عندما كنت مرة في زيارة لإحدى الكنائس الأمريكية لاحظت كتيباً في مكتبة الكنيسة استرعى انتباهي. وهو بعنوان:
“Rightly dividing the word of truth.” لللاهوتي التدبيري المعروف سايروس سكوفيلد(1). وعندما تصفحت الكتيب بسرعة فوجئت كثيرا بمحتواه. فهو يقوم ببناء لاهوت كامل، أو محاولة دعمه له- وأقصد هنا اللاهوت التدبيري- بالاستناد إلى كلمة واحدة فقط وردت بعدة صياغات في آية واحدة من العهد الجديد. أجل كما قرأت كلمة واحدة! هذا ما اكتشفته عندئذ. ومؤخراً أردت أن أقوم بالمزيد من الدراسة حول هذا الموضوع، ففوجئت أن الأمر أعمق وأشمل مما كنت أظن.
هناك بعض الاَيات الكتابية التي يركّز عليها اللاهوت التدبيري ويفسّرها تفسيرا بعيدا جدا عن سياقها الكتابي. ولعل من أبرز هذه الاَيات تلك الواردة في 2تيموثاوس15:2، والتي حثّ فيها الرسول بولس خادم الله تيموثاوس قائلا له: "اجتهد ان تقيم نفسك لله مُزكّى عاملا لا يُخزى مفصّلاً كلمة الحق بالاستقامة". وقد وردت هذه الآية ببعض الترجمات الإنكليزية كما يلي:
“Be diligent to present yourself approved to God, a worker who does not need to be ashamed, rightly dividing the word of truth.”
نلاحظ هنا أنه وردت في الترجمة العربية لهذه الآية كلمة: "مُفصّلاً كلمة الحق بالاستقامة"، بينما وردت نفس هذه الآية باللغة الإنكليزية ببعض الترجمات كلمة:”rightly dividing the word of truth” وكما نلاحظ فإن الكلمة التي أود البحث فيها هي كلمة مُفصّلاً التي وردت باللغة الإنكليزية Dividing. وللمفاجأة الكبرى أن اللاهوت التدبيري بنى تفسيراً كاملاً، أو دعم تفسيره التدبيري بناء على هذه الكلمة بالذات. والتي تعني باللغة العربية مُقسّماً كلمة الحق بدل مُفصّلاً كلمة الحق.
أعود الآن إلى الآية نفسها، فهذه اَية واضحة لا تحتاج الى المزيد من الشرح، فهنا يحث الرسول بولس خادم الله تيموثاوس، ان يجتهد ويكرّس نفسه لله، ويعمل بكل نشاط، لكي يعلن ويشرح كلمة الحق رسالة الانجيل، بالاستقامة، اي بدون مواربة أو اعوجاج. فكيف فسّر اللاهوت التدبيري هذه الآية الواضحة؟
لقد بنى اللاهوت التدبيري جوهر تفسيره الخاطئ، أو محاولة دعمه له، بناء على هذه الكلمة "مُقسّماً كلمة الحق بالاستقامة". وهنا على المفسّر بحسب رأي اللاهوت التدبيري، ان يقسّم كلمة الله بين مواضيع أو عناوين عديدة، لكي يستطيع أن يفهم المعاني الحقيقية لهذه الكلمة. واستناداً على هذا الكتيب هناك عشرة أقسام قدّمها لنا المؤلف وهي:
1- اليهودي والأممي والكنيسة. التمييز بين المجموعات الثلاث في تعامل الله عبر التاريخ. فبحسب هذا الرأي يتعامل الله مع كل مجموعة على حدة. فهناك آيات كتابية تتعلق باليهود، وآيات تتعلق بالأمم، وأخرى تتعلق بالكنيسة. وعلى المفسّر أن يقسّم آيات الكتاب على ضوء هذه الحقيقة. وهنا عليّ أن أشير أن اللاهوت التدبيري يصر على الفصل الكامل بين معاملات الله لشعب إسرائيل ومعاملات الله للكنيسة المسيحية.
2- العصور أو المراحل التدبيرية المختلفة التي تنظم علاقة الإنسان بالله. وهي التدابير السبعة(2).
3- الفصل بين شريعة موسى وعصر النعمة بيسوع المسيح، الناموس والنعمة.
4- التمييز بين مجيء المسيح الأول للفداء ومجيئه الثاني للملكوت (المجيئان).
وهنا علينا أن نلاحظ أن اللاهوت التدبيري لا يعتبر أن المسيح في مجيئه الأول قد أتى لليهود متمماً وعود الله لهم. فهو وبسبب رفض اليهود له، بدّل مهمته وتحوّل لفداء الأمم ولتأسيس الكنيسة المسيحية، التي كانت بحسب هذا التفسير سراً مخفياً في العهد القديم. هذا لا ينفي برأيهم أن بعض اليهود سيؤمنون ويدخلون في الكنيسة. بينما سيحقق المسيح في مجيئه الثاني وعد الملكوت الأرضي لشعب إسرائيل. لكن الحقيقة هي أن بشارة المسيح الأساسية في مجيئه الأول كانت عن ملكوت الله: "وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمَلَ الزّمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (بشارة مرقس14:1-15). ولهذا نحن نؤمن أن ملكوت الله قد بدأ عن طريق فداء المسيح وقيامته المجيدة من بين الأموات، وجلوسه عن يمين الله الآب في مركز القوة والسلطان. أي لم يكن هناك أي تأجيل لملكوت الله إلى زمن المجيء الثاني للمسيح كما يؤمن التدبيريون.
5- القيامة للأبرار والقيامة للدينونة، القيامتان.
يصر اللاهوت التدبيري على ما يسمّيه بالاختطاف السّري للأبرار، أي القيامة الأولى، عند انتهاء ما يسميّه بعصر الكنيسة، وبدء معاملات الله مجدداً مع شعب إسرائيل. أما القيامة الثانية للدينونة فهي التي ستحصل بعد الملك الألفي الحرفي لشعب إسرائيل على الأرض.
6- تفصيل أنواع الدينونات المختلفة المذكورة في الكتاب المقدس، الدينونات الخمس.
ولعل إحدى هذه الدينونات الخمس، الدينونة التي ستحصل للأمم عند بدء الملك الألفي الأرضي، بالنسبة لكيفية معاملتهم لشعب إسرائيل أثناء الضيقة العظيمة، بحسب رأي التفسير التدبيري.
7- الصراع بين الطبيعة القديمة والجديدة للمؤمن، وهذا ما يصفونه بطبيعة المؤمن.
8- الفرق بين مكانة المؤمن المقبولة أمام الله وسلوكه اليومي، وهذا ما يُطلق عليه الوقفة والحالة.
9- الفرق بين الخلاص المجاني كعطية، والإكليل أو المكافأة على الأعمال، أي الفرق بين الخلاص والمجازاة.
10- طبيعة الكنيسة الحقيقية ووحدتها، الكنيسة جسد وعروس المسيح. وهنا يصر اللاهوت التدبيري على اعتبار الكنيسة شعب الله السماوي المختلف بالكلية عن شعب إسرائيل الذي هو شعب الله الأرضي. أي يوجد شعبان لله، شعب سماوي وشعب أرضي.
أليس مستغرباً حقاً أن يعتمد اللاهوت التدبيري على كلمة واحدة فقط "مقسّماً كلمة الحق بالاستقامة" - والتي وردت في ترجمات أخرى "مفصّلاً كلمة الحق بالاستقامة" - لكي يدعم تفسيره الخاطئ؟ وليقدّم لنا كل هذه الاستنتاجات التي لا أساس لها في فحوى الآية المذكورة؟ فأين نجد هذه البنود العشرة في الكلمة المذكورة؟ مع العلم أن الرسول بولس كان يوجّه نصيحة إلى خادم الله تيموثاوس كيف يتعامل مع كلمة الله بالاستقامة، ولا علاقة لها بتاتاً لما استنتجه المفسّر سكوفيلد. لقد فعل سكوفيلد بعكس نصيحة الرسول بولس لتيموثاوس، إذ ذهب بعيداً جداً في التفسير، وخالف كل قواعد التفسير الكتابي، ولم يكن مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة. أولا يدل هذا على مدى الانحراف الكبير الذي سلك فيه هذا المفسّر التدبيري؟ وكيف نثق بهكذا لاهوت أو تفسير إنطلق من أساس خاطئ بالكلية؟ أولا يجعلنا نطرح الشكوك والتساؤلات حول كل الفرضيات الخاطئة التي وضعها هذا اللاهوت؟
حقاً إنها لتساؤلات جديرة بالتفكير والدراسة والمراجعة.
- سايروس سكوفيلد هو الذي وضع ترجمة خاصة للكتاب المقدس المعروفة بترجمة سكوفيلد، صدرت عام 1909، وكانت لها أثراً كبيرا على الفكر المسيحي الإنجيلي وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. وساهمت في انتشار واسع للاهوت التدبيري ثم اللاهوت المسيحي الصهيوني.
- التدابير السبعة هي: 1- تدبير البراءة، زمن آدم وحواء في الجنة. 2- تدبير الضمير، من طرد آدم إلى الطوفان. 3- تدبير الطغاة أو الحكومات البشرية، من زمن الطوفان إلى بلبلة الألسنة في بابل. 4- تدبير الوعد للآباء، من دعوة إبراهيم حتى العبودية في مصر. 5- تدبير الناموس، من الخروج من مصر إلى يوم الخمسين. 6- تدبير النعمة، الذي بدأ يوم الخمسين
وينتهي في اختطاف الكنيسة السّري. وأخيرا 7- تدبير الملكوت، من اختطاف الكنيسة إلى نهاية ملك المسيح الألفي الأرضي.
ملاحظة: إذا أردت قارئي معرفة المزيد عن اللاهوت التدبيري بإمكاني أن أرسل لك كتابي: "اللاهوت التدبيري تحت المجهر". أرسل لي بعنوان بريدك الالكتروني إذا كنت تقيم خارج الولايات المتحدة الأمريكية، أو بعنوانك البريدي إذا كنت تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك إلى عنوان بريدي الالكتروني: shukrihabibi@hotmail.com وسأرسل لك بكل سرور نسخة من هذا الكتاب.


RSS