّ«.} علمًا أنّ المسألةَ لا تخلو من مطبّاتٍ على الطريقِ الذي يحاولُ القسيسُ رسمَه للوصولِ إلى تلك العوائلِ التي وطأتْ أقدامُها أرضَ المهجرِ، وقد بدأ وطيسُ نيرانِ ألمِ فراقِ الوطنِ بالاشتعالِ، وحطبُه الاستقبالُ الباردُ من المعارفِ المتجنّسينَ، والتشتّتُ بين مدنِ بلدِ المهجرِ، ومهمّةُ تعلّمِ لغةِ بلدِ المهجرِ.

إنّها معاناةٌ، لكنّنا نؤمنُ بأنَّ اللهَ لن يتركَ أبناءَه حتى ولو كانوا خارجَ الوطنِ " لَا تَرْهَبْ وَلَا تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ«." (سفر يشوع 1: 9)، لأنَّ الرَّبَّ قد هيّأ لهم الملكوتَ موطنًا دائمًا. لذلكَ، علينا اليومَ ككنيسةٍ أن نعملَ على اللقاءِ كأعضاءٍ، وأن يسعى كهنتُنا إلى ترتيبِ اجتماعاتٍ سنويّةٍ بين قساوسةِ في الوطنِ والمهجرِ، من أجلِ الترابطِ الروحيِّ بين العائلةِ والكنيسةِ، لكي لا تفقدَ الطريقَ "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: »أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. " (يوحنا 14: 6).

 

المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

والطالب في كلية بيت لحم للكتاب المقدس

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع