• إلى خليل… هدية محبة في بداية جديدة - القس عازر عجاج
إلى خليل… هدية محبة في بداية جديدة - القس عازر عجاج

إلى ابني خليل، هدية محبة وهو يخطو أولى خطواته في حياته الجديدة . وإلى زوجتي "ابتسام".. رفيقة الدرب وشريكة الصلاة والبدايات. 

 

قبل أقل من شهر، وقف الزمانُ برهةً ليشهد على فصلٍ جديد من فصول الحياة؛ حيث احتفل ابني البكر "خليل" بدخوله القفص الذهبي. لم أكن هناك كأبٍ فحسب، بل حظيتُ بامتيازٍ روحيٍّ عميق حين قمتُ بنفسي بإجراء مراسيم الإكليل.

وفي غمرة تحضيري للكلمة التي سألقيها في تلك اللحظة المهيبة، سافر بي الذهن في رحلة عبر الزمن. رحلةٌ استعرضت بداياتٍ مميزة رسمت ملامح حياة ابني، كنتُ فيها شاهدًا ورفيقًا.

لقد عبرنا معًا محطاتٍ لا تُحصى، بدأت منذ أن رافقتُ صرخته الأولى في هذا العالم، وكنتُ سنده في تعثر خطواته وهو يكتشف سرّ الجاذبية، وشهدتُ هيبة وقوفه في اليوم الأول أمام أبواب الحضانة والمدرسة. أتذكر بوضوحٍ تلك اللحظات وهو يصارع الأمواج في أول دروس السباحة، وحماسه وهو يرتدي قميص فريقه في أولى مبارياته لكرة القدم.
محطاتٌ كثيرة لا تُعد، لكن ثلاثًا منها على وجه الخصوص ظلّت محفورةً في وجداني؛ لا لكونها مجرد أحداثٍ زمنية، بل لأنها كانت علاماتٍ فارقة تتجلى فيها بركة الله في رحلة حياتنا.

 

البداية الأولى: أمانة بين يديّ

مرّت ثلاثة وثلاثون عامًا على تلك اللحظة في أحد مستشفيات مدينة القدس، لكن تفاصيلها لا تزال حيّةً كأنها حدثت بالأمس. أتذكر كيف تأخر خليل عن موعده المتوقع أسبوعًا، وكأنه كان يتهيأ بهدوء لإطلالته الأولى. وحين حانت الساعة، أطلّ علينا طفلٌ كان يسكن قلوبنا قبل أن تراه عيوننا؛ فقد كنا أنا وأمه "ابتسام" نخاطبه ونغني له وهو لا يزال غيبًا في الأرحام.

كان لي شرف التواجد في تلك اللحظة الفاصلة، وكنت أنا من قصّ حبل السرّة، ليعلن انفصاله الجسدي عن أمه وبداية رحلته المستقلة في هذه الحياة. حملته بين يديّ، والدموع تمتزج بابتسامة الترحيب، وكأن العالم كلّه قد انكمش في ذلك الكائن الصغير.
وبينما كنتُ أتأمله، شعرتُ بثقلٍ غريبٍ ليس في جسده، بل في المعنى الذي يحمله. لم يكن لي، كما قد يظنّ القلب في لحظة الفرح، بل كان أمانةً وُضعت في ذراعَيّ لزمنٍ سأُسأل عنه. لم أعرف يومها كيف تُربّى الأمانات، ولا إلى أين ستأخذنا الطريق، لكنني عرفتُ شيئًا واحدًا: أننا سنمضي، خطوةً خطوة، متكئين على نعمةٍ كانت تسبقنا دائمًا، وتُكمل ما نعجز عنه.
ولم تكن فرحتنا به وحدنا؛ فقد كان خليل الحفيد الأول لعائلتي وعائلة ابتسام على حد سواء، فتهللت بقدومه القلوب، وأحاطته العائلتان بحبٍّ غامرٍ لم يزدد مع الأيام إلا عمقًا.

 

البداية الثانية: الغربة صقلاً للهوية والطموح

"أريد أن أدرس هندسة السيارات في ألمانيا"؛ كانت هذه الكلمات بدايةً لرحلةٍ لم نكن قد خططنا لها، لكنها وجدت طريقها إلينا بثقةٍ لم نملك إلا أن نحترمها. بعد عامين من إنهاء مدرسته، وقضائه فترة عمل في الناصرة، اتخذ خليل قراره بالتحليق بعيدًا. لم تكن ألمانيا ضمن توقعاتنا، ولم يكن في الأمر سهولة؛ لكننا، أنا وابتسام، قررنا—رغم غصة القلب—أن نكون الريح التي تدفع شراعه، لا اليد التي تشدّه إلى الخلف.

أتذكر جيدًا تلك الليلة في برلين، حين وصلنا إلى سكنه. كان كل شيء جديدًا عليه: الجدران، اللغة، الصمت المختلف، وحتى معنى أن يعود الإنسان إلى غرفةٍ لا ينتظره فيها أحد. نظرتُ إليه فرأيت في عينيه مزيجًا من الحماس والارتباك، من الشجاعة والرهبة. هناك، فهمتُ أن هذه ليست مجرد رحلة دراسة، بل بداية اختبارٍ حقيقي للنفس.
وقبل أن أغادر، التفتُ إلى ابتسام وقلت لها: "حين يتصل، لا تُثقلي قلبه بحنينكِ، فهو الآن يحتاج لقوتنا أكثر من أي شيء."

ومضت الأيام، ولم تكن سهلة. لكن خليل لم يكن وحده؛ تعلّم اللغة، ووجد لنفسه مكانًا في كنيسة، وبدأت ملامح الطريق تتضح شيئًا فشيئًا. لم يكن يبني مستقبله العلمي فحسب، بل كان يُعاد تشكيله من الداخل—تنضج رؤيته، ويشتد عوده، وتتسع روحه للناس والحياة.
وكما يحمل الابن شيئًا من روح والديه، حمل خليل معه دفء العلاقة بالآخرين، ففتح قلبه، وفتح الله له قلوبًا بالمقابل. وهكذا، لم يخرج من تلك التجربة بشهادةٍ جامعية فقط، بل خرج بشخصيةٍ صقلتها الغربة، وهيّأته للخطوة الأهم: أن يبني بيتًا.
وهناك، في توقيتٍ بدا وكأنه مُعدّ بعناية، التقى بـ"نينا"، التي لم تدخل حياته وحده، بل دخلت حياتنا جميعًا كابنةٍ محبوبة وبركةٍ جديدة.

 

البداية الثالثة: إكليلٌ فوق أمواج التحدي

كان كل شيء يسير كما يُخطط له عادةً: دعوات، ترتيبات، تفاصيل صغيرة تُنسج بحب استعدادًا ليومٍ انتظرناه طويلًا في شهر نيسان. لكن الحياة في بلادنا لا تسير دائمًا وفق ما نرسمه؛ ففي لحظةٍ واحدة، تغيّر المشهد. اندلعت الحرب مع إيران، أُغلقت الأجواء، وتحوّل الفرح المنتظر إلى قلقٍ ثقيل يسكن القلوب.
ومع القرارات التي منعت التجمهر، سقطت كل الخطط دفعةً واحدة، وبدا وكأن الحلم الذي كنا نبنيه منذ أشهر يتلاشى أمام أعيننا.

ومع ذلك، لم ينطفئ شيء في داخلهما. كان واضحًا أن الزواج لم يكن يومًا مرتبطًا بحفلٍ أو جمعٍ كبير، بل بقرارٍ أعمق من كل الظروف. بهدوءٍ يشبه اليقين، تقرر أن يُنقل الإكليل إلى صقلية.
أما نحن، فبدأت رحلتنا الخاصة؛ طريقٌ غير سهل، مطارٌ مغلق، وسفرٌ عبر الأردن، ومحاولاتٌ لا تخلو من التعب والقلق. لم يكن معنا أحد من الأهل أو الأصدقاء، لكننا كنا نحملهم في قلوبنا، ومعنا صلواتهم التي سبقتنا إلى هناك.

وفي صقلية، في مكانٍ بسيط وهادئ، وقفتُ أمام ابني لا كأبٍ فقط، بل كمن يُسلّمه إلى مرحلةٍ جديدة من الحياة. كانت لحظةً مختلفة عن كل ما تخيلته سابقًا؛ لا ضجيج، لا حشود، فقط حضورٌ عميق لمعنى ما يحدث.

وبينما كنت أتمم مراسيم الإكليل، شعرتُ أن كل البدايات التي عشناها معًا تقف معنا في تلك اللحظة—من صرخته الأولى، إلى خطواته الأولى، إلى قراراته التي قادته بعيدًا ثم أعادته أقرب نضجًا.
هناك، لم يكن الأمر مجرد انتقال من العزوبية إلى الزواج، بل بداية طريقٍ جديد يُبنى على الإيمان، ويُختبر في الحياة. وكان السلام الذي ملأ قلبي يومها أعمق من أي احتفال كان يمكن أن نقيمه.

 

أقف اليوم ممتنًا لكل تلك المحطات التي لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت خيوطًا نسجت هذه اللحظة التي نعيشها الآن. من بدايةٍ حملته فيها بين يديّ، إلى بداياتٍ سار فيها وحده، كنتُ شاهدًا على طريقٍ لم أفهمه دائمًا، لكنني كنتُ أرى يد الله فيه بوضوحٍ يكفيني.

واليوم، وهو يبدأ حياةً جديدة مع نينا، أدرك أن دوري لم ينتهِ، بل تغيّر؛ لم أعد أمسك بيده كما في السابق، لكنني ما زلتُ أحمله في صلاتي، وأرافقه من مكانٍ مختلف. وكما كانت كل بدايةٍ في حياته تحمل معنا بركةً خفية، أؤمن أن هذه البداية أيضًا ليست إلا امتدادًا لرحلةٍ يقودها الله بأمانة.

أصلي أن يكون البيت الذي سيبنيانه مكانًا للحياة، للإيمان، وللمحبة التي لا تنضب. وأن أظل، في كل ما هو قادم، شاهدًا ممتنًا على عمل الله— كما كنتُ منذ تلك البداية الأولى، يوم حملته بين يديّ للمرة الأولى؛ لم أكن أعرف حينها إلى أين ستأخذنا الطريق، لكنني اليوم أعرف يقيناً مَن الذي كان يقود الخطى.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع