يوجد انتقالان مختلفان تمامًا! أولهما: أمَّا الذي يتركُ كنيستَه وينتقلُ إلى كنيسةٍ أخرى، معتقدًا أنَّها أفضلُ من الكنيسةِ التي كان ينتمي إليها، فإنَّ لقرارِه هذا أسبابًا ونتائجَ تستحقُّ الدراسةَ والتأمُّل. وربما تخفى هذه الأسبابُ والنتائجُ على الشخصِ الذي اتَّخذَ قرارَ الانتقالِ، أو لعلَّه لم يُدركْها بعدُ. قد يكونُ قرارُه نابعًا من دافعٍ شخصيٍّ بحتٍ، أو نتيجةَ ظرفٍ مؤقَّتٍ، فإذا زالَ ذلك الظرفُ شعرَ بالندمِ على قرارِه "وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ." (متى 13: 4). ثانيهما: وقد يكونُ الانتقالُ استجابةً لدعوةٍ واضحةٍ من الرَّبِّ بتدخلِ الروح القدس. ففي مثلِ هذا القرارِ يكونُ تدخُّلُ اللهِ واضحًا لا لَبْسَ فيه "وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ." (متى 13: 8)، إذ يقودُ الإنسانَ من مكانٍ إلى آخرَ لتحقيقِ قصدِه الإلهيِّ، كما حدثَ مع أبينا إبراهيم. وسنتعرَّفُ، من خلالِ هذه المقالةِ، على معظمِ أسبابِ قرارِ الانتقالِ ونتائجِه، بعدَ دراستِها بجدِّيَّةٍ، وهي أمورٌ ينبغي ألَّا يتجاهلَها أيُّ واحدٍ منَّا، ومن أبرزِها:
أولًا: أسبابٌ تتعلَّقُ براعي الكنيسةِ، القسيسِ (رابي قاشا) ومنها:
1) على راعي الكنيسةِ أن يكونَ متسلِّحًا بعلمِ اللاهوتِ، كأن يكونَ قد التحقَ بكليةِ اللاهوتِ، أو أتمَّ دورةً في هذا المجالِ.
2) على راعي الكنيسةِ أن يستعينَ دومًا بروحِ اللهِ القدوسِ، لكي يحميَ رعيَّةَ الكنيسةِ من الذئابِ الخاطفةِ. " »اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!" (متى 7: 15).
3) "فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِيًا، عَاقِلًا، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ،" (1 تيموثاوس 3: 2).
4) على راعي الكنيسةِ ألا يهملَ قراءةَ الكتابِ المقدسِ للرعيَّةِ، وأن يقدِّمَ لهم دروسًا في الكتابِ المقدسِ.
5) على راعي الكنيسةِ أن يعطيَ أهميةً للكرازةِ من أجلِ التعريفِ بيسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ".
ثانيًا: أسبابٌ تتعلَّقُ بالعضوِ نفسِه، ومنها:
- التغيُّبُ عن الكنيسةِ، أو المواظبةُ على حضورٍ متذبذبٍ.
- عدمُ الاختلاطِ بأفرادِ الرعيَّةِ.
- الانشغالُ بملذَّاتِ الحياةِ والسعيُ وراءَها.
- إهمالُ قراءةِ الكتابِ المقدَّسِ.
- عدمُ متابعةِ الفضائيَّاتِ التي تُقدِّمُ الكرازةَ وتعاليمَ الكتابِ المقدَّسِ.
- الاستهزاءُ بأمورِ الدِّينِ، والسخريةُ من المؤمنين.
ثالثًا: أسبابٌ تتعلَّقُ برياساتِ الكنيسةِ، ومنها:
- تعدُّدُ الكنائسِ. نجدُ في الطائفةِ الواحدةِ عدةَ كنائسَ.
- اعتقادُ بعضِ رجالِ الدينِ أنَّ كنيستَهم هي الأكثرُ تمسُّكًا بوصايا الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ".
- خلوُّ بعضِ الكنائسِ من برامجِ التوعيةِ الإيمانيةِ وتعليمِ نهجِ الأخلاقِ المسيحيَّةِ.
- ضعفُ التعريفِ بالرَّبِّ يسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ"، بينَ أعضاءِ الكنيسةِ؛ فالكثيرونَ لا يملكونَ معرفةً كتابيَّةً كافيةً عن يسوع المسيح "له كلُّ المجدِ" مثلًا: لماذا جاءَ؟ ولماذا صُلِبَ؟ ولماذا ماتَ؟ ولماذا قامَ من بينِ الأمواتِ؟ ولماذا صعدَ إلى السماءِ؟ ولماذا سيأتي ثانيةً؟
- تأثيرُ الانتماءاتِ القوميَّةِ في أعضاءِ الكنائسِ، وما يترتَّبُ عليه من تعميقٍ للانقساماتِ وتقويتها.
- عدمُ تأكيدِ غالبيَّةِ رجالِ الكنيسةِ- باستثناءِ عددٍ قليلٍ منهم الذين مجموعة غيورة- على أهميَّةِ العملِ من أجلِ وحدةِ الكنيسةِ، باعتبارِها جسدَ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ". ومن بينِ هؤلاء الغيورينَ: نيافةُ المطرانِ مار نيقوديموس داود متّى شرف، ورابي قاشا وردا أوراها.
- إنَّ عدمَ العملِ من أجلِ وحدةِ الكنيسةِ، بوصفِها جسدَ الرَّبِّ، أدَّى إلى احتفالِ بعضِ الرعايا بعيدَي ميلادِ الرَّبِّ وقيامتِه مرَّتينِ في السنةِ، تبعًا لاختلافِ التقاويمِ الكنسيَّةِ.
ليستْ هذه الأسبابُ مستحيلةَ الحلِّ إذا طلبنا حضورَ الرَّبِّ في وسطِنا "لِأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ." (متى 18: 20). أمَّا الاستسلامُ لها، فيجعلُ العضوَ كالعُصافةِ في مهبِّ الريح، فيفقدُ ثباتَه، ولا يعودُ كالورقةِ الخضراءِ المتَّصلةِ بغصنٍ في الكرمة "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. " (يوحنا 15: 1). وهكذا يخسرُ ثمارَ الإيمان، فلا يعودُ يعرفُ الرَّبَّ عن كثبٍ، ويفقدُ المواهبَ الروحيَّةَ التي يهبُها روحُ اللهِ القدوسُ لكلِّ واحدٍ منَّا، فيُحرَمُ من بركاتٍ كثيرة.
استنادًا إلى مبدأِ الحريةِ ورجاحةِ الاختيارِ، فأنا مع التغييرِ الروحيِّ، ولستُ مع الانتقالِ المكانيِّ المجرَّدِ من الإيمانِ، والخالي من قصدِ اللهِ. لذلك يُفضَّل أن يكون أيُّ تغييرٍ برعايةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح "له كلُّ المجدِ" وإرشادِهِ، وإلَّا فقد تكون عواقبُه وخيمة. فقد يضجرُ أحدُ أعضاءِ الكنيسةِ من عضوٍ آخر، أو ينشأُ خلافٌ بينه وبين راعي الكنيسة، أو مع أحدِ الشمامسة، فيُقرِّر، من تلقاءِ نفسه، إمَّا تركَ الكنيسة، أو الانتقالَ إلى كنيسةٍ أخرى. إنَّه قرارٌ غيرُ مدروسٍ، إذ لم يرجعْ قبلَ اتِّخاذِه إلى مشورةِ مَن هم أكثرُ خبرةً أو نضجًا منه، بل لم يُكلِّفْ نفسَه أن يطلبَ إرشادَ الرَّبِّ فيما هو مُزمِعٌ على فعله. وذلك لأنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح "له كلُّ المجدِ" هو رأسُ الكنيسة، والكنيسةُ هي جسدُه، وهو الذي اقتناها لنفسِه، بل وخطبها عروسًا له "فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ." (2 كورنثوس 11: 2). لذلكَ، فإنَّ على المؤمنِ أن يدركَ أنَّه لا يأتي إلى الكنيسةِ من أجلِ شخصٍ بعينِهِ، بل ليجلسَ في حضرةِ الربِّ يسوعَ المسيحِ، «له كلُّ المجدِ»، ويعبدَهُ. ومن هنا، ليس من المستبعَد أن يضجرَ ذلك الشخصُ مرَّةً أخرى، فينتقلَ إلى كنيسةٍ ثانية، ثم ثالثة، وهكذا حتى يقعَ في فخِّ الفتورِ وعدمِ الإيمان. وقد تَؤُولُ بهِ الحالُ إلى الانعزالِ عن شَرِكَةِ المؤمنينَ، وربَّما، مع مُرورِ الوقتِ، إلى الفُتورِ الرُّوحيِّ والابتعادِ عن الإيمانِ.
لذلك قبلَ اتِّخاذِ قرارِ الانتقالِ، ينبغي للعضوِ أن يواجهَ، بروحِ المحبَّةِ والوداعةِ، الشخصَ الذي نشأَ بينه وبينَه خلافٌ أو زعلٌ، سواءٌ أكانَ راعيَ الكنيسةِ، أم أحدَ الشمامسةِ، أو أيَّ عضوٍ أو عضوةٍ، لكي تُعالَجَ المشكلةُ معالجةً كتابيَّةً وروحيَّةً. وعندئذٍ قد يُلغى قرارُ الانتقالِ، ويحدثُ التغييرُ الحقيقيُّ، أي تغييرُ القلبِ والعلاقةِ، بدلًا من مُجرَّدِ تغييرِ المكانِ. لكنَّنا، مع الأسفِ، نجدُ في معظمِ الأحيانِ عكسَ ذلك؛ إذ نهربُ من الحوارِ الصريحِ مع أقربِ الناسِ إلينا، ونُفضِّلُ الخصامَ على المصالحةِ، والابتعادَ على المواجهةِ بالمحبَّةِ.
يا أخي في الرَّبِّ، اسألْ نفسكَ، قبلَ أن تتركَ كنيستكَ وتنتقلَ لتنضمَّ إلى كنيسةٍ أخرى: »هل سيقودُني هذا الانتقالُ إلى تغييرٍ روحيٍّ حقيقيٍّ، أم أنَّه مجرَّدُ انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر؟.« كذلك اسألْ نفسكَ: »هل للرَّبِّ يدٌ في هذه النَّقلة؟ هل سأنالُ الولادةَ الجديدةِ؟ وهل سأتغيَّرُ نحوَ الأفضل؟.« وتأكَّدْ أنَّ التغييرَ الحقيقيَّ ليس مجرَّدَ انتقالٍ لإشباعِ رغبةٍ شخصيَّةٍ أو تحقيقِ مصلحةٍ معيَّنة. فإن كنتَ لا تجدُ في كنيستِكَ ما تطلبُهُ من غذاءٍ روحيٍّ، فاقرأِ الكتابَ المقدَّسَ، وتأمَّلْ فيه، واستعنْ باستنارة الروحِ القدسِ، فهي تُعينُكَ على فهمِ كلمةِ الله. أمَّا إذا كان هدفُكَ هو مجرَّدُ التحوُّلِ من كنيسةٍ إلى أخرى، بحيثُ تنعتُ المكانَ الذي تركتَهُ بأنَّه قديمٌ أو بالٍ، ولا تتأخَّرُ في إغداقِ المديحِ على المكانِ الجديد، فإنَّ هذا لا ينسجمُ مع قصدِ اللهِ من أجلِ حياتِكَ؛ لأنَّكَ اخترتَ الانتقالَ دونَ أن تختارَ التغيير.
قبلَ أن تُقدِمَ على الانتقال، قارِنْ بين نقلتِكَ وبين التغييرِ الذي اختبرهُ كثيرٌ من أبطالِ الإيمانِ في الكتابِ المقدَّس، وفي مقدِّمتِهم أبونا إبراهيم، الذي قالَ لهُ الرَّبُّ: "وَقَالَ لَهُ: أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا." (سِفْرُ التكوين 15: 7)، وكذلك أخنوخ، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وغيرهم من أبطالِ الإيمان. كانَ انتقالهم استجابةً لدعوةِ اللهِ وإرشادِه. لذلك ينبغي أن يكون للرَّبِّ دورٌ في كلِّ تغييرٍ يطرأُ على حياتِنا، حتى يُثمرَ ثمارًا روحيَّةً، ولا يكونَ مجرَّدَ انتقالٍ.
يجبُ التَّرَيُّثُ، والصَّلاةُ بلجاجةٍ، وطلبُ قيادةِ الرَّبِّ، لكي يكونَ انتقالُكَ قدِ اقترنَ بالتَّغييرِ والتَّجدُّدِ اللَّذينِ تحدَّثَ عنهما الكتابُ المقدَّسُ قائلًا: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." (2 كورنثوس 5: 17).
لطفًا خُذْ بهذه النصائح:
- لا تَنْسَ الصَّلاةَ. قال أحدُهم: (عندما تُصلِّي، فكأنَّكَ تتكلَّمُ مع الله.)
- وأنتَ في الكنيسةِ حاضرًا مراسيمَ القدَّاسِ الإلهيِّ (اجتماعَ الصَّلاةِ)، حاوِلْ، جهدَ الإمكانِ، أن تُصغيَ بإمعانٍ إلى ما يكرزُ به القسيسُ.
- لا تكنْ مُستمعًا صامتًا فحسب، بل اسألْ وناقشْ، كي تزدادَ فهمًا ونموًّا في الإيمانِ. "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لَا يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ." (رسالة يعقوب 1: 19 و20).
- صلِّ، واطلبْ مواهبَ من الروحِ القدسِ "شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ." (عبرانيين 2: 4).
- افتحِ الكتابَ المقدَّسَ واقرأْهُ. يبدو أني سمعتُ سابقًا على لسانِ أحد المؤمنين: »من الأفضلِ عندما تقرأُ الكتابَ المقدَّسَ، أن تكونَ طالبًا للحقِّ، وأن تقبلَ أن يكونَ يسوعُ المسيحُ "له كلُّ المجدِ" مُعلِّمَكَ«.
- اطلبِ استنارةً من الروحِ القدسِ وأنتَ تقرأُ الكتابَ المقدَّسَ، لكي يمنحَكَ الفهمَ، فتكونَ كتلميذٍ، وقد قبلتَ أن يكونَ يسوعُ المسيحُ "له كلُّ المجدِ" مُعلِّمَكَ وروحُ اللهِ القُدُّوسُ حاضرٌ. وإنْ لم تفعلْ ذلك، فستجدُ نفسَكَ حائرًا، غيرَ قادرٍ على التخلِّي عن خلفيَّتِكَ الثقافيَّةِ وآرائِكَ القديمةِ التي احتفظتَ بها، التي ليسَ من الصوابِ أن تُقارنُها بالحقيقةِ التي وجدتها في الكتابِ المقدَّسِ.
- أطلب حضور الروح القدس كي لا تشكَّ في كلمةِ الله، لئلَّا تحرمَ نفسَكَ من بركتِها. فالشكُّ يجعلكَ حيرةٍ واضطرابٍ، تتأرجحُ بين الآراء، وتنظرُ حولِكَ كمن فقدَ بوصلتَهُ، مع أنَّ بوصلتَكَ الحقيقيَّةَ هي في يدِ الرَّبِّ، فهو وحدَهُ القادرُ أن يقودَكَ إلى طريقِ الحقِّ.
- اجعلْ كلمةَ الله في الكتابِ المقدَّسِ هي المقياس لكل كتاب تقرؤُه. اجعلْ تعاليمَ يسوعَ المسيح في مقدِّمةِ كلِّ تعليمٍ، وقدِّمْ كلمةَ اللهِ على كلِّ ما كتبهُ البشرُ؛ فهي المرجعُ الأوَّلُ والأعلى، وكلُّ تعليمٍ بشريٍّ ينبغي أن يُفهَمَ ويُقاسَ في ضوئِها "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ،" (2 تيموثاوس 3: 16).
استمعْ إلى الآراءِ المختلفةِ، وازِنْها في ضوءِ نصوصِ الكتابِ المقدَّسِ، ثم قارِنْها بكلمةِ الله، دونَ أن تنسى وصايا الرَّبِّ وتعاليمَهُ. "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي." (يوحنا 5: 39).
النتيجة:
أنا مع النقلِ الذي يصاحبه تغييرٌ في الروحِ والقلبِ والنفسِ. يقولُ القسيسُ دانييل س. ز.: «حاولوا أن تمسكوا بزمامِ التغييرِ، لا أن تقعوا ضحيةَ التغييرِ.« لذلكَ يجبُ ألا يكونَ قرارُ التغييرِ فارغًا من مضمونِهِ الروحيِّ، وألا يشبهَ مجردَ تغييرِ قميصٍ، وألا يكونَ نابعًا من نزوةٍ عابرةٍ، أو قائمًا على خصامٍ مع بعضِ أعضاءِ الكنيسةِ، أو قائمًا على التهربِ من دفعِ العشورِ والتقدماتِ، أو ناتجًا عن ظرفٍ اجتماعيٍّ عابرٍ. فالتغييرُ الحقيقيُّ لا يُقاسُ بالمكانِ الذي ننتقلُ إليه، بل بما يحدثُ في داخلِنا من تجديدٍ روحيٍّ وتغييرٍ في القلبِ والنفسِ والسلوكِ.
أخي في الرَّبِّ، لتكنْ نقلتُكَ روحيَّةً لا جسديَّةً؛ وبعبارةٍ أخرى، قد يكونُ التغييرُ الروحيُّ داخلَ الكنيسةِ نفسِها التي أنتَ عضوٌ فيها، أمَّا التغييرُ الجسديُّ فليسَ سوى تغييرِ المكانِ، من دونِ أن نُغفِلَ ما قد تترتَّبُ عليه من نتائجَ غيرِ مُرضيةٍ. ولكي تكونَ نقلتُكَ تغييرًا حقيقيًّا، فلتكنْ مبنيَّةً على أسسٍ روحيَّةٍ، لا على مجرَّدِ الرغبةِ في تغييرِ المكانِ. من دونِ أن نُغفِلَ ما قد تترتَّبُ عليه من نتائجَ غيرِ مُرضيةٍ. ولكي تكونَ نقلتُكَ تغييرًا حقيقيًّا، وأنا نفسي معه، فلتكنْ:
- فكريَّةً غيرَ تقليديَّةٍ.
- معنويَّةً لا ماديَّةً.
- متجدِّدةً لا متزمِّتةً.
- عاشَةً في زمنِ النعمةِ، لا ناموسيَّةً.
- موهوبةً من الرُّوحِ القدسِ.
- نقلةً شجاعةً بقوَّةِ الرَّبِّ، لا متردِّدةً.
- ذاتَ سلامِ القلبِ، لا سلامِ العالمِ.
- مفتخرةً بالصَّليبِ، وناكرةً لذاتها.
فالتغييرُ الحقيقيُّ هو التجددُ الروحيُّ، والولادةُ الجديدة، والانتقالُ من الإنسانِ العتيقِ إلى إنسانٍ متجدِّدٍ في يسوعَ المسيح. "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ.«" (يوحنا 3: 3). يريدُ الرَّبُّ أن يُحقِّقَ فينا مقاصدَه الروحيَّة، حتى يكونَ أيُّ انتقالٍ نقومُ به سببًا في تغييرٍ روحيٍّ في حياتِنا، فننموَ في الإيمانِ وننالَ الخلاصَ. ولا سيَّما إذا جعلنا إرادةَ الرَّبَّ فوقَ إراداتنا في قراراتِنا واختياراتِنا.
يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّ الخلاصَ مرتبطٌ بالانتماءِ إلى كنيسةٍ بعينِها، ناسينَ أنَّ تعدُّدَ الكنائسِ يعودُ، في جوانبَ كثيرةٍ منه، إلى اختلافِ طرائقِ العبادةِ والتعبيرِ عن الإيمانِ؛ فهذه كنيسةٌ طقسيَّةٌ، وتلك كرازيَّةٌ، وهذه ذاتُ طابعٍ تبشيريٍّ. لذلك، من الأفضلِ أن يعرفَ المنتقلُ سببَ الانتقالِ قبلَ الإقدامِ عليه، وأن يسألَ نفسه: »هل هذا الانتقالُ هو ما يريدهُ الرَّبُّ لي؟ وهل سيُسهمُ هذا الانتقالُ في نمُويَّ الروحيِّ؟.« فالانتقالُ الروحي يعني تحقَّقَ مقاصدُ الله في المنتقلِ حتى ينالَ الخلاصَ الذي هو عطيةٌ من اللهِ بالنعمةِ، الممنوحة من يسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ"، الوسيطِ الوحيدِ بينَ اللهِ والإنسانِ. "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ." (أفسس 2: 8).
قبلَ أن أختِمَ هذا الموضوعَ، دعونا نقرأْ هذه الكلماتِ لأحدِ الكُتّابِ المسيحيينَ المؤمنينَ:
(لا فرقَ عندي إلى أيَّةِ كنيسةٍ تنتمي،
ما دمتَ تقفُ خلفَ الجلجثةِ،
إذا كان قلبُكَ يُشبهُ قلبي،
فهاتِ يدَكَ، فإنَّكَ أخي).
نعم، إنَّ قلبِي يُشبهُ قلبَكَ، وقلبَكِ، وقلوبَكم؛ لأنَّنا قرَّرنا أن نضعَ حياتَنا وقراراتِنا بيدِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ "له كلُّ المجدِ" وأن نجعلَهُ قائدَنا وصليبه مقياسًا لنا في كلِّ تغييرٍ وانتقالٍ، فالمهمُّ ليسَ المكانَ الذي نقفُ فيه، بل أن نكونَ واقفينَ تحتَ الصليبِ، ثابتينَ في المسيحِ "له كلُّ المجدِ" ومتَّحدينَ في محبَّتِه.
المحامي، مارتن كورش تمرس لولو


RSS