(أفسس1- 23:15)
في زحام الحياة المعاصرة وكثرة المطالب اليومية، غالبًا ما تتحول صلواتنا إلى قوائم طويلة ومستعجلة من الاحتياجات المادية، أو طلبات للحلول العاجلة لأزماتنا العابرة. ولكن حين نفتح العهد الجديد ونقف متأملين أمام صلاة الرسول بولس الأولى في رسالته إلى أهل أفسس، نجد أنفسنا أمام نموذج استثنائي يُسمى "الهندسة الروحية". صلاة لا تبدأ بالاحتياج، بل بالامتنان، ولا تقف عند السطح الظاهري للأمور، بل تغوص في أعمق طبقات الإعلان الإلهي، لترسم لنا خريطة طريق تنتقل بنا من واقع الأرض إلى مجد السماويات.
يبدأ الرسول بولس صلاته بنغمة شكر دافئة وإيمان راسخ قائلا: " لِذَلِكَ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي)" أفسس ١: ١٥-١٦). يُعلمنا هذا البدء الروحي أن الشكر ليس مجرد مدخل شكلي، بل هو عملية إعادة ضبط دقيقة لاتجاه القلب. فالامتنان لما فعله الله بالفعل يفتح أبواب عقولنا لنرى عطاياه المقيمة قبل أن نطلب عطايا جديدة. وفي هذا الشكر، يرسم الرسول إحداثيات الحياة الروحية المتوازنة عبر بُعدين متكاملين: بُعد رأسي يتجلى في الإيمان بالرب يسوع كالمرساة التي تثبت السفينة في شاطئ الحق والاتكال الكامل، وبُعد أفقي ينعكس في محبة شمولية تتسامى فوق التعصب والميول والظروف الضيقة لتصل حتى إلى جميع القديسين والمخالفين، كمحبة السامري الصالح. أصلها إيمان حي يربطنا بالله، وثمرها محبة حقيقية تبني الجسور وتستر كثرة من الخطايا.
وحين ينتقل بولس من الشكر إلى الطلب، نلاحظ أنه لا يسأل زوال المشقات أو تغييراً في الظروف الخارجية، بل يرفع طلبة جليلة: "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ" (أفسس ١: ١٧-١٨). نحن بحاجة إلى هذه الحكمة لنميز بين الصواب والخطأ ونختار الأفضل والأصلح في حياتنا اليومية، وبحاجة إلى هذا الإعلان ليكشف لنا أسرار الملكوت ويشرح مشيئة الله الصالحة. فبدون هذه الاستنارة، يظل الذهن يتخبط في الظلمة مقيداً بنظرة زمنية ضيقة ورجاء مهدد بحوادث العالم، بينما تدعونا العيون المستنيرة لنترك الظلمة ونلجأ إلى نور المسيح، لنرى المستقبل بنور رجاء دعوته الثابت الذي لا يهتز.
وفي عمق هذا التأمل، يبرز سرٌ عظيم يخاطب جوهر قيمتنا الروحية، فبينما اعتادت عقولنا أن تنظر إلى الله باعتباره نصيبنا وميراثنا العظيم، يكشف النص الإلهي عن زاوية أكثر ذهولا: "وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين" (أفسس ١: ١٨). إن الله يتنازل في محبته العجيبة ليعتبر المؤمنين هم ميراثه الغني والمجيد! وكما يعلن الرسول بطرس مستحضرًا قيمة هذا الافتداء: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ... بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيح"
(١بطرس ١: ١٨-١٩). وكما يصرخ الترنيم في المزامير: "خَلِّصْ شَعْبَكَ، وَبَارِكْ مِيرَاثَكَ، وَارْعَهُمْ وَاحْمِلْهُمْ إِلَى الأَبَدِ"(مزمور ٢٨: ٩)، وكذلك التأكيد في التثنية: "وَهُمْ شَعْبُكَ وَمِيرَاثُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ" (تثنية ٩: ٢٩). أنت لست رخيصًا ولا منسيًا، بل إن قيمتك الحقيقية تُقاس بمقدار هذا الميراث الإلهي الذي اقتناه لنفسه بدم كريم.
ولأن الفهم والرجاء يحتاجان إلى قوة تُترجمهما في أرض الواقع، ينتقل بنا بولس إلى الطلبة الثالثة لاختبار: "وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نحَوْنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا"
(أفسس ١: ١٩-٢١). يقودنا النص للتمييز بين القوة الساكنة المعزولة والقوة العاملة الفعالة التي تُحرك عجلة الحياة الروحية يوميًا. وبرهان هذه القوة هو واقع مُجرب. فالقوة الفائقة ذاتها التي أقامت المسيح من الأموات هي ذاتها التي تتدفق نحونا لتكسر قيود الموت الروحي والخطية في قلوبنا، كما يُعلن الرسول لاحقًا: «وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ» (أفسس ٢: ٥)، لتمنحنا حياة جديدة ونختبر قيامته يوميًا.
وهذا المسيح القائم والممتلئ مجداً هو الذي تنبأ عنه إشعياء النبي قديما: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَم) "إشعياء ٩: ٦). وهو الذي فيه اكتمل سر التقوى: "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْد" (١تيموثاوس ٣: ١٦). وهو المشهود له في الرؤيا: "وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَاب" (رؤيا ١٩: ١٦)، والذي تُنسق كل الخلائق لاعترافه:" وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآب" ٢: ١١) فيليبي).
ويكتمل هذا المشهد الروحي العظيم بتأمل موقع الكنيسة وعلاقتها برأسها:"وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلَأُ الْكُلَّ فِي الْكُل" (أفسس ١: ٢٢-٢٣). هنا نرى الالتحام العضوي الرائع بين السماء والأرض: المسيح هو الرأس غير المنظور الحامل لكل السلطان والفيض في السماويات، والكنيسة هي الجسد المنظور على الأرض؛ الأيدي والأقدام التي تحقق مقاصده وتترجم محبته وقدرته في خدمة العالم. وكما أن السفينة تعتبر "ملآنة" ببحارتها وجنودها الذين يقودونها في عرض البحر، هكذا اختار المسيح الكنيسة لتكمل برنامجه الفدائي في خدمة العالم وتكون امتداداً حياً للتجسد.
إن صلاة بولس الأولى ليست مجرد طقس نردد كلماته، بل هي خريطة طريق متكاملة تنقلنا من مجرد التصديق العقلي للإنجيل إلى اختبار قوة القيامة في واقعنا اليومي، لنعيش بـ "عيون مستنيرة" تدرك عظمة رجائها والقوة الفائقة العاملة فينا وفي كنيسته إلى الأبد.


RSS