• ضعفك هو مصدر قوتك - بقلم: نبيل دكور
ضعفك هو مصدر قوتك -  بقلم: نبيل دكور

فَقَالَ لِي: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ". فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِم وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ. (2 كور 12: 9-10)

 

الرّسول بولس لا يقول: أتحمّل الضعفات والضيقات ولا يقول: أقبلها على مضض، بل: أُسَرُّ بالضعفات والاضطهادات وأفتخر بها، هذا ليس تصالحًا نفسيً مع الألم هذا إعلان أن الضعف لم يعد عدوًا. لماذا؟ لأن الضعف لم يعد يهدد الحياة. الحياة لم تعد في الذات أصلًا. بولس اكتشف سرًا خطيرًا: الضعف هو اللحظة التي تتوقف فيها الذات عن الادّعاء، وحين تتوقف الذات، يظهر الذي كان محتجبًا خلفها.

 

"تكفيك نعمتي" — ليست تعزية بل استعلان وكشف. تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل، الله لا يقل لبولس :سأعوّضك عن ضعفك بل يقول شيئًا أعمق وأصدق: لن أُزيل ضعفك…لأن ضعْفك هو المكان الذي أظهر فيه كاملًا. القوة الإلهية لا تُضاف إلى القوة البشرية  هي تُكمَل فقط عندما تنسحب القوة البشرية.

طالما "أنا" قادر، طالما "أنا" متماسك، طالما "أنا" أُدير الأمورالقوة الإلهية تبقى كامنة، لا ناقصة، بل غير مُعلَنة. لكن عندما أضعف، لا لأنني فشلت، بل لأنني وصلت إلى الحقيقة: "أنا" لست مصدر الحياة. 

 

"حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي" — ليس تناقضًا لغويًا بل واقعًا روحيًا. هذا ليس أسلوبًا بلاغيًا. هذا قانون ملكوت. في قوانين العالم المادي:

القوة تعني السيطرة....الحياة تعني الاستقلال....المجد يعني الظهور.

اما في حياة المؤمن في المسيح:

القوة الذاتية تعني العجز....الحياة تعني الاتكال والمجد يعني الاختفاء.

 

بولس لا يقول: أنا قوي رغم ضعفي بل: أنا قوي لأنني ضعيف. الضعف هنا ليس حالة نفسية، بل حالة لاهوتية، انتهاء الذات كمصدر. ضعف الإنسان لا يُخفي قوة المسيح، بل يُعلنها. حياة المسيح تتجلى فينا أكثر فأكثر كلما ذهبت الذات وغابت محاولاتنا للتحكم. حياة المسيح فينا ليست مجرد فكرة، بل تجربة مستمرة. قبولنا للضعف هو بوابة ظهور قوة المسيح فينا، وليس بالعمل أو الجهد الإنساني. المؤمن ميت في ذاته منذ الصليب وخاضع لعمل الصليب فيه، ولا حاجة لمجهود يومي لإثبات ذلك. حياة المسيح المعلنة فينا تزداد وضوحًا مع إدراكنا لضعفنا واستسلامنا لحقيقة الإماتة.

 

كنز المجد الإلهي يتجلى ويلمع في الأواني الخزفية الضعيفة والهشة أي في حياتنا المحدودة والضعيفة وكلما شعر الإنسان بضعفه، كلما ظهر فضل الله أكثر، لأنه مكتوب:

       " لَنَا هَذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ للهِ لَا مِنَّا" (2كور 4: 7)

 

لألهنا كل المجد من الآن والى الأبد ... آمين..

 

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع