• عَقْدُ الزَّوَاجِ - المحامي، مارتن كورش تمرس لولو
عَقْدُ الزَّوَاجِ  - المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

عقدٌ يتميَّزُ عن غيرِه من العقودِ في أنَّه ليس مشروعًا تجاريًّا، بل هو، بصريحِ العبارةِ، اتِّفاقٌ إنسانيٌّ بينَ شخصينِ، بشرطِ أن يكونا ذكرًا وأنثى، يحملُ سماتٍ روحيَّةً، ولا علاقةَ له بالمالِ، ربحًا أو خسارةً، بل يقومُ على الحبِّ والتفاهمِ والانسجامِ، ورأسمالُه الإخلاصُ. والأهمُّ من هذا كلِّه أنَّه «عهدٌ» أكثرُ ممَّا هو عقدُ قرانٍ في الإيمانِ المسيحيِّ، ولا تقلُّ أهمِّيَّتُه عن العهودِ التي أعطاها اللهُ لآدمَ وحوَّاءَ ولأبينا إبراهيمَ. إضافةً إلى ذلك، فهو دعوةٌ من الرَّبِّ لهما، ليقفَ العروسانِ في الكنيسةِ، وأمامَ القسيس وبحضور الأهل والمعارف "إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ." (متى 19: 6)، لِتعمَّ الفرحةُ الأهلَ وجميعَ المدعويينَ.

وفق نظرتي الإنسانية، يمر هذا "العهد" بالخطوات التالية: "وَأَحَبَّ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ،" ( سفر التكوين 29: 18).

بدعوةٍ من الرَّبِّ، يتَّفقُ اثنانِ (ذكرٌ وأنثى)، بمحضِ إرادتِهما، ومن أعماقِ قلبَيْهما، عاطفيًّا ونفسيًّا وفكريًّا، على وضعِ اللَّبِنةِ الأساسيَّةِ لبناءِ حياةٍ جديدةٍ مُتوَّجةٍ بإكليلٍ طاهرٍ. ويكونُ قد سبقَ لهما أن توصَّلا إلى التفاهمِ والانسجامِ من خلالِ علاقةِ حبٍّ صادقةٍ ونقيَّةٍ، خاليةٍ من النزواتِ والمصالحِ الشخصيَّةِ والماديَّةِ، عاشاها فترةً من الزمنِ قبلَ أن يقفا أمامَ مذبحِ الرَّبِّ في الكنيسة.

إنَّنا هنا نتحدَّثُ عن علاقاتِ حبٍّ روحيَّةٍ وطاهرةٍ، تتمُّ بمعرفةِ أولياء الأمور ومباركتِهم. ولسنا، ولو قيدَ أنملةٍ، مع العلاقاتِ غيرِ النزيهةِ التي يستغلُّ فيها شابٌّ لعوبٌ فتاةً باسمِ الحبِّ، ليجرَّها، وهي غافلةٌ عمَّا يُدبِّرُه لها، كما يختطفُ الذئبُ عنزةً من بينِ القطيعِ ليفترسَها بلا رحمةٍ، ثمَّ يتركُها في أضعفِ حالاتها النفسيَّةِ والمعنويَّةِ، وقد تدهورتْ نفسيَّتُها وبلغَ بها اليأسُ مبلغَه. كما لا ننصحُ أيَّ شابٍّ وفتاةٍ ببناءِ علاقةِ حبٍّ عبرَ شبكاتِ الإنترنت.

وإذا بدأتْ مثلُ هذه العلاقةُ، فينبغي التعاملُ معها بحذرٍ شديدٍ، ولا سيَّما من قِبَلِ الفتاةِ، لئلَّا تقعَ ضحيَّةَ الخداعِ أو الاستغلال، ولا سيَّما إذا تطلَّبَ الأمرُ سفرَها إلى خارجِ بلدِها. لذلك ننصحُها بضرورةِ إبلاغِ والدَيْها بهذه العلاقةِ، لكي يُرشداها ويُعيناها على التحقُّقِ منها، ويحفظاها من العواقبِ الوخيمة. "وَإِنْ خَطَبَهَا لابْنِهِ فَبِحَسَبِ حَقِّ الْبَنَاتِ يَفْعَلُ لَهَا."(سفر الخروج 21: 9).

بعدَ أن يتعرَّفَ الشابُّ والفتاةُ أحدُهما إلى الآخر، وتزدادَ متانةُ علاقتِهما، ويبلغا درجةً من التفاهمِ والانسجامِ والاستعدادِ لتحمُّلِ مسؤوليَّةِ الزواج، يتقدَّمُ الشابُّ مع أهلِه لطلبِ يدِها، فتُصبحُ خطيبتَه.

ويُستحسَنُ ألَّا تتجاوزَ فترةُ الخطوبةِ ثلاثةَ أشهرٍ، يتعرَّفُ خلالها كلٌّ منهما إلى الآخرِ بصورةٍ أعمق، في إطارٍ عائليٍّ، وبمساندةِ الآباءِ والأمَّهاتِ والأشقاءِ والشقيقاتِ، ليُكمِلا معًا الطريقَ نحوَ تحقيقِ رغبتِهما في بناءِ أسرةٍ جديدة. وكما يُهيِّئُ النحلُ خلاياهُ ليصنعَ فيها عسلَه، هكذا يُعِدُّ العروسانِ، في إطارِ علاقةِ حبٍّ مقدَّسةٍ أرادها اللهُ لهما، خيوطَ حياةٍ جديدةٍ يجمعُهما فيها بيتٌ واحدٌ، في ظلِّ عهدِ الزواج، الذي تُكتَبُ له علاماتُ النجاحِ بعونِ الرَّبِّ "وَأَعْطُونِي الْفَتَاةَ زَوْجَةً" سفر التكوين 34: 12).

يُبرَمُ عقدُ القِرانِ (عهدُ الزواجِ)، بالنسبةِ إلينا كمسيحيِّينَ، في الكنيسةِ. ويقومُ القسيسُ - وتعني كلمةُ قَسِّيس في اللغةِ الآشوريَّة، رابي قاشا - بعقدِ قِرانِ العروسَيْنِ من خلالِ طقسِ الـ(بوراخا) المقدَّس. ويُسجَّلُ عهدُ الزواجِ المُبرَمُ بينَ العروسَيْنِ بحضورِ وكيلَيْنِ بالغَيْنِ سنَّ الرشدِ، يوقِّعانِ بدورِهما في سجلِّ الكنيسةِ شاهدَيْنِ على إبرامِ العهد. وبعدَ إتمامِ مراسمِ الزواجِ في الكنيسةِ، يُوثَّقُ العقدُ، شأنُه شأنُ سائرِ العقودِ، في محكمةِ الأحوالِ الشخصيَّةِ المختصَّةِ بالمسيحيِّينَ في البلدانِ العربيَّةِ. ومن البديهيِّ أنَّ كلَّ عقدٍ مدنيٍّ أو اتِّفاقٍ يُخصَّصُ له مكانٌ يُبرَمُ ويُنفَّذُ فيه، أمَّا عهدُ الزواجِ المسيحيِّ، فمكانُ إبرامِه الطبيعيُّ هو الكنيسةُ، وهو سر مقدس من الأسرار المقدسة، لأنَّه عهدٌ مقدَّسٌ يُعقَدُ أولًا أمامَ الله، ثم يُوثَّقُ أمامَ السلطاتِ المدنيَّة.

إنَّ مكانَ تنفيذِ عهدِ الزواجِ هو المسكنُ، حيثُ تتوافرُ فيه جميعُ مقوِّماتِ البيتِ الشرعيِّ. يدخلُ العروسانِ عُشَّهما الذهبيَّ، ويقضيانِ شهرَ العسلِ، ليبدآ حياتَهما الزوجيَّةَ، متعاونَيْنِ ومتكاتفَيْنِ، ساعِيَيْنِ إلى بناءِ حياةٍ أفضل، وتكوينِ أسرةٍ بإنجابِ الأطفالِ وتربيتِهم. وقد لا يخلو طريقُهما من الزوان، لكنَّ حبَّهما الصادقَ قادرٌ على اقتلاعِه من حقلِ حياتِهما، لتنموَ مكانَه الورودُ والرياحينُ، وكأنَّهما يعيشانِ في ربيعٍ دائم. وعلى الزوجِ الذي يُحبُّ زوجتَه وبيتَه، ويحملُ في قلبِه مخافةَ الرَّبِّ، أن يبتعدَ عن الغضبِ، وأن يتحلَّى بالحكمةِ والوداعةِ، لأنَّهما من أهمِّ أسسِ نجاحِ الحياةِ الزوجيَّةِ. "لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ. " (يعقوب 1: 20). لكي لا يُسيءَ الزوجُ إلى زوجتِه، ينبغي أن يمتنعَ عن التجديفِ والسبِّ والشتمِ، وأن تكونَ كلماتُه معها كلماتِ محبَّةٍ وحنانٍ، مثل: «حبيبتي، عزيزتي، عصفورتي، حمامتي، عيونِي، حياتي»، وما إلى ذلك. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على الزوجةِ في تعاملِها مع زوجِها. زوجانِ يعيشانِ بصحَّةٍ وعافيةٍ تحتَ سقفِ بيتٍ واحدٍ، كما أرادهما اللهُ، فتكونُ حياتُهما الزوجيَّةُ ممتعةً ورائعةً وجميلةً. بل إنِّي أدعو كلَّ عازبٍ إلى عدمِ التأخُّرِ في اختيارِ شريكةِ حياتِه، وكذلك كلَّ عزباءَ إلى اختيارِ شريكِ حياتِها في الوقتِ المناسب، لأنَّ التأخيرَ، في كثيرٍ من الأحيانِ، لا يكونُ في المصلحة.

ونتمنَّى حياةً ملؤُها السعادةُ لكلِّ زوجَيْنِ (ذكرٍ وأنثى) دعاهما الرَّبُّ يسوعُ المسيحُ، له كلُّ المجدِ، ليعيشا معًا تحتَ خيمتِه، ويتمتَّعا ببركاتِه وحضورِه الدائم. "وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا." (متى 19: 5).

 

المحامي، مارتن كورش تمرس لولو

والطالب في كلية بيت لحم للكتاب المقدس.

 

هذه المقالةُ مُهداةٌ إلى أبنائنا وبناتِنا، إلى كلِّ شابٍّ وفتاةٍ يسعيانِ إلى بناءِ حياةٍ زوجيَّةٍ تحتَ خيمةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح، الذي خطبَ الكنيسةَ لنفسِه.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع